بيان الكتب: ينتمي الكاتب متعدد المواهب، الروائي، الشاعر، الرسام، النحات، والكاتب المسرحي الالماني جونتر جراس الى مجموعة (47) الادبية التي تضم كتاباً بارزين من امثال السلوفاكي فاكلاف هافل، هنريش بول، ومؤسس المجموعة ورنر ريختر. وجراس من مواليد دانزنج عام 1927 (قبل ضم هذا الاقليم الى بولندا بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد مشاركته في الحرب العالمية الثانية في صفوف القوات النازية ثم تخرجه من كلية الفنون الجميلة في 1953 تعرف اليه جمهوره كفنان تشكيلي وكاتب مسرحي في أول عمل مسرحي له بعنوان «الفيضان» وذلك في 1957 وهو العمل الذي بدأ بالكشف عن توجهاته السياسية، في حين ان رواية «طبل الصفيح» سنة 1959 الحاصلة على جائزة برلين للنقاد هي اولى اعماله الروائية. في احد اعدادها الصادرة في سنة 1971 كتبت مجلة «ماجازين» عن جونتر جراس تقول: من المواهب الكثيرة التي يتمتع بها جراس موهبته في طرح السؤال المناسب في الوقت الملائم. وربما يكون جراس بظهوره في روايته الاخيرة «مشية السرطان»، قد حقق شيئاً من ذلك الا ان ظهوره الحقيقي يمكن ان يؤرخ له في الواقع بعد جيل الكتاب الالمان الذين برزت اسماؤهم في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة وعلى وجه التحديد الكتاب والمؤرخين اليمينيين المتشددين او الذين يختلفون معه في فهمهم للحرب. ينتمي جراس الى جيل الخمسينيات، او على وجه التحديد مجموعة 47 الادبية، ذلك الجيل الذي اعلن تمرده على عدم اظهار الوجه المنسي من تاريخ المانيا وتأكيده للمرة الاولى، على ضرورة ان يعاد النظر في التاريخ النازي الالماني وعلى استنهاض الجانب المشرق فيه. اما روايته الاخيرة «مشية السرطان» فهي تقرير مطول يتراوح بين كونه عملاً روائياً وعملاً وثائقياً، يجسد من خلاله مأساة الامة الالمانية بالرمز لها من خلال مأساة السفينة الغارقة «ولهلم جستلوف» التي دمرتها احدى الغواصات السوفييتية في بحر البلطيق في 1945 وكان على ظهرها لاجئون المان من بينهم جنود مصابون قتل منهم 9000 او ما يعادل ستة اضعاف عدد المفقودين في حادث غرق السفينة البريطانية «تايتانك». رواية «مشية السرطان» لا يمكن تقويمها من وجهة نظر الدراما التي تحتوي عليها، هذه الدراما التي خلفت وراءها زوبعة من ردود الافعال المتباينة في المانيا، وانما من خلال الحقيقة القائلة ان مؤلفها قد اختار الوقت المناسب لكتابتها، ولكي نفهم ذلك جيداً فإن الامر لا يتطلب من القارئ سوى اعادة قراءة الذاكرة التاريخية الالمانية التي تطورت منذ سنة 1945. في ردود افعالهم الصادرة بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، حاول الكتاب والمؤرخون اليمينيون في فهمهم للحرب ان يركزوا على أمور منها قصف دريسدن بالقنابل ومأساة ستالينجراد والاحتلال السوفييتي لالمانيا الشرقية، لكن هذا التركيز بدا كأنه محفز للجيل الذي ينتمي اليه جراس على توجيه النقد للمرحلة النازية مع قدر من النقد والتشريح للمرحلة التي تلتها، مطالباً، اياهما