بيان الجمعة: ابسط القيم هي الفهم لما يجري على مستوى العالم ان المال له كيان خاص في حياة الافراد والامم فالأمم القوية تسعى للسيطرة على غيرها من الدول الفقيرة، ولا شك ان في ذلك نوعا من الذل والاستعباد والله لا يرضى للمسلمين ان يكونوا أذلاء وهم حملة أكرم رسالة في الوجود يقول تعالى: «ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون» ويقول تعالى: «كنتم خير أمة أخرجت للناس تآمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله» لكل هذا أمرنا الله بالعمل بعد ان سخر لنا كل امكانات الحياة لنستغلها بعقولنا ونبذل الجهد والطاقة في استغلالها يقول تعالى: «هو الذي خلق لكم ما في السماوات وما في الارض جميعا ثم استوى الى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم». ويقول تعالى: «وسخر لكم ما في الارض جميعا منه ان في ذلك لآيات لقوم يتفكرون» تفيد هذه الآيات وما قبلها ان الخيرية لامة محمد صلى الله عليه وسلم مقيدة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والايمان بالله وان في جنبات الحياة متسعا لكل مكافح ولم يحبسك ربك في دائرة ضيقة وهو لا يرضى لك العجز والقصور فإذا كنت قادرا على العمل فلا تقعد ولابد ان تسهم بنصيبك في خدمة نفسك ووطنك حتى تكون عزيزا فلا تذل كريما فلا تهان أبيا فلا تضام، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز» وان الدافع لكل هذا فهم آيات الله تبارك وتعالى فهي تبين بوضوح وجلاء ان السعي والاكتساب لحفظ الكرامة والاحتفاظ بالعزة مأمور به من الله عز وجل يقول تعالى: «هو الذي جعل لكم الارض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه واليه النشور»، وان دعاة الكسل والاتكالية ممن يصفون أنفسهم بالمتوكلين انما هم متواكلون لانهم يخالفون رسالة الاسلام التي تحث على العمل فرسول الله صلى الله عليه وسلم سيد العاملين وامام الآخذين بالأسباب في الحصول على رزقه فهو القائل: «لو أنكم تتوكلون على الله حق التوكل لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا» فإن للطير غدوا ورواحا في سبيل الرزق فلو قعدت الطيور في اعشاشها ولم تسع الى رزقها ما آتاها فالسعي على الرزق لا يتنافى مع الاعتماد والتوكل على الله وفي قول الرسول صلى الله عليه وسلم لمن ترك راحلته بلا قيد بباب المسجد وقال توكلت على الله بيان لهذه الحقيقة عندما قال صلى الله عليه وسلم موضحا ومعلما وموجها الى الحقيقة الكبرى: «اعقلها وتوكل». من هذه الجوانب المشرقة كان الاسلام دين الكرامة والعزة بل ودين الفهم الصحيح لحقائق الحياة وأسرار الوجود التي يجب ان نفهمها بل هو الايجابية بعينها فالمسلم مكلف بحكم دينه ان يقدم لنفسه وللجماعة التي تعايشه الخير بأي جهد وعلى أي وجه حتى لا يكون عالة او عبئا على مجتمعه فلقد روى البخاري ومسلم عن ابي موسى الاشعري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «على كل مسلم صدقة قال أرأيت ان لم يجد قال يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق قال أرأيت ان لم يستطع قال يعين ذا الحاجة الملهوف قال أرأيت ان لم يستطع قال يأمر بالمعروف قال أرأيت ان لم يفعل قال يمسك عن الشر فإنه صدقة» ولعل في قصة الشاة درسا مستفادا فالرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي كان اصحابه يدفعون عنه بأنفسهم ويسترخصون دماءهم في سبيله كان لا يرضى بأن يكون على جانب متميز عنهم فلقد كان في سفر مع بعض اصحابه فأدركهم الجوع ومعهم شاة فقال احدهم علي ذبحها وقال آخر وعلي سلخها وقال ثالث وعلي طبخها فقال صلوات الله وسلامه عليه وعلي جمع الحطب فقال الصحابة نكفيك هذا فقال صلى الله عليه وسلم: «لا أحب ان أكون عالة على غيري». فالتوكل على الله يقين بالله يصحبه جهاد وجلاد وتفويض الى الله يسانده سعي وعمل وكفاح فإذا عزمت فتوكل على الله ومن هنا كان الساعي الى معيشته المناضل من اجل اسرته لا يقل شأنا عن المجاهد في سبيل الله فلقد روى الطبراني عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مر رجل فيه نشاط وقوة فقالوا: يا رسول الله لو كان هذا في سبيل الله فقال صلى الله عليه وسلم موضحا مبينا الفهم الصحيح: «ان كان خرج يسعى على ولده صغارا فهو في سبيل الله وان كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله وان كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله وان كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان». ان الكسل مرض اجتماعي يورث الفقر والحاجة والمذلة والضعة لذلك عالجه الاسلام بمعالجة اسبابه فأمر بالسعي والعمل ونهى عن التواكل والكسل كما امر بالاقتصاد وعدم الاسراف. لقد جاء الاسلام بمباديء الاصلاح والقوة حيث يدفع اتباعه الى ان يعيشوا اقوياء في الارض لا يذلوا أنفسهم ولا يحنوا جباههم الا لله والمسلم الذي سرى الايمان في كيانه وفهم طبيعة الرسالة الاسلامية يأخذ بأسباب القوة التي بينها الاسلام ودعا اليها «واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون ان يتخطفكم الناس فأواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون». أحمد عبدالتواب أحمد