بيان الجمعة:= في بيت صغير على أطراف مدينة سوريمو النائية في جنوب شرق انجولا، يفض طوني كابينجل ورقة بيضاء، لتتدحرج فوقها حجرة صغيرة بيضاء غائمة ذات اوجه مسطحة غير منتظمة فوق الطاولة. ويقول وهو يضع مزيداً من الأحجار في كومة صغيرة: «دعوني أعلمكم أشياء عن الماس، ان هذا الحجر حافل بالمفاجآت»!. انتقل كابينجل، وهو مواطن زائيري لغته الأم الفرنسية، الى انجولا، ليجرب حظه في تجارة الماس هناك، على الرغم من أن هناك اماكن اخرى اكثر امناً لممارسة هذه التجارة فيها. فسوريمو وهي عاصمة اقليم لونداسول الانجولي تقع في قلب منطقة تشهد حرباً أهلية شرسة بين الحكومة الانجولية ومتمردي حركة «يونيتا». ويضع كابينجل امامه على الطاولة ميزاناً رقمياً صغيراً وطبقاً زجاجياً شفافاً وورقة بيضاء بجانب احجاره. ويقول فيما هو يمسك بماسة صغيرة بين رأسي ملقطه الصغير: «ان هذه ليست ماسة شفافة جداً». ثم يختار ماسة اخرى، ويشرح كيف يساعده ذلك الورق في الحكم على لونها من خلال القيام بالمطابقة بين لون الحجر والورقة ويتابع: «هذه الماسة نسميها بالجليدية. وهي صافية جداً. اما هذه فندعوها مكبار، وهي حجرة تزن 30 قيراطاً الا أنها من نوعية رديئة، ولا تساوي الكثير». وعلى الرغم من كل الاختلاف بين الاحجار المتناثرة فوق الطاولة، إلا انها كلها تشترك بمواصفات الماس نفسها، فهي شديدة الصلابة، بحيث لا يمكن خدشها الا بماسة اخرى، وهي شديدة الكثافة بحيث تستطيع ابطاء سرعة مرور الضوء فيها الى الثلث، وباردة حين لمسها لأنها تمتص الحرارة من أصابع من يلامسها. الماس أحجار ذات تاريخ موغل في القدم. فهذه الأحجار تشكلت من الفحم تحت ضغط وحرارة هائلين في أعماق الارض، قبل ان تقذفها البراكين الى قشرة الارض منذ حوالي مئة مليون سنة. ووصلت الماسات للأعلى عبر اندفاعات صخور مصهورة تدعى الكمبرليت. وبعد ان برد الكمبرليت في شقوق الارض عملت عوامل الطبيعة على تعرية الطبقة العليا من انابيب الكمبرليت لتظهر الماسات على الارض بين الحصى او في قاع الانهار او في الترب الحمراء الرخوة مثل تربة لونداسول بانتظار ان يأتيها الشخص المحظوظ او ربما يعتبر نفسه محظوظاً ليحفر ويعثر عليها ويأتي بها الى أمثال كابينجل ليبيعها. طوال التاريخ كان الماس حتى في حالته الخام قادراً على اثارة البغضاء والحروب بين البشر. وبعد ان يخضع لأدوات الصقل يصبح هذا الحجر عند الكثيرين رمزاً للحب والقوة والجمال والثروة. فلماذا قدر للماس اكثر من اي حجر اخر ان يأسر خيال البشر ويتحول الى شرارة تشعل العواطف والأحاسيس؟. لدى طرحك لهذا السؤال يمكن ان تسمع الكثير من الاجابات التي تتراوح بين الخرافة والسخرية. لكن ربما تكون تلك السيدة التي وقفت ساعتين في الطابور امام معرض باريسي لتتمكن من مشاهدة مجموعة من أحجار الماس هي صاحبة الاجابة الأقرب للحقيقة، حينما قالت: «ان الطريقة التي تجعلك اقرب ما تكونين للنجمة هو الماس». بالتأكيد ان هذا السحر الذي للماس قد اكتسب الجزء الاكبر من قوته نتيجة تغذيته المتواصلة من جانب اولئك الذين يحققون الأرباح الطائلة من التجارة به. واليكم هذه الحادثة: في نوفمبر 2000 اندفعت عصابة من اللصوص بجرافة مسروقة، واقتحمت قبة الألفية في لندن بهدف السطو على ماسة تزن 203 قراريط من معرض اقامته شركة دي بيرز التي تعد أكبر شركة تتعامل في الماس في العالم، فما كان من نكي او بنهايمر رئيس دي بيرز الا ان ابتهج بهذه الحادثة وما حققته لشركته ومنتجها من شعبية اضافية. وقال: «لو أن هذا يتكرر مرة كل ستة أشهر! فحينها يمكنني ان اتخلى عن ادارة الاعلانات في الشركة نهائياً». شبكة معقدة