بالكشف عن الجوانب المشرقة باستمرار عوضاً عن الشعور بالذنب المتبقي بعد انهيار النازية. ان هذا الاصرار الذي تحدث به اعضاء «جماعة 47» التي ينتمي اليها جراس ظل قوياً لديه الى الحد الذي عبر عنه مؤخرا في مقال نشرته مجلة «اندكس اون سنسورشيب» يقول فيه: «لا يكاد يمر اسبوع من دون ان يحذرونا من خطر نسيان الماضي»، ويضيف في هذا السياق: «ان تلك المعاناة التي تعرض لها ابناء الامة الالمانية في الحرب يتم استدعاؤها مرات ومرات». وبالنسبة له يبدو كما لو ان الوقت قد حان لان يقلع الالمان عن حيرتهم وترددهم حيال الرغبة في نسيان الوجه المظلم للماضي، وبدورها فقد وصفته صحيفة «دي فيلت» بقولها: «لأنه، وبعد ان عاد جراس الى مسألة الضمير الجمعي، فإن المانيا قد بدأت تستعيد عافيتها في النهاية». والواقع أن جونتر جراس لم يكن يوماً بعيداً عن هذا الضمير، فقد ولد في سنة 1927 في دانزنج المدينة القديمة التي ضمت في 1939 تحت جناح الرايخ الثالث، وفي تلك المرحلة انضم إلى صفوف ما عرف باسم «شبيبة هتلر» في 1941، أما عن نشأته فهو ابن بقال تربى في مكان تفوح منه هذه الروائح الطبيعية المستساغة وغير المستساغة معاً للأشياء التي عبر عنها في رواياته، وهو ما نجده في واقعيته التي قلما نجد مثلها لدى كتاب آخرين. وفي السادسة عشرة من عمره وقع في أسر القوات الأمريكية، ولم يطلق سراحه إلا في 1946 ليعاود النظر في تاريخ بلاده المرهق، وفي ذاته التي أصابها الجمود. يبدو ان جراس كان قد نظر إلى نفسه بالطريقة ذاتها التي ينظر بها النحات الذي يلجأ إلى كسر القوالب الجامدة ليبني على انقاضها أشياء تتعلق بالذاكرة التاريخية النابضة بالحياة، وبالطريقة ذاتها التي بنيت بها مدينته المهدمة دانزنج وأقيمت في مكانها مدينة بديلة هي جدانسك البولندية، كان يعيد بناء الماضي وبهذا الشكل بدأ ينجح في صياغة المستقبل لأمته. في بداية الخمسينيات، كان جراس يجول انحاء أوروبا وكان يحمل وطنه في قلبه، على الرغم من انه كان ظاهرياً بلا جذور، فقد كانت دانزنج تشكل الأهمية ذاتها التي تشكلها براغ بالنسبة لميلان كونديرا أو تشكلها شيكاغو لسول بيلو وفي تلك الفترة كتب جراس رائعته الشهيرة «الطبل الصفيح». بينما كان يعمل وقاداً في مصنع للمراجل في باريس ولم يكن قد جرب بعد حياة مستقرة وهي الرواية التي صارت تشكل أحد أجزاء ثلاثية دانزنج التي تضم «الطبل الصفيح» (1959) و «القط والفأر» (1961)، و «سنوات الكلب» (1963). «ثلاثية دانزنج» هي أهم أعمال جراس، وليست أولى أعماله التي كتبها مطلع الستينيات فقط وعلى الرغم من تفاوتها الزمني إلا ان أحداثها كلها تقع في المدينة نفسها وتحمل الرواية الأولى «الطبل الصفيح» اتهاما شديد الحدة للنازية أما بطلها فهو صبي في الثالثة من عمره، متوقف عن النمو تماماً، ومتحول إلى قزم حقيقي، في حين تبدأ أحداث هذه الرواية في 1899 وتنتهي في 1954، ولا يجد فيها جراس شيئاً أهم من توجيه النقد إلى العنصرية النازية. رواية «القط والفأر» احد الأعمال