بيان الجمعة: الخليفة الثاني عمر بن الخطاب هو من أعظم الشخصيات في تاريخ الاسلام، وكتاب سيرة الفاروق لمؤلفه الهندي شبل النعماني 1857 - 1914، من أهم المؤلفات التاريخية التي تناولت سيرة هذا الخليفة ،العظيم، وكتب شبل النعماني مؤلفه باللغة الأردية التي لم يكن في مكتباتها معلومات أو كتب كافية عن عمر بن الخطاب، وتحمل النعماني الكثير من المشقات من أجل وضع كتابه، حيث تحمل مشاق السفر الى بلاد كثيرة لكي يجمع المادة العلمية، وسافر الى تركيا والشام ومصر، وقضى في هذه البلاد شهورا كثيرة، وانتهى من وضع الجزء الأول من الكتاب في يونيو1897م. ويشمل الكتاب الذي ترجمه الى اللغة العربية جلال السعيد الحفناوي، عناوين كثيرة تتضمن تفصيلات حولها، حيث يشير المؤلف الى بداية التاريخ عند العرب، وتعريف التاريخ، وعيوب كتب التاريخ القديمة وأسبابها، والاسم والنسب وسن رشد عمر، واعتناق الاسلام والهجرة، والغزوات التي شارك فيها عمر رضي الله عنه.. وبعد أن يقدم المؤلف الأصول العائلية لعمر بن الخطاب، يقول عن ولادته، أنه ولد قبل الهجرة بأربعين سنة طبقا للرواية المشهورة في ذلك، أما ما يتعلق بولادته وطفولته فمجهول تماما، وقد نقل الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق إحدى الروايات على لسان عمرو بن العاص يقول فيه: لقد كنت جالسا في اجتماع مع بعض الأحباب، فإذا بالضجيج قد ارتفع فعلمت بأنه قد ولد ابن في بيت الخطاب، وعند الاستفسار عرف من هذا أنهم قد احتفلوا بولادة عمر بن الخطاب احتفالا غير عادي، ويقول المؤلف: إن المعلومات عن فترة شبابه ضئيلة وغير معروفة، فمن كان يفكر آنذاك أن هذا الشاب سيكون فيما بعد الفاروق الأعظم، وبالرغم من هذا فقد توافرت بعض المعلومات مثل أنه عندما بلغ سن الرشد، كان العمل الذي اختاره له أبوه هو رعي الابل، وهذه المهنة لم تكن شائنة بين العرب، بل كانت تعتبر شعارا قوميا، إلا أن الخطاب كان يقسو عليه للغاية، فقد كان يجعله يرعى الابل طوال النهار، وعندما يبلغ منه التعب مبلغا، ويريد أن يستريح كان يعاقبه، والمرعى الذي كان يؤدي فيه عمر هذه المهنة الشاقة المضنية يدعى ضجنان، وهو قريب من مكة المكرمة على بعد عشرة أميال من القديد، وقد مر عليه عمر في أيام خلافته يوما، فأخذته العبرة، فقال وعيناه مغرورقتان بالدموع، الله أكبر يا للزمان الذي مضى لقد كنت أرعى الابل في مدرعة من لبدة الصوف، وعندما كنت أجلس من التعب كان أبي يضربني وقد أمسيت اليوم وليس فوقي أي حاكم سوى الله تعالى. اشتغل عمر رضي الله عنه في بداية شبابه بالأعمال الشريفة التي كان أشراف العرب يشتغلون بها بشكل عام.. فكانت الخطابة والمصارعة والفروسية ومعرفة الانساب من الأشياء التي كان العرب يتعلمونها.. تعلم عمر فن الأنساب عن أبيه ونقل الجاحظ أن عمر كان عندما يوضح أي أمر يتعلق بالأنساب كان يشير دائما الى أبيه الخطاب كمرجع.. أما المصارعة والفروسية فقد حذق فيهما وبلغ درجة كبرى حتى أنه كان يتصارع في حلبة سوق عكاظ وبالنسبة للفروسية فإن تفوقه فيها كان مسلما به عامة، وكما ذكر الجاحظ فإنه كان يمتطي الفرس بعد أن يقفز عليه وسرعان ما يثبت عليه، ويصبح جزءا منه.. أما قوة الخطابة والبيان عند عمر رضي الله عنه، فيقول المؤلف، مع أنه لا يوجد هناك اي شهادة صريحة فيما يتعلق بخطابته، إلا أن جميع المؤرخين قد أجمعوا على هذا الفضل، وذكروا أن قبيلة قريش كانت قد وكلت اليه منصب السفارة قبل ظهور الاسلام، وأن هذا المنصب كان لا يناله إلا الشخص الذي وصل في قوة الخطابة وفهم الأمور الى درجة عالية.. أما في الشعر، فقد كان عمر متذوقا جيدا للشعر، وحفظ نخبة مختارة من أشعار جميع الشعراء الفحول، وقياسا على هذا فإنه ربما يكون قد اكتسب هذا التذوق من مدرسة عكاظ في الجاهلية، لأنه بعد اعتناقه الاسلام شغل عن هذا بالأمور الدينية وابتعد عن هذه المشاغل لعدم ميله اليها.. ويقول المؤلف: كان عمر ممن تعلموا القراءة والكتابة في عصره، وهذه الميزة كان يمتاز بها أناس قليلون جدا في ذلك الزمان، وكتب البلاذري، إنه لم يكن في