بيان الجمعة: للوهلة الاولى، تتملكك حالة من عدم الارتياح عند رؤيته، اذا كنت معتاداً على متابعة مشاهد العنف او جولات الملاكمة العنيفة والمحتدمة في مبارياته التي تبث عبر التلفزيون وحالة من الهلع اذا لم تكن معتاداً على رؤية ومتابعة تلك الاشياء بالمرة، فليست هناك حالة وسط بين هاتين الحالتين عنذ رؤيتك لهذا الرياضي العالمي لأول مرة لاسيما ان كنت على علم بتاريخه الحافل بالاحداث المثيرة. انه مايك تايسون، بطل العالم السابق للملاكمة. ولكن اذ قدرت لك الظروف ان تسبر غور شخصية هذا الملاكم الاسطوري فيقيناً ستكون لديك صورة اخرى عنه ربما تدنو من كونها حالة من التعاطف مع هذا الوحش المتمثل في صورة انسان. عادة لا يسمح تايسون باجراء مقابلات صحافية معه واذا سمع بها فان الصحافي عادة يخرج من المقابلة بقليل من الانطباعات، اهمها ان هذا الانسان الذي قام بمحاورته لابد وانه مجنون بشكل او بآخر. ففي احدى المقابلات الصحافية التي اجريت معه قال لدى وصفه لمباراة مع احد خصومه: «لقد حاولت ان ادخل عظام انفه في خلايا مخه». غير ان الامر لا يقف عند الشعور بأن هذا الشخص مجنون، فربما يتعرض الصحافي والمصور وجميع من يحاول الاقتراب من تايسون الى اذى مفرط، اذا لم يكن بطل الملاكمة الشهير في حالة من السعادة مع النفس. ففي الطريق الى مدينة جلاسجو مؤخراً حيث التقى البطل الحالي للوزن الثقيل لينوكس لويس في مقابلة تمهيدية للقاء بينهما، قام تايسون بتهديد الصحافيين حوله، وبادر بتهشيم عدسات الكاميرا في احدى نوبات الهيستيريا والجنون التي تسيطر عليه عند استفزازه، او تحميسه بدرجة مفرطة او زائدة عن الحد. ولدى مقابلته لويس، هدده بأنه سيقوم بالتهام احشائه في اول جولة من مباراتهما المرتقبة قريباً. ان المشكلة تكمن في انك لا يمكنك توقع تصرفات هذا الملاكم الغريب، فشخص بمثل تلك الطباع العجيبة لا يمكن ان تتوقع منه اي تصرف ينم عن العطف او الحرص على مد جسور الحوار غير انك عندما تشاهده في المكسيك مصطحباً مجموعة من اطفال الشوارع الفقراء لتناول وجبة الافطار فلابد وانك ستصاب بالدهشة ولدى سؤاله عن السر في قيامه بهذا الامر اعطى تايسون اجابة اضفت مزيدا من الغموض واللبس حول شخصيته حيث قال: «عندما كنت صغيرا، اعتاد البعض ممن يكبرونني سناً على اصطحابي لتناول الطعام، واظن انه ينبغي الان علي ان افعل الشيء نفسه. فهؤلاء الاطفال يستحقون المساعدة بالفعل». ان نبرة صوته حينما تلفظ بتلك الكلمات وطريقة تلفظه بها تفضي الى مفاجأة جديدة في شخصية هذا الرجل. فصوته هنا ينم عن وجود طفل صغير داخل هذا الجسد المكدس بالعضلات. وهذه المرة لا ينتابك اي احساس بالهلع او الاستياء، بل احساس بالتعاطف والمشاركة الوجدانية والشفقة لما هو كامن وغير ظاهر في شخصية هذا العملاق البشري، الذي عانى في صغره الكثير والكثير ويحاول اليوم ان يقدم يد المساعدة لمن يمرون بالظروف القاسية التي مر بها في صغره. ليس ذلك فحسب، بل ان الحديث مع تايسون يمكن ان يعطي مزيدا من صور الاعجاب بتلك الشخصية التي وجدت نفسها ملاحقة بظروف معينة فرضت عليها تلك الوحشية والانعزالية وربما الكره من قبل البعض تجاهه. وربما يعكس ايضاً بعض العمق في طريقة واسلوب تفكير تلك القاطرة البشرية. ولدى سؤاله على سبيل المثال عن مدى التشابه بينه وبين الملاكم الراحل سوني ليستون، ذلك الملاكم الذي لم يكن فقط متوحشاً في حلبات الملاكمة ولكنه اتهم اكثر من مرة بارتكاب جرائم اغتصاب، وسرقة ودخل السجن اكثر من مرة، شأن تايسون، الذي رآه الكثيرون امتداداً ونسخة تاريخية اخرى من ليستون اجاب تايسون بهدوء يحسد عليه قائلاً: لا ارى في الحقيقة أي نوع من التماثل بيننا، اللهم الا من حيث كوننا ملاكمين ماهرين ولكن لكل منا طريقته الخاصة في الملاكمة ان سوني كان مجرد شخص جاء في الوقت الخطأ، كان المجتمع في وقته مختلفاً كل الاختلاف عما هو عليه الان، فالمجتمع كان يرى الملاكمين السود والافراد السود بشكل مختلف، وبالتأكيد كان يلقى معاملة سيئة. وأمثالي فقط، يستطيعون تفهم دوافع وشخصية سوني وبنبرة حزينة اخرى تؤدي الى مزيد من التعاطف معه، قال تايسون» احمد الله فقط لانني لا ازال حياً حتى هذه اللحظة. الحمد لله لانني ناجح في عملي». مر تايسون بعديد من المراحل التي يمكن الا يصدقها الكثيرون عند رؤيته كوحش كاسر على حلبات الملاكمة فهذا الملاكم العنيف عمل لفترة كمرب للحمام، وتفوق لدرجة كبيرة في هذه المهنة الرقيقة التي لا تنم بأية حال عن الشخصية العنيفة التي نراه عليها الآن. لكنه عمل بعد ذلك حارساً للنمور، مما يبين قدراً كبيراً من التناقض في تلك الشخصية. والامر الاكثر غرابة هو ان هذا الرجل كان قارئاً شغوفاً بكبار الفلاسفة امثال الفيلسوف الالماني نيتشه وايضاً جاك لندن وغيرهما، الامر الذي يبين العمق الدفين في هذه الشخصية غريبة الاطوار. غير ان تايسون الان ليس لديه الوقت اللازم لممارسة هوايته القديمة. فيقول «ليس لدي وقت لافعل ما كنت افعله في الماضي. انني افتقد كثيراً من هواياتي. ولكن تلك هي الحياة التي اخترتها.. فأنا سعيد لانني ملاكم. والحياة مليئة باللحظات السعيدة كما هي حبلى باللحظات التعيسة، ففي بعض الاحوال اشعر بأنني في حالة طيبة، واحياناً اخرى امر بظروف تعيسة، لكن افضل شيء قمت به في حياتي هو انني قررت ان اكون ملاكما». ترجمة: حاتم حسين عن «فوكس»