بيان الكتب:امينة تراوري مؤلفة هذا الكتاب هي وزيرة سابقة للثقافة في مالي وهي احد الاصوات الافريقية المسموعة على صعيد العالم كله باعتبارها مدافعة عن القارة السوداء التي تعاني اكثر فأكثر، من نتائج العولمة الليبرالية لها كتابان سابقان هما «الكماشة، افريقيا في عالم لا حدود له» الذي صدر عام 1999 وأعيد طبعه عام 2001 و«الباحثون عن المستقبل». هذا الكتاب الجديد «اغتصاب المخيلة» مكرس، كسابقيه للقارة الافريقية التي تبحث عن طريقها منذ عدة عقود من الزمن والتي تعاني من حالة اغتراب عن الذات وذلك تحديدا لان الصورة التي تملكها عن نفسها ولان مكانتها في العالم انما هي مصنوعة من قبل الآخرين ان افريقيا السوداء كما تقدمها مؤلفة هذا الكتاب انما هي موجودة في الطريق المسدود انها منهوبة ومهمشة وتعاني الغالبية العظمى من دولها من حالة متطرفة من البؤس هذا فضلا عن انها تنوء تحت اعباء ديون خارجية تفوق طاقاتها على السداد، ولكنها تجد نفسها مع ذلك مرغمة على تبني مجموعة من الاجراءات التي تفرضها عليها مؤسسات عالمية كصندوق النقد الدولي هذا على الرغم من الكلفة الاجتماعية والانسانية الباهظة. ان المؤلفة تناقش الحالة الافريقية على ضوء مختلف اشكال العنف التي شهدتها المسيرة التاريخية الانسانية وأدت الى نوع من التقسيم بين منتصرين ومهزومين و«رابحين وخاسرين». كما ان العلاقات بين الامم الغنية والامم الفقيرة تبقى محكومة بهيمنة الاولى على الثانية، ويبدو في هذا الاطار كأنه محكوم على افريقيا وحسب مشيئة الاسياد، ان تناقش اوضاعها من موقع الفقر والهامشية.. وكأنه هذا هو الوضع الاعتيادي.. والمنطقي وعليها بالتالي ان تتصرف من موقع الدونية والتبعية للعالم المتقدم «الغني». وفي مواجهة مختلف اشكال الادانات لـ «الليبرالية» السائدة في ظل العولمة والنظام الدولي الجديد تؤكد مؤلفة هذا الكتاب وباشكال مختلفة ايضا على ان افريقيا هي التي تمتلك وحدها الدواء للشرور التي تعاني منها، وان الخطوة الاولى في هذا السبيل تراها في استعادة «الجزء الاساسي» الذي تمت سرقته منها اي «انسانيتها» ذلك انها تحتاج الى هذه الانسانية اكثر من حاجتها الى رؤوس الاموال والتكنولوجيات المتقدمة والاستثمارات الخارجية.. وكذلك على اساس ان «عولمة الانسان» فينا هي اهم بكثير من «البعد الاقتصادي» الذي يبدو حاليا انه بمثابة البعد الوحيد.. هذا وكان الفيلسوف «هربرت ماركوزي» قد تحدث طويلا في اطروحاته عما اسماه بـ «الانسان والبعد الواحد في ظل المنظومة الرأسمالية».. المطلوب هو ان يتحمل كل انسان مسئولياته فيما يتعلق بالروابط المرئية احيانا وغير المرئية احيانا اخرى التي تعطي للحياة معناها. ان المؤلفة تتحدث في كتابها عن «روح افريقية» في طريقة رؤية العالم والانتماء اليه.. وهي رؤية كونية يمكن ان تؤدي الى نوع من «العولمة السعيدة» وذلك لانها يمكن ان تكون لـ «فائدة الجميع» انها «عولمة» لا تقوم على اساس وفرة السلع والخدمات وانما بالاحرى على اساس تنوع الشعوب والثقافات.. وضمن هذا الاطار تؤكد «امينة تراوري» على ان الافارقة قد عرفوا منذ حوالي خمسة قرون نوعا من «الاندفاع» المستمر باتجاه الآخر، الآخرين، العالم، لكن الغرب هو الذي خرق قواعد اللعبة ودخل الى القارة السوداء مستعمرا وليس شريكا يحترم العلاقة مع الآخر ومنذئذ يعيش الافارقة حالة من البحث عن سلم مرجعياتهم وعن الروابط التي تصالحهم مع الماضي والحاضر والمستقبل، لكن الغرب يصر دائما على ألا يترك مواقعه فهو لا يتراجع ابدا الا من اجل ان يتقدم بخطى اكثر وثوقا هكذا تعاظمت الهوة بين العالمين بسبب غياب اية علاقة متكافئة انسانيا بشكل خاص ان اصوات الغرب خنقت الاصوات الافريقية بل ودفعتها الى ان تردد المنطق نفسه القائل بوجود افريقيا مثيرة وبحيث يندب الجميع المصير المفروض على القارة السوداء. ان الغربيين، وكما تقدمهم مؤلفة هذا الكتاب يتحملون مسئولية كبيرة في المصير الذي آلت اليه افريقيا انهم يرون دون ان يعترفوا بذلك بأن هذه القارة تعاني من «حالة عجز وراثية تمنع افريقيا من