والى جانب شركة دي بيرز تقيم شركات الماس الكبرى ومقارها في جنوب افريقيا شبكة معقدة من هذه التجارة تمتد في كل العالم، بعضها يعمل في جو عصري محترم، والآخر لايزال يحتفظ بقتامة العصور الوسطى. وهذه الأحجار التي تدور في هذه الشبكة عبر مسالك يشار اليها في اوساط التجارة باسم «خطوط الأنابيب» من المناجم الى التجار الى مصانع القطع والصقل الى الصاغة الى أعناق وأصابع الزبائن وهي رحلة قد تستغرق سنتين لانهائها. وهناك مداخل عديدة لهذه الشبكة، تتراوح بين المناجم الكبيرة في القارة القطبية وحتى صحراء كالاهاري الامريكية والانفاق الهائلة في روسيا وحتى المناجم العائمة في جنوب الاطلسي. وفيما كان كابينجل يشرح لضيوفه خبراته في عالم الماس، وصل ثلاثة شبان اليه، وحيوه باللغة البرتغالية. انهم «جاريمبيرو» او «حفارون» كما يسمون في انجولا، وبحذر اخرج احدهم من جيبه صرة ورقية فضها، وسلمه منها حجرة بحجم حمصة صغيرة. وعلى الميزان تبين ان وزنها و3.49 قراريط «القيراط هو خمسة جرامات». ومع ان الضيوف اعجبتهم الحجرة، الا أن كابينجل كان أقل اعجاباً بها حيث قال عنها: «انها حجرة مزدوجة». وفيما يراقب الشبان الثلاثة كل حركة من حركاته أخرج التاجر عدسة مكبرة، وهي التي تعتبر اهم جزء من عدة تاجر الماس وقال: «انظروا انها عبارة عن حجرين صغيرين مندمجين مع بعضهما، وكل منهما هو من نوعية مختلفة». ثم بدأت المفاوضات. وعلى حاسبة صغيرة ضغط كابينجل الرقم 750 اي 750 دولاراً وسلم الحاسبة للثلاثة. لكن هؤلاء اعادوها وعليها 2200 دولار. وظلت الحاسبة الصغيرة تتنقل بين الجانبين حتى وصل الباعة الى 1600 فيما لم يدفع التاجر اكثر من 900 دولار. لم تتم الصفقة وعقب التاجر على ذلك بالقول: «لن يحصلوا على عرض أفضل. مع الماس يمكن ان يكون المرء فقيرا اليوم ومليونيراً غداً. ثم قد يعود فقيراً من جديد بعد غد». ربحية اكثر وربما كان منجم جوانينج للماس في صحراء كالاهاري في بوتسوانا العقار الاكثر ربحية في العالم. وكانت شركة دي بيرز قد اكتشفت في تلك الارض شعباً ضخماً من خام الكمبرليت الذي يحتوي الماس عادة وذلك عام 1973 تحت 120 قدماً من الصخور والرمال. والان يدر هذا المنجم الذي تبلغ كلفته التشغيلية السنوية 90 مليون دولار اكثر من مليار دولار سنوياً. وسيل المال هذا الذي يتدفق من جوانينج ومنجمين اخرين للماس في بوتسوانا تشغلهما دي بيرز أيضاً جعل من هذه الدولة الافريقية التي تفتقد لأي مورد طبيعي اقتصادي اخر صاحبة واحد من اعلى مستويات الدخل في القارة. وفيما كان ماهواي بنيامين، مدير المنجم، يرافق بعض الصحافيين في جولة داخل المنجم انحنى احدهم للأسفل ليربط خيط حذائه، فما كان من بنيامين الا ان اسرع بالتحذير قائلاً: «لا تلمس الارض. انه امر محظور داخل المنجم!» ومع ان ماهواي اعترف بعد ذلك بأن احتمال عثور ذلك الرجل على ماسة على الارض في تلك الانحناءة لا يتجاوز واحد من خمسة ملايين بين بحر الصخور ذاك، الا انه اشار الى الصراع الدائم هناك في منجم دي بيرز ضد غواية الماس وهو الأمر الذي جعل مدراء المنجم يقيمون العديد من المناطق الحصرية ذات الألوان وكاميرات المراقبة عن بعد ووسائل التفتيش المتعددة، وبالطبع المنطقة العازلة المسورة حول ارض الحفر التي تحيط بها تلال ترتفع لألف قدم من الأتربة والصخور المحفورة. يقول ستيف جولد أحد مدراء المنجم: «انها حقيقة بسيطة من حقائق النفس البشرية. فالناس حين يضعون الماس في يدهم يصبح من الصعب عليهم التخلي عنه بل يحرصون على الاحتفاظ به». من جانب اخر يصر منتقدو شركات الماس على ان الاسعار الخيالية لهذه المجوهرات هي أسعار