بيان الكتب: كثيرة هي الكتب التي كتبها اكاديميون وسياسيون واداريون انجليز عن السودان بحكم العلاقات التاريخية الاستعمارية التي حكمت العلاقة بين القطرين.. وقد ترجمه محمد علي جادين، من قبل كتاب تيم نبلوك (بالاشتراك مع الفتاح التيجاني) صراع السلطة والثروة في السودان (صدرت منه طبعتان في 1990 و1993) كما ترجم كتابين لفرنسيس دينق عن مشكلة الهوية في السودان العربي وأفارقة عالميين: الدينكا في السودان العربي الافريقي، وترجم الدكتور تيسير محمد احمد زراعة الجوع في السودان ولسعد الدين فوزي تاريخ الحركة العمالية في السودان ـ وهو باحث وسياسي سوداني له مساهمات في الحركة السياسية المعاصرة. يقع الكتاب في سبعة فصول تضمنها بابان.. الباب الأول عن الدولة الامبريالية.. وانقسم الى فصول ثلاثة هي: تأسيس الحكم الثنائي الانجليزي المصري ـ الحكم الثنائي في مواجهة الضغوط ـ من الحكم الثنائي الى اعلان الاستقلال. والباب الثاني: الدولة المستقلة وقسمه المؤلف الى أربعة فصول هي: جيل الوطنيين يصعد للسلطة سقوط نميري 1985 ـ 1969، الديمقراطية الثالثة 1985 ـ 1989 خلاصة واستنتاجات. وجاء في مفتتح الكتاب مقدمة المترجم للكتاب وفيها التعريف بالمؤلف الذي «يلتزم منهجا علميا صارما لا مجاملة فيه، لكنه لا يخفي تعاطفه وحبه الصادق والعميق للسودان وشعبه، ولا يتردد في ابراز قلقه وخوفه من تدهور أوضاعه في العقود الأخيرة». وفي ابداء استغرابه من انشغال نخبته السياسية بصراعاتها ومنافساتها وتجاهلها التام لقضايا البلاد وأزماتها المتفاقمة». وفي هذا الكتاب يناقش المؤلف تطورات الدولة السودانية منذ بدايات الحكم الثنائي في 1898 حتى تسعينيات القرن العشرين، بتركيز خاص على دولة ما بعد الاستقلال في اطار علاقاتها المحلية والاقليمية والدولية وعلى دور العوامل المختلفة في عدم استقرارها واضطرابها واضعافها وتآكلها، وهذا الشعور أصبح في العقود الأخيرة السمة العامة لمجريات السياسة السودانية، فطوال الخمسين عاما الماضية ظلت البلاد تعاني اختلالات عميقة تمثل أبرزها في الآتي: أولا: حرب أهلية ممتدة ومتصاعدة في الجنوب ولها تأثيرات سلبية خطيرة على الوحدة الوطنية وعلاقات الجوار وخصوصية انتماء السودان ودوره العربي والافريقي في السنوات الأخيرة امتدت هذه الحرب الى مناطق أخرى في الشمال نفسه، دون أي أمل في حل قريب. ثانيا: انهيار اقتصادي متواصل منذ منتصف السبعينيات على الأقل أدى الى عمليات افتقار واسعة في المدن والأرياف، وهجرات سكانية متزايدة وظهور مجاعات معلنة ومستورة في الأقاليم البعيدة خاصة. ثالثا: تغييرات وانقلابات سياسية متتالية تبدأ بنظام ديمقراطي مدني فانقلاب عسكري ونظام شمولي، ثم انتفاضة شعبية ونظام ديمقراطي وهكذا.. وكل نظام منها يطرح نفسه كمنقذ ويستند الى تحالفات محددة في اطار القوى المهيمنة الأساسية في المدن والارياف، وأدى ذلك الى زعزعة استقرار البلاد وتخريب بنيانها الاقتصادي ونسيجها الاجتماعي وتهديد وحدة كيانها ووجوده في أساسه. ومن الملاحظات المهمة في فترة الاستعمار حديث عن الدوافع النضالية الجسورة التي تميزت بها الحركة النقابية العمالية قد امتدت الى أوساط المزارعين خاصة في مشروع الجزيرة ـ فقد شهدت فترة ما بعد الحرب في بداية الخمسينيات ارتفاعا ملحوظا في الاسعار وتأميم شركة السودان الزراعية التي كانت تدير المشروع وقبل ذلك كانت حالة السخط وعدم الارتياح العام قد أدت الى اضراب مزارعي الجزيرة وتكوين هيئة ممثلي المزارعين. وفي وقت لاحق تطورت الهيئة الى اتحاد مزارعي الجزيرة الذي كان يقوده القائد الراديكالي شيخ الأمين محمد الأمين. يقول بروفيسور بيتر ودوارد عن احمد خير المحامي الذي كان وزيرا للخارجية (58 ـ 1964) كان احد المؤسسين