بيان الجمعة: عندما طلبت المحكمة العليا (الأمريكية) وضع معايير علمية للأدلة الجنائية في المحاكم الفيدرالية في عام 1993 توقع بعض المنتقدين ان كثيراً، من التقنيات الجنائية لتحديد شخصية الجناة سوف تلقى هجوماً في المحاكم رغم نجاح بعضها مثل المقارنة بين الشعر و تحليل آثار العض ومقارنة خط اليد. توقع قليلون جداً ما يحدث الآن أي الانهيار العلمي الأكيد للطب الشرعي في القرن العشرين وهو بصمات الاصابع. وقد نحى أحد القضاة في قضية مخدرات في المحكمة الفيدرالية في فيلادلفيا بصمات الأصابع جانباً كدليل جنائي وقال انه ليس هناك ادلة مقنعة على ان الوسائل المستخدمة في تحليل بصمات الاصابع موضوعية مئة بالمئة، وتخضع لتجارب لا غبار عليها. المشكلة انه في الوقت الذي تبدو فيه بصمات الاصابع دليلاً قوياً على تحديد الشخصية، فلابد من تحليل البصمة جيداً ومقارنتها بغيرها. والسؤال هو كيف نثبت ان هذه البصمة لهذا الشخص بالذات. واعترف خبراء البصمات بأن الوسائل التي يستخدمونها ترجع الى حكم الخبير أو الباحث الجنائي وانه ليس هناك معايير موضوعية في ذلك، خاصة عند مقارنة بصمات أعداد كبيرة من المشتبه فيهم في اقسام الشرطة مع البصمات المأخوذة من مسرح الجريمة. مثلاً يقضي القانون الفرنسي بأن يكون هناك تطابق في 16 نقطة بين البصمة من الدليل الجنائي وبصمة المشتبه فيه حتى تقبل المحكمة بأن هذه المقارنة سليمة. ويقول القانون الاسترالي بضرورة التطابق في 12 نقطة فقط والسويدي في سبع نقاط. أما مكتب التحقيقات الفيدرالي فلا يحدد عدد نقاط التشابه اعتماداً على انه لكل قضية ظروفها. وقام خبراء البصمات عام 1995 بإجراء فحص على مقارنات بصمات الاصابع فوجدوا ان 44% من 156 باحثاً جنائياً استطاع تحديد خمس بصمات كاملة في فحص واحد، وتحسن العدد في عام 1998 ليصل الى 58%. وقال قاض أمريكي آخر ان خبراء فحص البصمات لن يسمح لهم بإبداء الرأي حول مدى تطابق البصمات في جرائم القتل، بل يسمح لهم فقط بالإدلاء بعدد نقاط التطابق التي لاحظوها. ويعني هذا الحكم إثارة مسألة قبول البصمات كدليل جنائي في المحاكم. وقد حذر النائب العام الأمريكي في مشروع قانون بشأن هذا الحكم ان رأي المحكمة يقلل من شأن البصمات كدليل جنائي فضلاً عن اجمالي رأي الطب الشرعي في القضاء. ولا شك في ان بصمات الاصابع يمكن الاعتماد عليها في التعرف على شخصية الجاني وان تعزيز وسائل مقارنتها بالتصوير الرقمي وقواعد المعلومات الحاسوبية المتاحة حالياً جعلت من هذه البصمات أدلة أكثر افادة من ذي قبل. لكن إلى أي حد تفتقر بصمات الأصابع الى المصداقية كدليل جنائي لتحديد شخصية الجناة وتحتاج الى مزيد من الأدلة العلمية؟ ونادراً ما تعرض الطب الشرعي لهذا الانتقاد والتجريح الذي يواجه مجالات أخرى في الطب التطبيقي والعلاجي. بل على العكس فإن الخبراء الذين يفيدون بشهادتهم في المحاكم حول تحليل بصمات الأصابع وعلامات العض ومقارنة الخطوط وما شابه ذلك يقولون انه حتى المحكمة لا تستطبع الاعتراض على ادلتهم. وتعتبر ولاية نيويورك الوحيدة في الولايات المتحدة التي تضع قواعد في معامل تحليل الطب الشرعي حتى على الأدلة الروتينية التي تستخدم في الطب العلاجي. ولابد للمعهد الوطني للعدالة ان يحول أساليب وتقنيات تحديد الشخصيات جنائياً قبل ان تدرس هذه الوسائل في كليات الطب والحقوق كما تفعل المعاهد الوطنية للصحة في تمويل الأبحاث الطبية. ولابد ان تكون المبادئ العلمية المستقلة الخالصة هي اساس الطب الشرعي. وسوف يكون لدى ضحايا الجرائم والذين يتهمون ظلماً والعامة أكثر اطمئناناً للنظام القضائي اذا كانت معامل الطب الشرعي مستقلة تماماً وليس رهناً للقضاة أو هيئات الدفاع القانونية