مصطنعة، جاءت نتيجة سياسات تسويقية، ولا تخضع لقانون العرض والطلب، وانما لآليات الاحتكار. وهذه الاسعار هي نتاج مباشر لآليات التسعير المتبعة في تكتل دي بيرز الاحتكاري، كما يسميه الكثيرون، ومن بينهم قسم مكافحة الاحتكار في وزارة العدل الأمريكية. ويذكر ان شركة دي بيرز كانت قد ادينت عام 1994 امام المحاكم الامريكية بالاحتكار وتثبيت الاسعار، ولهذا فإنها لا تعمل في الاراضي الامريكية خشية مغبة العواقب. تحكم بالمعروض وبتوجيهات من عائلة اوبنهايمر المالكة، استطاعت دي بيرز فعلاً وبكفاءة ضارية ان تتحكم بالمعروض من الماس في الأسواق، وبالتالي ان تتلاعب بالأسعار حسبما تريد. ووفق تقاليد الشركة يجتمع 125 زبوناً من زبائن دي بيرز الذين اختارتهم الشركة بحرص شديد يجتمعون في لندن ولوزان وجوهانسبرج سنوياً لحضور «المشاهد» لشراء احجار الماس الخام. وتعرض الشركة على هؤلاء الزبائن مجموعات مجهزة مسبقاً من الأحجار داخل اكياس بلاستيكية. وعلى هؤلاء الزبائن شراء كل مجموعة بكاملها كما هي وبالسعر المحدد من قبل دي بيرز دون نقاش. فاما ان يقبلوا ويشتروا او لا يشتروا. والمفاوضات على الأسعار والنوعية نادراً ما يكون مسموحاً بها، الا في حالات الأحجار التي يزيد وزنها على 10.8 قراريط. وفي السابق كانت دي بيرز تعمل على معاقبة المنتجين الذين يحاولون تسويق الأحجار الخام بشكل مستقل عقوبة قاسية بلا رحمة وأحياناً يتم ذلك عبر اغراق السوق بالماس الخام في فترات مختارة بعناية لافلاسهم بالاعتماد على المخزون الهائل من هذا الحجر الكريم الموجود في مقر دي بيرز في لندن. اما اليوم فقد استطاع بعض المنتجين في افريقيا واستراليا وكندا ان يوسعوا اعمالهم ويتخلصوا الى حد ما من وصاية دي بيرز لكن هؤلاء بدورهم محتكرون ايضا. فأي حجر ماس يخرج من أنجولا، مثلاً، اذا ما أريد ان يباع بطريقة شرعية فيجب ان يباع حصراً لشركة اسرائيلية يديرها يهودي اسرائيلي يدعى ليف ليفيف، كان قد تمكن خلال 30 عاماً من المنافسة مع شركة دي بيرز في أنجولا ان يخرجها من سوق ماس تلك البلاد، ويهدد سيطرتها التقليدية على الانتاج الروسي من الماس. وهذا ما دفع دي بيرز الى تغيير جانب من استراتيجيتها، مؤخراً، حيث باعت نصف مخزونها من الماس الخام، الذي تبلغ قيمته 5 مليارات دولار عامي 1999 ـ 2000. وفي العام الماضي حولت عائلة اوبنهايمر دي بيرز الى شركة خاصة لتتمكن من الكشف عن مثل هذه المعلومات التي تعتبرها سرية. ونتيجة لهذا البيع انخفضت الأسعار، الا أنها لم تترد، مما يشير الى ان قانون العرض والطلب يمكن في النهاية ان يطال سوق الماس أيضاً، بل ان دي بيرز واجهت اواخر عام 2000 نقصاً في امداد الماس الخام، وكان عليها ان تبحث عن مورد بصفة عاجلة. والماس، في واقع الامر، ليس سلعة تشبه الذهب، على سبيل المثال، كما يقول احد ابرز تجار الماس في نيويورك: «لا تستطيع ان تخسر، لان الصائغ لن يتخلى عن هامش ربحه. ومع ذلك فان الماس هو أسهل طريقة للاحتفاظ بالثروة. فاذا كان هناك احدهم يتعين عليه ان يغادر بلاده بأسرع وقت ممكن لانه مطلوب من قبل السلطة الجديدة مثلا. ولم يكن لديه الوقت ليبيع قصره او سياراته او يذهب للبنك ويسحب امواله. فان كل ما عليه فعله هو ان يضع في جيبه ما قيمته 30 مليون دولار من الماس وليسرع بالرحيل». اما مارك فان بوكستايل احد تجار الماس في انتويرب البلجيكية فيقول: «الماس يساوي العملة. فهو يمكن ان يدعم القروض الدولية، وان يدفع الديون، او ان يدفع الرشاوى وان يشتري السلاح ايضا. في كثير من الوجوه يظل الماس افضل من العملة!». ترجمة: جلال الخليل عن «ناشيونال جيوجرافيك»