بيان الكتب: بيفرلي ميلتون ادوارد، هي استاذ مساعد في كلية الدراسات السياسية بالجامعة الملكية في بلفاست. سبق لها ونشرت كتابين كرستهما لمنطقة الشرق الاوسط، وهما «السياسات الاسلامية في فلسطين» و«السياسات المعاصرة في الشرق الاوسط». وبيتر هنشكليف هو استاذ شرف في الجامعة الملكية ببلفاست واستاذ سابق في جامعة «ادنبرة» ساهم في تأليف كتاب: «الاردن: الارث الهاشمي» بالاشتراك مع بيفرلي ميلتون ادوارد.. وسبق له وعمل سفيراً لبريطانيا في كل من الكويت والاردن. في هذا الكتاب المخصص لـ «نزاعات الشرق الاوسط منذ عام 1945» يدرس مختلف النزاعات الكبرى التي شهدتها المنطقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الحقبة الراهنة.. وقد تبنّى المؤلفان في تحليلاتهما التعرض للنزاعات المعنية من زاوية طبيعتها الاثنية والسياسية والثقافية والعقائدية وحيث يلعب كل عامل من هذه العوامل دوراً في «تأجيج» الصراعات او «تهدئتها».. هذا وقد كانت منطقة الشرق الاوسط قد جذبت اليها «الاهتمام العسكري» والتركيز عليها لانها كانت خلال النصف الثاني من القرن العشرين مسرحاً لحربين كبيرتين اولاهما بين العراق وايران والتي استمرت ثماني سنوات ثم حرب الخليج الثانية التي شهدت اكبر تحالف دولي ضد دولة واحدة. هذا بالاضافة الى الحروب العربية ـ الاسرائيلية منذ قيام المشروع الصهيوني في المنطقة. ويضاف الى هذا كله الحرب الاهلية اللبنانية والنزاع الكردي على قاعدة مطالبة الاكراد بحقهم في وطن لهم. ان الحديث عن النزاعات يستدعي بالضرورة البحث في الحلول المقترحة لهذه النزاعات.. وهذا ما يفعله مؤلفا هذا الكتاب بالنسبة للنزاعات في الشرق الاوسط منذ عام 1945.. اذ يوليان اهمية خاصة لدور الدبلوماسية ومسيرات السلام وموقف القوى العظمى والكبرى من قضايا هذه المنطقة الاستراتيجية بالنسبة للعالم كله.. ومن «المنطقي» ان يحظى الصراع العربي ـ الاسرائيلي بموقع متميز في تحليلات المؤلفين نظراً للرهانات التاريخية والمستقبلية المترتبة عليه.. هذا فضلاً عن ان هذا الصراع يساهم بقدر كبير في صياغة «طبيعة» الحياة السياسية في الشرق الاوسط كله خلال النصف الثاني من القرن العشرين. كما ان هذا الصراع هو الذي احتل الجزء الاعظم من «مخيلة» ابناء هذه المنطقة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.. وهو صراع له ايضاً تداعياته الاقليمية والدولية حيث يبقى بمثابة «نقطة توتر» اساسية يمكن ان تؤدي الى «انفجارات» لا يمكن التنبؤ بحجمها ومداها... ولا ينسى المؤلفان ان يذكرا باستمرار بان للقوى الكبرى في العالم «مصالح استراتيجية» في منطقة الشرق الاوسط تعود لاسباب عديدة ليست مصادر الطاقة هي اقلّها اهمية. ثم ان وجود «المصالح» يعني مباشرة وجود «المنافسات» بين القوى المعنية، وهكذا يكرس المؤلفان احد فصول كتابهما التسعة لشرح دور القوى العظمى والكبرى في نزاعات الشرق الاوسط وخاصة دور الولايات المتحدة الامريكية الذي اصبح راجحاً على المسرح الدولي عامة بعد الحرب العالمية الثانية وعلى المسرح السياسي للشرق الاوسط بشكل خاص وتحديداً فيما يتعلق بالصراع العربي ـ الاسرائيلي.. كما كان للاتحاد السوفييتي «السابق» دور مهم في سياسات الشرق الاوسط ونزاعاته حتى سقوطه في مطلع عقد التسعينيات الماضي. ويؤكد المؤلفان بان الصراع العربي ـ الاسرائيلي شكّل احدى القضايا الأكثر تعقيداً منذ الحرب العالمية الثانية وحيث وصلت تداعياته الدولية الى درجة الاقتراب من «المواجهة النووية» بين القوتين العظميين الامريكية والسوفييتية ـ السابقة ـ ذات مرة. وتجدر الاشارة هنا الى ان المؤلفين قد كرّسا فصلين كاملين في كتابهما للنزاع العربي الاسرائيلي يتعرض اولهما للمواجهات العربية ـ الاسرائيلية التي مثلتها حروب 1948 و1967 و1973 و1982.. كما يتم التعرض في هذا الفصل لاتفاقيات السلام المصري ـ الاسرائيلي عام 1978 ثم اتفاق 1994 بين الاردن واسرائيل... اما الفصل الثاني فإنه مكرّس تحديداً للمواجهة الفلسطينية ـ الاسرائيلية منذ «ثورة 1936 ـ 1939» في فلسطين وحتى مواجهات ما بعد اتفاقيات اوسلو لعام 1993 مع التوقف طويلاً لتحليل انتفاضة الحجارة عام 1987. ويعود المؤلفان في هذا الاطار الى أبعد من ذلك حيث يتعرضان لشرح اهداف الحركة الصهيونية منذ بداياتها ومنذ افواج المهاجرين الاولى من اوروبا نحو فلسطين وانتزاع ملكيات العرب الفلسطينيين. ويعتبران