قريش كلها حين بعث النبي عليه الصلاة والسلام غير سبعة عشر رجلا يقرأون ويكتبون كان من بينهم عمر بن الخطاب. يقول المؤلف أن عمر رضي الله عنه بعد أن انتهى من تعلم هذه الفنون انصرف الى التفكير في البحث عن الرزق، وكانت التجارة في الغالب هي أكبر وسائل الرزق عند العرب، لذا اختار هذا العمل الذي كان سببا في تكوين شخصيته، فكان يذهب الى البلدان البعيدة بهدف التجارة، ويلتقي بعظماء القوم وقد ظهرت عليه ملامح الاعتزاز بالنفس، وعلو الهمة والتجربة، وقد اكتسب هذه الصفات كلها في شبابه قبل الاسلام بسبب أسفاره وربما كانت أخبار تلك الأسفار جذابة ومفيدة للغاية، لكن للأسف لم يهتم بها اي مؤرخ. هذه السيرة التاريخية للخليفة العظيم والتي يوردها المؤلف بهذا القدر من التوضيح، يوصلها المؤلف فيما بعد بقصة اعتناقه الاسلام ويقول باعتناق عمر الاسلام بدأ عهد جديد في تاريخ الاسلام، ولم يكن أسلم في ذلك الوقت غير أربعين أو خمسين رجلا، وكان البطل العربي الشهيد سيدنا حمزة سيد الشهداء قد أسلم كذلك، وبالرغم من ذلك لم يستطع المسلمون اداء فرائضهم الدينية جهارا، أما الصلاة في الكعبة فكانت مستحيلة تماما، وباسلام عمر تغيرت الأوضاع مرة واحدة، فأشهر اسلامه علانية وآذاه الكفار كثيرا في البداية، ولكن ظل يقاومهم بثبات وعزيمة حتى صلى مع جماعة المسلمين في الكعبة، وقد روى ابن هشام هذه الواقعة بهذه الكلمات على لسان عبدالله بن مسعود فلما أسلم عمر قاتل قريشا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه. وقائع حياة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد اسلامه وحتى وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام هي كما يقول المؤلف جزء من السيرة النبوية فالغزوات التي قام بها الرسول والمعاهدات التي عقدها مع القبائل الأخرى والتنظيمات الادارية التي كان يعلن عنها من آن لآخر، وجميع الخطط التي وضعت لنشر الاسلام، لم يتم أي عمل منها دون مشاركة عمر رضي الله عنه، واذا كانت مآثر عمر بن الخطاب لا تحصى وعظيمة، فإن ما يؤثر في القلب بقوة الفتوحات التي تمت على يديه، ويقول المؤلف: إن المساحة الكلية للبلاد التي قام عمر بفتحها 2251030 ميلا مربعا، أي 1036 ميلا من الناحية الشمالية لمكة المكرمة و1087 ميلا من ناحية الشرق و483 ميلا من ناحية الجنوب، أما ناحية الغرب فكانت غير جديرة بالذكر لأن حدود الحكومة كانت حتى جدة فقط.. وهذه الرقعة من الفتوحات كانت تشتمل على الشام ومصر والعراق والجزيرة وخوزستان والعراق العجمي وآرمينية وآذربيجان، وفارس وكرمان وخراسان ومكران ويدخل في نطاقها جزء صغير من بلوجستان أيضا.. كانت هذه الفتوحات كلها تخص سيدنا عمر وتمت جميعها في عهده الذي يزيد على عشر سنوات بقليل. يحدد المؤلف خصائص حكم عمر رضي الله عنه، ومن أبرزها مبادئ المساواة، والعدل والانصاف بلا تحيز، والوقوف على نظم الممالك القديمة وأحوالها، وكتابة الأخبار والحوادث لمعرفة أحوال الدولة، وتكوين بيت المال، تأدية جميع الأعمال في أوقاتها، صرف رواتب الفقراء والمساكين وتشييد دور الضيافة، واهتم عمر بالرفاهية العامة اهتماماً كبيرا، الى درجة أنه أصدر أمرا بأن تصرف لكل مشلول وعاطل ومقعد وغيرهم في الدولة رواتب جميعا من بيت المال، وكان هناك المسجلون في ديوان الجند أكثر من سبعمئة ألف رجل يتلقون الطعام وهم في بيوتهم وفي بداية الأمر نظم الأمور، بحيث أمر أن يطبخ جريب من الدقيق، وبعد الطهي استدعى ثلاثين رجلا لإطعامهم ثم طبخ هذه الكمية في العشاء، وأطعم بها هذا العدد من الناس، ومن ثم قدر هذه الكمية لوجبتين، وعلى هذا الأساس قال: إن جريبين من الدقيق يكفيان لطعام الفرد طوال الشهر ثم أمر أن تصرف هذه الكمية من الدقيق لكل فرد وصعد على المنبر للاعلان العام، وأمسك المكيال بيده وقال لقد قررت هذه الكمية من الطعام للناس وسيحاسب الله الفرد الذي ينقصها، وفي إحدى الروايات أنه أمسك المكيال بيده وقال هذه الكلمات: إني قد فرضت لكل نفس مسلمة في كل شهر مدى حنطة وقسطى خل فقال رجل وللعبد، قال نعم للعبد