قد يكون من المألوف ان تشاهد رجالا يطوعون المعادن، لكي يصنعوا منها اشكالا فنية غاية في الروعة والجمال، ولكن ان نشاهد فنانات من الجنس اللطيف يحملن المطارق وغيرها من الادوات الثقيلة المستخدمة في تطويع المعادن وتشكيلها، فهذا منظر لم نعتده كثيرا. غير انه يحدث بالفعل في تايوان، حيث اقدمت مجموعة من الفنانات على اقتحام هذا المجال الصعب الذي كان حكرا على الرجال، وفي صدر قائمة المتصديات لهذا التحدي ساندرا لو، التي تدير استديو للاشغال المعدنية في منزلها، بالاضافة الى قيامها بالتدريس في مدرسة مهنية، وتقول حول تجربتها في هذا الميدان ان النشاط الفني يتطلب تفانيا دائما في العمل، وهذا يجعلك في بعض الاحيان تشعر بالتعب والوحدة، ولهذا فانك بحاجة الى الدعم من جانب اقرانك والتشجيع وتبادل الخبرات والتحفيز بوجه عام. ولاشك في ان كون المرء جزء من مجموعة لها مثل هذه العقلية سيساعد حتما على ابقاء شعلة الابداع متقدة. وتشعر ساندرا بانها محظوظة لانها استطاعت ان تمارس مهنة تستمتع بادائها، وهذا امر لا يتيسر للكثيرين. تستلهم ساندرا لو معظم اعمالها من الطبيعة والفن المعماري. وقد صممت قطعا عديدة من المجوهرات التي تصور اوراق اشجار متساقطة ومخلوقات بحرية. ومن جهة اخرى فان ادوات المائدة، مثل عبوات الملح والفلفل وحوامل المناديل، تعرض مجموعة واسعة من الاشكال الهندسية. ومن بين المعادن المختلفة، يعتبر الفضة المعدن المفضل لديها، فبالامكان تشكيله بسهولة كالذهب، ولكنه يكلف اقل ويتمتع بلمسة من الرقي من دون ان يكون مزخرفا جدا، وقد اكتشفت لو مؤخرا، وسيطا جديدا هو صلصال الفضة، الذي يعتبر مزيجا مركبا من مسحوق الفضة والماء والكربون، فهو مطواع وغير سام وارخص من المعدن الطبيعي. وقد ادخلته في العديد من قطع المجهورات الجديدة بنتائج ممتازة. يمكن للتعامل مع المعادن ان يكون صعبا على نحو محبط، فغالبا ما تجد لو نفسها تبدع تصميما على الورق، لتكتشف فيما بعد ان انتاجه امر مستحيل ويمكن للمشكلات الفنية ان تظهر في العملية الفعلية ومن شأن خطأ بسيط يتعلق باللحام ان يخرب كل شيء، ولكنها مقتنعة بان كل هذه المحاولات والمحن تصبح غير ذات قيمة عندما تقابل بالعمل الفني المكتمل بصورة رائعة. ومن جهتها ترى تشين كيوجن، التي تعمل محاضرة في كلية فوجن للفنون التطبيقية ان الشيء العظيم فيما يتعلق بالمشغولات المعدنية يكمن في حقيقة انك تكون مسئولا عن العملية كلها من البداية وحتى النهاية، من حيث التصميم واختيار الاساليب وانتقاء المواد وما الى ذلك. وهذا يولد احساسا عظيما بالانجاز، وهو التعبير المطلق الحر عن فلسفتك وتوجهاتك الفنية. وقد اقامت كيوجن منذ فترة قريبة معرضا فرديا لها في مقاطعة تايبيه حمل عنوان «الآفاق النائية» والذي يعكس عشقها للسماء. فالنجوم وضوء القمر وشروق الشمس والفجر كانت الملهمة للكثير من اعمالها. وتعمد غالبا الى استخدام اشكال بسيطة للتعبير عما تصفه