بيان الكتب: دوريس لسنج هي احدى اهم الكاتبات البريطانيات المعاصرات، امضت سنوات شبابها في افريقيا حيث تزوجت بالرجل الالماني الذي اعطاها تسمية لسنج ثم تخلت عن كل شيء كي تصل ذات يوم الى لندن، حيث لم تكن تعرف احداً وهناك شقت طريقها في عالم الادب لتصبح احد اهم الكاتبات البريطانيات المعاصرات. وتنشر العديد من الاعمال التي تمت ترجمتها الى عدة لغات عالمية، ومن اشهر كتبها: «اليوميات الذهبية» و«مذكرات انسان حي» و«وعد المدينة» و«عالم بن» وعشرات الكتب الاخرى وهي تعيش حاليا في لندن. «مارا ودان» هما طفلان يتيمان، طفل وطفلة كانا يعيشان في قارة اطلقت عليها المؤلفة تسمية «افريك» والدلالة واضحة على افريقيا القارة السوداء العزيزة على قلب دوريس لسنج منذ سنوات طفولتها التي امضتها في زيمبابوي، وكان هذان الطفلان قد لجآ الى هذه القارة بعد سنوات من الجفاف في هذه القارة افريك والتي تعاني بالاضافة الى الجفاف حروباً اهلية عديدة على خلفية نزاعات اثنية قديمة، ومرة اخرى تبدو الاشارة واضحة الى القارة السوداء التي شهدت في السنوات الاخيرة المنصرمة عددا من المجازر التي لم تكن ابادة ما يقارب المليون شخص في رواندا وبروندي ـ منطقة البحيرات الكبرى ـ سوى مثال صارخ عليها، وكان «مارا ودان» شخصيتا الرواية الرئيسيتان قد فقدا اهلهما في ظروف غامضة بينما نجح الطفلان في النجاة من المجزرة. هذا العمل الروائي يمزج بين الواقعة التاريخية ـ الجفاف والحروب الاهلية ـ وبين البعد الابداعي من خلال «ملحمة» بحث هذين الطفلين عن سبل تأمين حياتهما.. هذا البحث الذي قادهما بعيداً.. بعيداً باتجاه تحقيق هدفين اساسيين هما «السلام» و«الماء».. فالسلام هو نقيض الحرب الاهلية التي كانت تعصف بقارة «افريك» ـ افريقيا ـ اما «الماء» فهو الوجه الآخر، النقيض للجفاف وكان بحثهما متجهاً نحو الشمال انه «موسم الهجرة الى الشمال» من جديد ولعل هذا العمل الروائي لدوريس لسنج احد اروع اعمالها من حيث الجانب الوصفي الذي تبدع فيه خاصة عندما تتحدث عن الغبار والرمال والشمس التي تحرق الاجساد والعقول.. ومشاعر العطش من خلال شوق الشفاه الى قطرات من الماء، بكل الحالات ترسم المؤلفة أرضا قفرا مجدبة لا تصلح لحياة كائنات سوى الحشرات والجرذان وغيرها من الحيوانات الشرسة المتنافسة على ابسط الغنائم.. هذا بالاضافة الى بعض البشر الذين استطاعوا مع قدر كبير من القهر والبؤس ان يتأقلموا مع هذا الواقع القاسي.. وهنا تؤشر المؤلفة بوضوح الى العالم الذي نعيش فيه وحيث تسود قوانين المنافسة والربح بعيداً عن اية نزعات انسانية سوى لدى قلة قليلة من البشر استطاعوا ايضا ان يحتفظوا بانسانيتهم رغم صعوبة المهمة. ان مارا و دان الطفلين اليتيمين، يمثلان نوعا من الفريستين اللتين يطاردهما القدر والجميع، ولكن دون ان يدركا بوضوح اسباب هذه الملاحقة فهما لا يزالان طفلين ويحتفظان بكل براءة الطفولة كما انهما لم يقدما حتى الآن اي اذى لأي كان.. انهما بريئان تماما، ولكن براءتهما لم تضع مع ذلك حدا لملاحقتهما. ان الملجأ الوحيد الذي وجداه هو كنف امرأة عجوز في قرية صغيرة بقارة «افريك» المصابة بالجفاف هكذا ترعرع الطفلان في جو من الضياع، وعندما يصبح دان شابا يانعا يعود الى المكان الذي كان قد اخطر للافتراق فيه عن اخته مار وكانت وجهة البحث ايضا هي الشمال حيث قيل بأنه توجد كميات كبيرة من المياه والعيش الرغيد بل ولربما انه توجد هناك في الشمال حضارة عريقة لاتزال تؤكد حضورها وفاعليتها على صعيد الحقبة والعالم الذي تعيش فيه. ان العالم الذي ترسمه دوريس لسنج انما هو عالم تملؤه التنافسات وتشح موارده ومياهه التي يؤمها اولئك الذين استبد العطش بهم انه باختصار عالم يبدو وكأنه في نهائياته.. ان الحضارة الغربية الراهنة القائمة على اكثر التكنولوجيات تقدما تبدو وكأنها تلفظ انفاسها الاخيرة.. وهذه النهاية تجدها مؤلفة هذا العمل في فترة من الجفاف لمدة طويلة تأتي على كل شيء.. ألا يتحدث العلماء عن وجود ثقوب في طبقة الاوزون التي تحيط بالغلاف الجوي وعن تغيرات مناخية كبيرة تبدو طلائعها الاولى في زيادة حرارة الارض بهذا المعنى يبدو ان جميع مقدمات فترة الجفاف القاسي الذي توقعته المؤلفة انما هي موجودة في الواقع؟ لكنها دفعت هي الامور الى درجة تخيل وصول الحضارة الغربية التكنولوجية الى المحطة الاخيرة. واذا كان الطفلان مارا ودان قد عرفا كل اشكال الجوع والعطش والعنف والخيانة وتعرضا للطرد والملاحقة فإنهما قد عرفا مع ذلك الحب وبلغا النضج عبر عناء التجربة التي خاضاها ان «دوريس لسنج» تحاول من خلال ملحمة هذين الطفلين التعرض للحديث لما يمكن تسميته بالاساطير المؤسسة للحضارة الغربية التي عرفت بداياتها الاولى في منطقة شمال البحر الابيض المتوسط، كما تحاول في الوقت نفسه ان توجه نوعاً من النداء الى جميع الرجال والنساء ممن يهمهم مصير الانسانية.. وهي تثبت الى حد كبير في هذا العمل اهتمامها الكبير بالمسائل المتعلقة بالبيئة وبالاخطار التي تواجهها.. وحيث يبقى الحب والتضامن الاخوي بين البشر هو السلاح الاكثر اهمية لبلوغ واحة من السلام ان مارا ـ الاخت الكبرى تلعب في البداية دور «الأم» لاخيها الاصغر دان لكن عندما يصبح هذا مراهقاً يأخذ دور الرجل «الحامي» لكن تبقى مارا هي الاكثر استقلالية وبحثا عن المعرفة. رواية «ايكولوجية» وصرخة تحذير للبشر اذا لم يتم استيعاب دروس الطبيعة