شكلت المدينة في التاريخ احد المؤشرات الاساسية لتقدم الحضارة الانسانية، واذا كان التساؤل حول مكانة المدينة في القرن الحادي والعشرين، يبدو انه ساذج الى حد كبير، فانه مع ذلك يدعو، كما يؤكد مؤلف هذا الكتاب منذ البداية، تأملاً عميقاً ومتأنياً لان الاجابة عليه قد تشكل احد المؤشرات الاساسية على الشكل المستقبلي للتطور الذي ستشهده البشرية خلال العقود المقبلة فيما يتعلق بـ «شغل» البشر للمكان الذي يعيشون فيه. ان المؤلف يشير منذ البداية اولا الى الكم الكبير من الكتب التي صدرت وجعلت من هذه المدينة او تلك موضوعاً لها.. ذلك ان تطورها يدل على مجمل حركة تطور بلدانها.. واذا كانت مدينة لندن تعد في القرن الثامن عشر ما يقارب المليون نسمة فان عدد سكانها اليوم قد تجاوز العشرة ملايين.. ان قراءة سريعة لهذا المؤشر لابد وان تؤدي بنا الى التأمل بآثار الثورة الصناعية الاولى التي شهدتها بريطانيا والعالم الاوروبي منذ نهايات القرن السادس عشر وحيث ظهرت اثارها جلية اعتباراً من القرن الثامن عشر. وما يقال عن لندن يمكن تكراره بالنسبة لمدن اخرى عديدة في العالم كانت بمثابة علامات فارقة على تقدم الحضارات التي ترعرعت في ظلها. واذا كانت بعض المدن قد اشتهرت بفعل دورها الاقتصادي او السياسي، فان مدناً اخرى قد وصلت الى قمة سلّم الشهرة بفضل هندستها المعمارية الرائعة مثل «فلورنسا» في ايطاليا منذ نهايات القرن السادس عشر او مدينة «امستردام» بتخطيطها الرائع او «ريودي جانيرو» و«هونج كونج» لموقعهما المتميز. ان كل من هذه المدن قد أخذت موقعاً خاصاً بسبب «خصوصياتها»، كما كانت قد عرفت «فيلادلفيا» مثلاً لدورها الاقتصادي او لندن لدورها السياسي خلال الحقبة الامبراطورية او موسكو في ظل الحرب الباردة. لكن ماذا بشأن مدينة المستقبل؟ مدينة القرن الحادي والعشرين؟. وتساؤلات اخرى كثيرة حول الدور الذي يمكن ان تلعبه مدن مثل نيويورك ولندن وطوكيو خلال العقود المقبلة كنقطة اتصال ووصل ولقاء بين اصحاب القرار على الصعيد العالمي وفي جميع الميادين؟ وماذا ايضا عن مدن مثل بكين وشنغهاي ودلهي والقاهرة.. الخ. ان مؤلف هذا الكتاب، وهو باحث مرموق في ميدان علم الاجتماع، وكان قد سبق له وكتب الكثير عن المدن وتاريخها، يتحدث في هذا العمل الجديد عن اسرار «سحر المكان»، اي المدن ويرى بانها سوف تتابع جذبها لاهل الارياف خلال القرن الجاري وذلك على اساس انها مراكز القوة والنشاط الاقتصادي والتجديد. لكنها ايضا وقبل اي شيء اخر دليل على الابداع الانساني وعلى نتاج عمل مشترك للتكنولوجيات والفنون.. وهذا يدعو للاعتقاد بأن المدينة في القرن الحادي والعشرين ستكون ذات طابع اكثر «تقنية» على حساب بعدها الفني.. اي انه ينبغي علينا ألا ننتظر «فلورنسا» جديدة.. ولهذا يمكن القول بان كتاب «سحر المكان» يخص بالاحرى المدينة الحديثة اكثر مما يخص المدينة التاريخية التي كان المؤلف قد كرّس لها كتابه الاول «فكرة المدينة». واذا كانت فلورنسا تبتعد فإن مانهاتن تحتل مساحات اكبر