كانت العطور المستخلصة والبخور أغلى بضاعة تبادلتها شعوب الشّرق الأدنى، لأنّها لم تكن كما هي الآن، جزءا من حياة الأناقة والتّرف،، بل كانت حسب اعتقادهم، مصدر سعادة وتقرّب إلى آلهتهم الأسطوريّة. واعتقد المصريون القدامى بأنّ أرواحهم ستلامس تلك الآلهة على أجنحة مصنوعة من العطور. ـ دأب المصريون والبابليون على حرق أطنان من البخور في أماكن عبادتهم على الرّغم من تكلفتها الباهظة، وذلك لأسباب عديدة منها: أنّ البخور برائحته العطريّة المتميّزة، صار على مدى آلاف السّنين جزءا لا يتجزّأ من الطّقوس الدّينيّة للشّعوب القديمة. ـ في الوقت الّذي كان سكّان مصر القديمة وبابل يحرقون البخور في أماكن عبادتهم البائدة، وتعطير أجسامهم وتدليكها بالزّيوت، كان سكّان الجزيرة العربيّة يحرصون بقوّة على سريّة أماكن نمو النّباتات الّتي تستخلص منها الزيوت والبخور والعطور. ـ السّبب في كثرة استخدام العطور والبخور عند الشّعوب القديمة يكمن في خاصّيتها المعقّمة والمطهّرة الّتي تساعد على تجنّب الإصابة بالأمراض، كما أنّها ذات طبيعة مهدئة، تزيد من استرخاء الناس جسديّا وذهنيا. ـ مازال العرب، حتّى يومنا هذا، يولون البخور والعطور اهتماما خاصّا، إذ غالبا ما تلجأ النّساء إلى تبخير البيت مرّة واحدة أسبوعيّا، كوسيلة من وسائل التّعقيم والوصول إلى درجة عالية من النّقاء النّفسي، وقبل كلّ شيء المحافظة على نظافة المكان والجسم. ـ اعتبر العرب في فترات الازدهار الحضاري، العطر مهمّا جدّا إلى حدّ أنّهم كانوا يعطّرون أجسادهم بعطور مختلفة.كانوا يقدّمون العطور لزوارهم عند انتهائهم من تناول وجبات الطّعام، أو يرشّون عليهم ماء الزّهر، بعد تبخير المكان ببخور خشب الصّندل واللّبان. وهذا لا يزال شائعا في دول الخليج خاصّة. ـ الإغريق كانوا يدهنون أجسامهم بالزّيوت العطريّة بعد الاستحمام ويستعملون العطر قبل الأكل وبعده وكانوا أيضا يعطّرون موتاهم قبل الدّفن ويضعون معهم أدواتهم الشّخصيّة وأهمّها قارورة العطر الخاصّة بالميّت المصنوعة من الفخار. ـ كان الرّومان يعطون للعطر بعدا آخر وهو معالجة الأمراض، فكثيرا ما ارتبط تحضير العطر بمهنة الطّبيب ومن أكبر اختراعات الرّومان استعمال الزّجاج البدائي كأوان لحفظ العطر. ـ المصريون الفراعنة استعملوا الزّعفران والزّيوت العطريّة المختلفة المستخرجة من الأشجار، وكان الرّهبان هم المكلّفين بتحضير عطور آلهة الفراعنة كما أدخلوا هذه الزّيوت العطريّة في تحنيط موتاهم.