ان تتصور نموذجا حضاريا خاصا بها» على هذا الاساس ايضا يتم اقصاؤها عن العالم بسبب عدم قدرتها على الاندماج فيه، هذه الرؤية تحديدا هي التي ترفضها مؤلفة هذا الكتاب بل وتريده ان يكون بمثابة صيحة تؤكد فيها على افريقيا المعطاءة وافريقيا الشهيدة وافريقيا الحل وهي تؤكد في الوقت نفسه ايضا على ضرورة ان يتحاور البشر بشتى اجناسهم وألوانهم وان تتضافر الشعوب الباحثة عن مستقبل افضل تكون القاعدة الاساسية فيه هي احترام الآخر كما هو، ربما هو مختلف عن الـ أنا» أو «الاختلاف هو ملح الارض تقول امينة تراوري التي ترى في لقاء «المنتدى الاجتماعي العالمي» في بورتو اليجري في البرازيل نقطة انطلاق جديدة نحو آفاق ارحب واوسع. وتتحدث المؤلفة طويلا في هذا الكتاب عن العنف السياسي والمؤسساتي الذي يخرب عدة بلدان افريقية بينما يستهدف العنف الرمزي الذاكرة والمخيلة معا، وفي محصلة هذا كله تعاني افريقيا من «الموت الاجتماعي واحيانا من الموت الفعلي وتبدي المؤلفة في هذا السياق معارضة كبيرة لـ «العنف المسلح» الذي يمارسه الاقوياء ضد الضعفاء وحيث ان «الحرب هي اكبر عامل مدمر للعلاقات والروابط الاجتماعية» والاقوياء هم الذي يصنعون «الشرعية» على الحروب مع ما يتضمن هذا الواقع في طياته من التقليل من مصداقية الامم المتحدة ومن القوانين الدولية التي يتم استخدامها في تلبية رغبة الاقوى، ان الاقوى الذي تتحدث عنه المؤلفة هو بالتحديد الولايات المتحدة الامريكية. ان أمينة تراوري تبدي قلقها الواضح امام امركة العالم التي تبدو زاحفة دون ادنى شك وهي ترى في مقاومة مثل هذا التوجه واجبا ذلك ان الامر يتعلق بمصير العالم وبالتالي بمصير افريقيا تقول المؤلفة: علينا كشعوب ان نستقريء المفاهيم والافكار التي تؤدي الى الطريق المسدود بل وربما الى المسلح وبهذا المعنى تعارض المؤلفة توجهات العديد من الدول والحكومات الافريقية التي تنادي بضرورة الاندماج في اطار العولمة من اجل محاربة الفقراء لكن هذا ليس اكثر من كذبة فاضحة. ذلك ان المأساة الحقيقية التي تعاني منها افريقيا انما يكمن مصدرها الرئيسي في «عنف النظام الدولي ومراميه التجارية واللاانسانية» اضف الى هذا واقع ان التجارة مع الغرب لم تكن في يوم من الايام لصالح البلدان الافريقية هناك فقط قلة قليلة من الافارقة المستفيدين الذين تتجه انظارهم عامة نحو اوروبا حيث يتطلعون للاقامة. ان المؤلفة تعود في هذا الكتاب الى عقد الستينيات من القرن الماضي «العشرين» حيث شهدت القارة الافريقية، مثل العديد من مناطق العالم التي كانت تعرف تنامي قوة حركات التحرر من الاستعمار، الكثير من الاحلام ومن المشاريع الطوباوية حول المستقبل المشرف، وانطلاقا من هذه الفترة تحاول امينة تراوري ان تتلمس بدايات توجه افريقي نحو محاولة التمسك افريقيا بمصيرها وتختار اولئك الذين يحكمون بلدانها.. ان مثل هذا الاتجاه قد تسارع اكثر فأكثر منذ سقوط جدار برلين المطلوب هو تغيير قواعد اللعبة الدولية اذ لا تكفي المعارضات السياسية المحلية لاحداث منهج جديد لاسيما وان مختلف اشكال الانتخابات في افريقيا قد ظهرت بمثابة بروز لعداوات ونزاعات قد تتم على خلفية اثنية او عقائدية، كما انها تؤدي في اغلب الاحيان الى تعطيل الحياة الاقتصادية بل وربما سلبها.. اضف الى هذا واقع خضوعها لمصالح «سادة العالم» الذين قد يقومون بالاشراف عليها مباشرة ويمولونها. وهم بالتالي لا يريدون بالتحالف مع بعض ممثلي الطبقات السياسية المحلية اي تغيير يخرج عن اطار مصالحهم... او عن قواعد العولمة الليبرالية الجديدة.. وما عدا ذلك انما هو مجرد بلاغة خطابية اذ ان الشعوب الافريقية لا تزال بعيدة وصعبة التعبئة وتؤكد المؤلفة في هذا السياق صعوبة انبثاق مجتمع مدني افريقي حقيقي. اما الخطوة الاولى في اعادة الاعتبار لافريقيا من اجل امكانية مواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية والحضارية فانها تتمثل بـ «اعادة الاعتبار للمخيلة التي جرى اغتصابها» هذا ما تقوله امينة تراوري وتشرحه على صفحات كتابها «اغتصاب المخيلة»