الروائية القصيرة التي كتبها جراس، وأشار من خلالها إلى التحول الذي مر به تاريخ ألمانيا منذ مرحلة العشرينيات وإلى الأخطاء والتجاوزات التي ارتكبتها في الحرب العالمية الثانية، انتهاء بالمعجزة الاقتصادية التي سرعان ما حلت لتبدل المجتمع إلى لحظة نهوضه وتبنيه الجانب المشرق في حياته، كل هذه الأشياء يرمز لها جراس بالتغيرات الحاصلة في مرحلة المراهقة فبطله جواكيم ميهلكه طفل يخطو نحو مرحلة الشباب من دون ان يتمكن من تفسير أي تطورات تحدث له، ومن ذلك النتوء العنقي المعروف بتفاحة آدم، وهنا يأتي السرد على لسان الراوي ليخبرنا بحكاية هذه التفاحة أو الفأرة المذعورة المتقافزة على شاطئ النهر. ما صادفته أعمال مثل «ثلاثية دانزنج» من نقد منذ ظهورها للمرة الأولى إلى الآن، والمحاولات الكثيرة التي كانت ترمي إلى مقاطعتها بسبب تهديدها إذا لم يكن سعيها إلى هدم كل ما يتعلق بجوهر وتفكير الانسان الألماني لم يكن قليلاً لكن النقد نفسه ربما كان منصفاً عندما رأى ان رواية جراس لا تفعل أكثر من مخاطبتها لأناس أكثر قدرة على استشراف مستقبل متسم بالتسامح والشمولية. الحقيقة الاستثنائية التي يمكن قولها عن جراس الآن هي انه بينما ينأى الكثير من كتاب الرواية بأنفسهم عن التورط في السياسة، فإن جراس يبدو شديد التحمس لذلك، وكما يقول تيم آدمز المحرر الثقافي بصحيفة «الأوبزرفر» البريطانية فإن بإمكان القارئ ان يعثر على شيء من هذا القبيل بمجرد البحث عن موقعه الخاص بجائزة نوبل التي حصل عليها في 1999 حيث الاشادة بجراس لا تتعلق بالمستوى الذي تظهر به أعماله الروائية وإنما أيضاً وعلى وجه التحديد مناظراته المهمة التي ظهر من خلالها عبر وسائل الاعلام المختلفة وكانت بمثابة الكلمات التي يتفوه بها السياسي الجريء المعترف بكل شيء. وصلت اصدارات جونتر جراس إلى الآن إلى حوالي 11 عملاً روائياً واثنتي عشرة مسرحية وأربعين ديواناً وعدد من المقالات المهمة ساهمت كلها في اثراء مناظراته المستمرة وبخاصة على الصعيد السياسي وفي سنواته الأخيرة، وللأسف، لم يجد فيه الكثير من البسطاء ما يمكن ان يحقق بالفعل مقولته الشهيرة «أتمنى أن يكون الناس قادرين على الضحك في اللحظة التي يقرأون فيها أعمالي». لكن شيئاً كظهور جراس في المناسبات الوطنية التي يشاد فيها بانجازات الرأسمالية لا يعني على الاطلاق اعترافه بهذا الانجاز لا سيما على صعيد ما تم تحقيقه في ألمانيا بعد ضم جزئيها الشرقي والغربي وبدلاً من الوحدة فإن ما يراه هو على حد تعبيره «النظام الذي يقسم الألمان إلى مواطنين من الدرجة الأولى ومواطنين من الدرجة الثانية وبالنظر إلى عدم اتاحة النظام الجديد الفرصة لأن ينقل الآخرون المنتمون الى ألمانيا الشرقية سابقاً تجربتهم الخاصة وتصميمه على ان ينهي كل تلك التجربة بشكل أو بآخر». في تعليقه على تجربة الوحدة الألمانية وبشكل دقيق في تعبيره عن موقفه تجاه هذه الوحدة، يعطي جراس تفاصيل أكثر عن هذا المفهوم في روايته «حقل واسع» سنة 1995، ففي الوقت الذي ينتظر الآخرون