بيان الكتب: بعد ديوانيه «سيمياء أبجدية الأفعى»، و«الحبل بلا دنس» يتجه الشاعر المغترب فايز مقدسي الى التراث الاوغاريتي فيترجم قصيدة بعل وموت، ثم قصائد اوغاريتية، لتشكل واحدا من المؤثرات الثقافية التراثية في شعره بالاضافة ، الى الفكر الصوفي عند ابن عربي والحلاّج، والشعر الفلسفي وبخاصة لدى المعري، ومؤثرات ثقافية غربية بحكم إقامته في باريس واطلاعه المستمر على جديد الثقافة والفكر، وكونه أيضا معداً للبرامج في إذاعة مونت كارلو. هذه المؤثرات ساهمت في تجليات ديوانه الأخير «الحياة السحرية» والذي يتألف من ثلاثة فصول: الاول بعنوان الحياة السحرية 66 صفحة وبه سمي الديوان، والثاني بعنوان الفصل الوثني، سبع صفحات، والثالث بعنوان مرانم 14 صفحة. ويشتمل كل قسم على مجموعة من القصائد النثرية. صدّر الشاعر كل فصل بكلمة تشكل مدخلا له. ففي مقدمة الحياة السحرية نقل من كتاب الأغاني هذه الحادثة: «جلس مطيع بن إياس في العلة التي مات فيها في قبة خضراء، وهو على فرش خضر، فقال له الطبيب: اي شيء تشتهي اليوم؟ قال: «أشتهي الاّ أموت». ما بين الحياة التي نحياها وارفة او قاحلة وبين الموت الذي هو الحقيقة الأزلية يمتد توق الانسان الى حياة سحرية. في مقطوعة «أخبار مصطفى المعذب» والمسرودة كحكاية يتحدث عن مصطفى الذي اقترن بمريم «وأعطاه ربه فتدفق المال عليه وكدس الكنوز وحمّل امرأته باللآليء واليواقيت والأحجار الكريمة وبأقراط الذهب. فصارت كالدابة تنوء تحت حملها الثقيل. ومضغ وزوجه وأولاده طعاماً لم يذق الناس مثله، فاشتطت أحناكهم ونخرت أضراسهم وفسدت مخارج الحروف في أفواههم. وانتفخ مصطفى وأولاده وأمسوا كالطبول. وكانت مريم تحمل كل عام وتضع هي والماعز والأبقار». ثم مات مصطفى وترملت مريم وراح الاولاد يموتون الواحد تلو الآخر. ولما ماتت مريم قال نفر ان الله ارسل على مصطفى وأهله ريحا صرصرا أبادتهم. وذكروا عاد وثمود وطسم وجديس. ثم شكك نفر آخر في صحة ايمانهم. ويظهر مصطفى في أحلام النائمين قلقا خائفا من عذاب الله يوم القيامة. وهكذا تبدو المؤثرات القرآنية في هذه المقطوعة واضحة. ويعود السؤال أين هي الحياة السحرية؟ فهاهو مصطفى الذي اوتي النعم في الدنيا يقف أمام الموت، هذه الحقيقة الأزلية عاجزا، وما الحياة التي عاشها سوى وهم لحياة سحرية. ثمة حديث عن فردوس مفقود وحياة سحرية نجده في موروثات الشعوب. وفي رقيم سومري وآخر فرعوني نص يتحدث عن فردوس مفقود يقول في غابر الأزمان لم يكن في الارض ذئب لم يكن في الارض عقرب وكان الناس يعيشون في حب ووئام. والشاعر في مجموعته يتحدث عن حياة سحرية وفردوس مفقود وسعادة عاشتها البشرية في غابر الأزمان يقول: «وتتساءلين وفي عينيك بريق دمعة: أتذكر كيف كنا سعداء قبل ألف ألف عام؟ وأقول لك إنني أذكر. وكيف أنسى! ثم تمضين وأمضي. ويمضي ألف ألف عام». ولكن هل هي ممكنة هذه السعادة، وهل تستعاد هذه الحياة السحرية؟ إنها ممكنة حين يسود الحب، وحين نبحث عن الجمال في فضاءات الروح وليس الجسد، وحين نبدأ مسيرة سماوية باتجاه المحبوب الإلهي. الفصل الثاني من الكتاب قصيدة واحدة مؤلفة من سبعة مقاطع يقدم لها بقول الشاعر الفرنسي لاتريامون «نفسي نزوع الى اللامتناهي مثلي في ذلك مثل الكلاب» وتتردد في القصيدة عبارات تنم عن أحوال يعيشها الشاعر في «طقس قاس وحلكة فصل لا يرحم» يعبر عنها برمزية شفيفة وكلمات محترقة لا تخفي الكآبة القمراء والأسى وتتردد أفكار وعبارات مثل: الحب الذي تخفيه الارض. النسيان والتذكر. الكآبة قمر الروح. الأطفال الذين يخشون الظلام في جو محموم بالحروب، مؤكدا في مواضع شتى من الكتاب ان كل نصر هو هزيمة. في ليالي الصفو المقمرة المزينة بالنجوم والمنورة بألف شمس وشمس. يمشي اصحاب الخطوة في الهواء، ويغرق البؤساء في المستنقعات، وتتقد في السماء نار عظيمة. سلام أيتها الكآبة، ياقمر الروح. وأنت يا نسيان ترفق بنا. وبين الفينة والفينة فلنذكر ولتكن لنا نعمة ان لا نمحى من الذاكرة الى الأبد. الفصل الثالث بعنوان المرانم، وهو إنشاد مؤلف من 24 عونيثا وكل عونيثا تطابق ساعة من ساعات اليوم حتى تكتمل دورة النهار والليل. وكلمة عونيثا مفردة آرامية وتعني لازمة أو أغنية. في هذا الإنشاد استرجاع لحياة سحرية من خلال مفردات الطبيعة والحب وانتظار المحبوب وأسماء فتيات من عهود غابرة. وثمة صور متلاحقة منتزعة من الحياة اليومية مرسومة بشفافية أنيقة. والإنشاد عامة يبدو كموشور من كريستال تتلألأ في الأضواء والألوان والصور. عونيثا 1 ـ لقد نزلنا، وقد مال النهار، الى الجنينة التي تطل على البحر. مد الصيف يده وداعبنا والأبدية التي عبرت طبعت على شفاهنا قبلة. عونيثا 2 ـ طبل وزمر. النساء بين الكرامين يدسن العنب. ورفيقاتي يرقصن على البيدر وكأن اثوابهن من نعيم. عونيثا 3 ـ «مريش» الجميلة كقمر الليل. «كنعة» التي من طرف الثغور. «أفقة» العاشقة. و«زمورة» ذات الغمازتين رفعت الصوت وكالكنارة غنت: عونيثا 4 ـ حلفتكن ياصبايا، كيف غزلتن لأثوابكن هذا النسيج، ولعصائب رؤوسكن هذه الخيوط؟ عونيثا 5 ـ قد مضيت أملأ جرتي بالماء، فملأتها بالحب ورجعت مفتونة. عونيثا 9 ـ لقد عبر الليل وحبيبي لم يعبر. عونيثا 16 ـ الراكض وراء ظله وقع بين القراص. الذي مات شبع موتا. الحبلى فاجأها المخاض كالموت بين الماعز. الذي باع حقله بزق خمر، وثوبه بقبلة، وحنطته بزؤان، قبض على الريح. والكلاب نبحت على الأطياف. عدا لوحة الغلاف الرومانسية للفنانة اولغا مقدسي في الكتاب ثلاث لوحات تعبيرية للفنانة شام مقدسي. عبدالفتاح رواس قلعة جي