المميزين لمؤتمر الخريجين، ولكنه كان غير راغب في التعاون مع الاحزاب السياسية والسياسيين الذين سيطروا على الفترة السابقة. إن ارتباطات الفريق ابراهيم عبود واسلوبه تجعلنا نطلق على نظامه (الابوية الجديدة) اكثر من السلطانية وذلك لأنه كان بذلك على الاقل مؤسسة أولية وبعض القبول الشعبي، رغم انه أسقط حكومة منتخبة بالقوة. وعن انقلاب 25 مايو 1969 يقول المؤلف (كانت بعض الجوانب محسومة ـ بحكم خضوعها لتخطيط مسبق ـ وتمثل أبرزها في مشاركة وتعاون أوسع من بابكر عوض الله الذي أكد مواقفه وارتباطاته السياسية عندما قام، كرئيس للقضاء بمعارضة جهود الاحزاب القديمة لحل الحزب الشيوعي واعتباره تنظيما غير دستوري. ومن هنا جاء ارتباطه ليقدم للانقلابيين شخصية شعبية معروفة بمواقفها، وليصبح بالتالي المدني الوحيد في مجلس قيادة الثورة (الانقلاب). لكن بعيدا عن عوض الله كان هناك قدر من التشويش والارتباك. وذلك لأن المجموعة التي نفذت الانقلاب أكدت وفوق بقية ضباط الجيش معها بما في ذلك زملاؤهم السابقين أمثال: بابكر النور وأبوالقاسم هاشم اللذان انضما لمجلس قيادة الثورة رغم وقوفهما ضد الانقلاب في وقت سابق. وكان القوميون العرب وخاصة جعفر نميري ينظرون للحزب الشيوعي كمنافس خطر لهم، ولذلك كان من الضروري ان يؤكد الشيوعيون التزامهم الكامل والثابت بتوجهات النظام الجديد، لكن بينما أيدت مجموعة محدودة وقوفها مع هذا الاتجاه، أعلنت الاغلبية وقوفها خلف سكرتيرها العام عبدالخالق محجوب في معارضته لحل الحزب والانخراط في التنظيم الجديد (الاتحاد الاشتراكي السوداني). كان نميري ينظر الى جمال عبدالناصر في مصر ومجموعة صغار الضباط يرى ان اتحاد البلدان الثلاثة قد يمكن عبدالناصر والحركة الناصرية من استعادة شبابها وحيويتها ويعزز دور هذه البلدان الثلاثة في المنطقة العربية. وتناول المؤلف بالعرض والتحليل سياسات نظام نميري. وبعد اسقاط نظام نميري في ابريل 1985 وعودة الديمقراطية الليبرالية واستمرار الحرب الأهلية في الجنوب بدأ السودان كأنه يستعيد تجربة الديمقراطية الثانية في الفترة التي أعقبت ثورة اكتوبر 1964. وكان المجلس العسكري ظاهرة جديدة أكدت في الواقع درجة معينة من استمرارية النظام السابق وقامت بدورها عمليا في نقل السلطة بطريقة سلمية من نميري الى الاحزاب السياسية وذلك مع الاصرار على عدم اجراء أي تغييرات جوهرية وبذلك تحولت أحداث ابريل 1985 خلال فترة وجيزة من (انتفاضة شعبية) أدت الى اسقاط ثورة مايو الى تحول سلمي في التركيبة الحاكمة دون أي تغيير جوهري في البناء السياسي والاجتماعي. لقد ظل النظام السوداني يعاني من طبيعة التمثيل الحزبي ودخول الطوائف الدينية معترك السياسة واعتبار الجنوبيين الاسلام مصدر تهديد لهويتهم، والخلل الآخر يتمثل في التوازن بين تمثيل الاحزاب في المؤسسة التشريعية حيث لم يتمكن حزب واحد من الانفراد بالسلطة. ومن مشكلات السودان مشكلة الاثنية ومشكلة الهوية الوطنية. ويختتم الكاتب بقوله ان مواجهة التدهور السياسي والاقتصادي والاجتماعي الواسع والعميق الجاري الآن تتطلب مشاركة كبيرة وفعالة من المجتمع الدولي جنبا الى جنب مع استعداد أهل السودان لتعبئة مواردهم وامكانياتهم لانقاذ البلاد وتمكينها من استعادة عافيتها وموقعها بين الدول. وفي مقدمته للطبعة العربية يقول بيتر ودوارد: خلال السنوات العشر الماضية عاش السودانيون عقدا من المعاناة القاسية، وبينما تظهر بعض اشارات التغيير المحتمل هنا وهناك، فإن السؤال يظل قائما: هل سيكون هذا التغيير تجديدا للعلاقات بين القيادات والقوى السياسية المتعاركة التي ساهمت منافساتها بقدر كبير في تدهور أحوال البلاد سابقا؟ أم انه سيكون أساسا لتطورات سياسية واقتصادية جديدة؟ مجذوب عيدروس