منه ان يقدم عملاً روائياً قوياً في هذا السياق، فإن لهجة جراس اللاذعة الساخرة تكاد ان تسبب شعوراً قوياً بالفزع تجاه التجربة، وفي أحد أعدادها نشرت صحيفة «دير شبيجل» صورة رئيسية للناقد الألماني المعروف مارسيل ريخ رانكي وهو يقوم بتمزيق الرواية. ان جراس، كما يشير الى ذلك احد النقاد، لا يمكنه الوفاء بما يريده اليمين الالماني المتشدد وبالتالي فلا سبيل الى ان يكتب رواية تشيد بانجاز الوحدة او اكتمال الحاجات التاريخية لاصحاب هذا التوجه السياسي، وبالتالي فان هناك من يرى فيه كاتبا مولعا بالمعارضة او حتى مغردا خارج السرب. ربما لاحظ القارئ العلاقة القوية بين عناصر تربط روايات جراس ببعضها، واهمها العناصر التي تتجلى بوضوح بين روايتي «الطبل الصفيح» و«القرن الذي عشته» او «قرني» سنة 1999 وعلى الرغم من عدم الاتساق الزمني الفاصل بينهما الذي يربو على الثلاثين عاما، يبدو هذا الكاتب وكأنه لم يتحرر بعد من اسطورة التاريخ او بتعبير اكثر تحديدا اسطورة بطلته، السفينة، ولهلم جستلوف «التي سيقابلها القارئ في رواية «مشية السرطان». رواية «القرن الذي عشته» المؤلفة من مئة حكاية تروى على لسان مراسل حربي شارك في وقائع الحرب العالمية الثانية، وفي حقيقته فانه هذا العمل الروائي الذي يكشف بشكل كبير عن جراس ذاته ومشاركته في الحرب واعترافاته: «كنت اشاهد سفنا تمر مليئة بالمدنيين والجنود المصابين وقادة الاحزاب الفارين من دانزنج، وعلى الرغم من مشاهدتي للسفينة قبل غرقها بثلاثة ايام، الا انني لم اكتب كلمة واحدة.. لقد رأيت كل شيء، ولم اكتب شيئا». لقد ساهم عنصر مهم كشمولية جراس الفنية في تميز اعماله وتنوع موضوعاته الى حد كبير لا يمكن للاخرين ان يتعرفوا اليه بسهولة، لكن العنصر الاهم الذي يجمع بين اعماله الروائية والمسرحية والفنية وحتى مقالاته هو ما يمكن ان يطلق عليه هاجس التاريخ، والمؤرخ الذي يطارد جراس في كل هذه الاعمال من دون ان يترك له فرصة سانحة للتراجع عن تفكيره كمؤرخ نهم. هذا التاريخ من الممكن تقسيمه الى اجزاء بعضها يتعلق بتاريخ المانيا «المنسي» وبعضها يتعلق بتاريخه الشخصي «هويته الذاتية» التي تنسحب في الاساس على طفولته في دانزنج وضياعها من يد المجتمع الالماني بعد الحرب العالمية الثانية، مما يجعل اعماله شبيهة بكتابة السيرة الذاتية، وروايتا «القرن الذي عشته» و«الطبل الصفيح» لا يمكن فصل احداهما عن الاخرى، الا من خلال الفروق البسيطة بين سيرة الذات وسيرة الوطن والحنين الى كل منهما. كما هي نصوص جراس متنوعة، فان هذه النصوص ايضا متميزة بجماليات، كآلية السرد وتقديم عالمه بشكل غير مباشر ينوب فيه اشخاص اخرون عن شخصياته المهمة، كما يفعل اوسكار القزم نيابة عن العالم الذي يعيش فيه الكبار او ميهلكة في رواية «القط والفأر» كما يشيد نقاد كثيرون بقدرته على استنطاق الكائنات الصغيرة والبسيطة، كالحيوانات وانسنتها الى الحد الذي منحها حضورا قويا معبرا «القط والفأر» والكلب، السمكة، العلجوم «الضفدع». مريم جمعة فرج