بان بروز الهوية الوطنية الفلسطينية وايضاً بروز النزعة القومية العربية «الجديدة» في مواجهة الصهيونية قد خلق مناخاً من العداء للامبريالية والاستعمار، واعطى بعداً جديداً للصراع العربي ـ الاسرائيلي الذي شكل وعد بلفور نقطة الانطلاق فيه ثم جاء تعاظم نفوذ القوى الاوروبية الاستعمارية في الشرق الاوسط بعد تحلل الامبراطورية العثمانية وسقوطها في نهاية الحرب العالمية الاولى ليعطي للمشروع الصهيوني الاطار الملائم للتحقق على الارض. ومع نشوب الحرب العالمية الثانية واستغلال اليهود لما تعرضوا له في ظل النظام النازي في المانيا بقيادة ادولف هتلر وجد ذلك المشروع الدعم الكامل من القوى الغربية الرئيسية والاتحاد السوفييتي انذاك ايضا مما أدى الى قيام الكيان الصهيوني في فلسطين عام 1948. ومن خلال دراسة الحروب العربية ـ الاسرائيلية المتتالية بفارق عدة سنوات بين كل منها انطلاقا من حرب 1948 التي انتهت بهدنة 1949 وحتى الاجتياح الاسرائيلي للبنان في صيف عام 1982 ومروراً بحرب السويس عام 1956 وحرب يونيو 1967 ثم حرب اكتوبر 1973 يقدم المؤلفان تحليلهما لموازين القوى في الصراع العربي ـ الاسرائيلي، ويؤكدان على ثقل الوزن الاقتصادي لهذا الصراع الذي استنزف المداخيل الوطنية من اجل شراء صفقات لا تنتهي من الاسلحة ذات المصادر المتنوعة، وخاصة الغربية منها.. ويتم التأكيد في محصلة هذه التحليلات على الدور الكبير المناط بالولايات المتحدة كي تدفع الاطراف المتنازعة الى ولوج سبيل السلام.. وعلى غرار تشجيعها لـ «السلام المنفرد» في كامب ديفيد بين مصر واسرائيل.. كما يؤكدان على الدور الذي ينبغي للمجموعة الدولية ان تقوم به في هذا الاتجاه لكنهما يريان بان المسألة الاساسية وفصل المقال بأي مستقبل للسلام في المنطقة، انما يكمن في «القبول الشعبي» له من كل الاطراف، اذن يكفي ان يوقع القادة السياسيون معاهدات سلام حتى «يعيش» هذا السلام فعلاً. وفي الفصل الخاص بدور القوى العظمى في نزاعات الشرق الاوسط يقوم المؤلفان اولا بتحليل آثار المنافسة الامريكية ـ السوفييتية (حتى مطلع عقد التسعينيات الماضي) على «توجيه» آليات سياسات الشرق الاوسط والنزاعات التي عرفها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وحيث كانت ازمة احتلال العراق للكويت في عام 1990 ثم حرب الخليج الاخيرة عام 1991 بمثابة منعطف حاسم في «وزن» العامل الخارجي بالتأثير على السياسات في الشرق الاوسط الذي كان احد ابرز مسارح «المواجهة» بين معسكري الغرب والشرق خلال اربعة عقود من «الحرب الباردة» واذا كانت الولايات المتحدة قد تلمست اول خطاها نحو الشرق الاوسط بعد الحرب العالمية الاولى، وحيث كانت انجلترا وفرنسا هما القوتان المسيطرتان انذاك، فإنها أصبحت القوة الفاعلة الرئيسية بعد الحرب العالمية الثانية ثم «الوحيدة» تقريباً بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. يقول المؤلفان: «منذ الايام الاولى للمباديء التي اعلنها ترومان عام 1947 وحتى الأشهر المضطربة خلال عام 1990 ودخول قوات التحالف الدولي في حرب مع العراق ـ أم المعارك ـ كان دور القوى العظمى هائلاً على صعيد النزاعات الاقليمية. لكن الصورة تبدلت لتصبح امريكا وحدها هي صاحبة الصوت الأقوى في المنطقة ولتتابع بالوقت نفسه نهجها في تحقيق عدد من الاهداف ـ الثوابت ـ الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية. ان مؤلفي هذا الكتاب يحللان تطور السياسة الامريكية حيال منطقة الشرق الاوسط في اطار تسلسلها الزمني وعلى ضوء بعض الاحداث ـ المنعطفات وحيث يجدان بان قيام الثورة الاسلامية في ايران عام 1979 كان اكثرها عمقاً وتأثيراً على صعيد الحسابات الاقليمية للولايات المتحدة الامريكية ولنفوذها في المنطقة، لاسيما وان الشاه كان هو الحليف الأكثر مصداقية لواشنطن بعد اسرائيل في عموم منطقة الشرق الاوسط بينما اصبحت امريكا هي التي تمثل «الشيطان الأكبر» بنظر قادة ايران بعد سقوط الشاه. ويبحث المؤلفان في هذا السياق دور ما يطلقان عليه تسمية «الاسلام الراديكالي» ثم يتعرضان في النهاية لبعض النزاعات ذات الطابع المحلي كما في لبنان او الاثني كما هو الحال بالنسبة للقضية الكردية. وهو كتاب يقدم، رغم عدد صفحاته القليلة، كماً كبيراً من المعلومات حول تاريخ الشرق الاوسط الحديث وخاصة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى اليوم