بتأملات هائلة للكون. ويتضمن اسلوبها المميز اضافة الورنيش الى مشغولاتها المعدنية. ولكن على المرء ان يسعى لكسب قوت يومه، وهذا لا يتأتى من التحديق في السماء. وتعترف لو بانها تجد صعوبة في بيع اعمالها الفنية واحد الاسباب لذلك هو ان الكثير من الاشخاص ينظرون الى الفضة كأحد المعادن رخيصة الثمن، معتقدين ان المنتجات المصنوعة من الفضة ينبغي ان تحمل سعرا رخيصا. ولكنها تشير الى ان القيمة الحقيقية لاي عمل تكمن في قيمته الفنية وتفرده وفي محاولة لعرض اعمالها على جمهور اكبر اتفقت مع عدد من محال الملابس، وبخاصة احد المحال الموجهة للشبان المراهقين في حي هيمنتنج الراقي في تايبيه. وتعترف بياتريس تشاينج بان الضغط المالي يعتبر دائما مشكلة رئيسية بالنسبة للفنانين، ولا يزال الاعتراف الشعبي بالمشغولات المعدنية عند مستوى متواضع وتقول بياتريس حول هذا الامر ان معظم الاشخاص الذين يقدرون الاعمال الفنية لقيمتها الجمالية وليس للمادة المصنوعة منها يميلون الى ان يكونوا مثقفين وبتشجيع ذلك النوع من التعليم والثقافة يمكننا ان نأمل باعطاء الفن قيمته المناسبة وبتشجيع الفنانين على تطوير قدراتهم الى اقصى حدودها. وتقر رئيسة المجموعة وانج ميجين بأنها قلقة على المستقبل المهني لطلابها، وعموما، فان هناك نوعين من الاسواق التجارية للمشغولات المعدنية، الاول يعرض اعمالا فنية مفصلة حسب الطلب وتتطلب اسعارا عالية. والثاني يعتبر سوقا اكبر يتولى بيع اعمال تم انتاجها بكثرة من احد القوالب. وتشجع وانج طلابها على استغلال النوعين معا وتوسيع خطوط انتاجهم بحيث تشمل سلعا منزلية مثل الادوات المطبخية والشمعدانات. وبالتالي، فان وانج تضع تركيزا كبيرا على الاستخدام العملي للاعمال الفنية، وتقول بهذا الخصوص ان الفن يجب ان لا يعني الفن الجميل فقط، اي الشيء الذي يعلقه الناس على الجدران لمجرد الاعجاب. فالفن ينبغي ان يصبح جزءا من حياتنا اليومية. ومن المشكلات الاخرى التي تواجه الفنانين العاملين في مجال المشغولات المعدنية سيطرة الواردات من الاسماء التجارية اللامعة على السوق المحلية في تايوان والمثال البارز على ذلك الاواني الفضية التي تنتجها شركة جورج جنسن الدنماركية فهذه الطائفة الواسعة من الاعمال المعدنية التي تتراوح بين الدبابيس المستخدمة للزينة والعقود وبين الصحون واباريق القهوة تتمتع بشعبية كبيرة في تايوان وتعزو وانج مايجين نجاح هذا الاسم التجاري الى التنمية الحريصة لصورة المنتج والى التصاميم الخلاقة والجودة والسلسة الواسعة من المنتجات. تتفق تشين كويجين من كلية فوجين للفنون التطبيقية مع وانج مضيفة حقيقية مفادها ان خدمة مابعد البيع لها اهمية خاصة. وبرأيها، فان ما تفتقر اليه تايوان في الوقت الحاضر هو القدرة على تأسيس اسم تجاري مقرونا بمهارات ابداعية. وبالتالي فانها تركز على اهمية الحفاظ على علاقات وثيقة بين قطاع الاعمال والدوائر الفنية الاكاديمية. ضرار عمير