بيان 2: في خاطرة سابقة حاول هذا المحك الناقد ان يساور مسألة تجمع بين النقد والمتعة، وهي «تذوّق الشعر». لكنه أخفق في الوصول الى منهج يمكن اتخاذه أساسا لفهم الشعر وإفهامه، وذوقه وإذاقته. وها هو ذا يحاول كرّة اخرى لعله يظفر بطريقة ناجعة مشفوعة بضوابط محددة تعين القاريء على قراءة الشعر وعلى تدبّر ما فيه من أسرار الجمال، وتضع بين يديه مفاتيح هذه الأسرار ليديرها في أقفالها، عسى ان يعلم ما يجهل من خفايا هذا الفن العريق في حياة العرب. وفي سبيل الوصول الى هذه الطريقة يحسن بمحك النقد ان يبدأ بالأصل، وان يفرّع منه الفروع التي يراد لها ان تتحول الى ضوابط تجنبه الغلو والشطط. ولمّا كان الأصل الذوق، وكان الذوق ملكة فردية لا معادلة رياضية، ولا قانونا من قوانين الفلك، فعلى المحك ان يحرص الحرص كله على الحد من طغيان العنصر الفردي في تكوين الذوق. وعلى فَسْحِ المجال للعناصر الموضوعية لكي تشاركه في التمرّس بفهم النصوص وتذوّقها. ترى أيمكن ان يحاط الذوق الفردي بضوابط تكبح جماحه؟ وما هذه الضوابط؟ وما مدى قدرتها على تحويل الذوق من خطيب متحمس يرتجل الحكم الى قاض عدل يُؤْثر الروية قبل ان يقضي بين الناس؟ 1ـ الثقافة والمقارنة: ربما كانت سعة الاطلاع على الشعر قديمه وحديثه، وعربيه وأجنبيه، وقرن الثقافة الواسعة العميقة بالمقارنة الرزان الدقيقة أهم الضوابط التي يحتكم اليها الذوق في تمييز الجيد من الرديء، وفي تعليل الميل والإعراض. فأنت لا تستطيع ان تقدم أبا الطيب المتنبي في الحكمة على من سبقه ومن لحقه ما لم تطلع على حكم زهير وأبي العتاهية من سابقيه، وعلى حكم أبي العلاء وشوقي من لاحقيه. وبعد الاطلاع والمقارنة يتبين لك ان حكم المتنبي عصارة تجارب وخلاصة ثقافة وتصوير واقع، وتأريخ حياة، فلا تملك الا ان تطرب لها، وتعجب بصاحبها، فتقدمه على من سواه، وتدفع اليه قصب السبق. 2ـ وثاني الضوابط قمع الهوى بالعقل، وردع التعصب بالانصاف. وهذا الضابط صعب المرتقى، بعيد المنال، لأن اصطباغ الثقافة بصبغة خاصة يُفضي الى التعصب، فالاستاذ الجامعي المكب على درس التراث يتعصب للقديم على الحديث، ويتكلف المدح والاطراء لكل موروث كأنه يدافع عن شيء مقدس، ويسبغ عليه من الثناء ما يسبغه المحامي البارع على موكله، ولو كان من أخسّ المجرمين. والناقد الأكاديمي الدارس أدب الغرب المتأثر بالرمزية والبنيوية، المغرم بالتناص والتفكيك يرى الجمال كله في الحداثة المغرقة في الغموض ويلصق القبح كله بشعر السلف وشعر من انتهج نهجهم من الخلف، ولهذا فعلى الأول ان يأخذ من الحداثة بنصيب وعلى الثاني ان يأخذ من الأصالة بنصيب لتتعادل كفتا الميزان في تذوقهما وأحكامهما. إذا قدم الأول امرأ القيس ـ وحقه ان يتقدم ـ فعليه ألا يبريء شعره كله من العوار وألا يسوغ سقطاته بالاعتذار والاغتفار. صحيح ان الشاعر الضلّيل صور الصيد والشواء والفرس فأحسن ولكنه صور أصابع صاحبته فأساء حينما جعلها «أساريع ظبي أو مساويك إسحل» فالذوق السليم ينفر من الدود اللزج، والمساويك الصفراء اليابسة، وإذا قدم الثاني شعر السياب فعليه ألا يقدم مقطعة من الشعر المنثور أعوزها الفكر وجانبها الوزن، ولم يبق فيها غير التهويم والاضطراب والخبط في تيه الغموض، فأين الترنح وراء السراب من ابداع السياب؟ وأين النغمات المفتراة فيما يسمى قصيدة النثر من الايقاع الحديث الذي التزمته تفعيلة نازك الملائكة أو عزفته أنشودة المطر؟ 3ـ وثالث الضوابط المعينة على تذوق الشعر ربط النص بصاحبه، وبالظرف الذي اكتنفه، وكان الدافع إلى نظمه، وفي التزام هذا الضابط رد على الذين دعوا إلى اغتيال الشاعر بخنجر الناقد، وزعموا ان المؤلف قد مات، وان لكل قارئ الحق في تفسير نصه على النحو الذي يتراءى له، إنك لا تهتز لقول أبي الطيب، وهو يخاطب نفسه «كفى بك داء ان ترى الموت شافيا» إلا اذا عرفت ان الدنيا على سعتها ضاقت بالشاعر بعد ان فارق سيف الدولة، فاضطر إلى مدح من يكره، ومصانعة من يحتقر، فمتى تمثلت الحدث تذوقت ما في النص من إخلاص لسيف الدولة مغلف ببهرج النفاق بين يدي كافور. 4ـ وثالث الضوابط يفضي بك إلى رابع، وهو ان تعامل القصيدة معاملة الممثل البارع للحوار المسرحي وهو يؤديه أو يشارك فيه، أي: ان تضع نفسك موضع الشاعر فتتمثل ما يعروه كما يتقمص الممثل أفكار الشخصية التي يمثلها ومشاعرها، فينقل إليك بوجهه وقسماته وحركاته وصوته ونبرته تفجر الغضب وسكينة الطمأنينة وتوتر القلق وارتعاش الخوف، فإذا قرأت قول أبي الأسود الدؤلي: تموت مع المرء حاجاته وتبقى له حاجة ما بقي فتصور وأنت تنشد البيت أنك عائد من جنازة، وانك شيعت صديقاً كان شديد الحرص على الدنيا كثير المال والأعمال، وان ماله وأعماله ومشاغله ومباذله ومتاجره ودفاتره كفنت بكفنه، ودفنت بدفنه حينئذ يهزك ما في البيت من حسرة وعبرة، وعمق تزيا بزيّ الضحالة، واستسلام للموت مقرون بالحرص على الحياة، فتحقر ما كنت تُكْبر، وتسري في اعصابك برودة الزهد فيما كنت تطمع فيه، وتحسّ انه ـ على بساطته ـ اعمق من دالية المعري في رثاء ابي حمزة الفقيه، واصدق من بكاء ابي ذؤيب على بنيه. ولك ان تضيف الى هذه الضوابط الاساسية عوامل اخرى تنصح بها للناشئة، وتدرّب بها من لادربة لهم بسماع الشعر وانشاده وتذوقه. اول هذه العوامل ان تختار المقطعات المألوفة المفردات، البريئة من التعقيد والاغراب، القريبة من قلوب المراهقين والشباب، الرشيقة الاوزان، الواضحة الصور، السخية بمعانيها، التي تبوح بما فيها بلا تفسير، فتدفعها الى ملحن، يصنع لها ايقاعاً يزيدها تطريباً وتحبيباً، ثم يلقيها مع الايقاع في الاسماع، فاذا هي احبّ الى الشباب من هذا الغناء العامي المتهافت المعاني والمباني، الفاسد الاغراض، المفسد للأذواق. واذا هم شعراء بالقوة قبل ان يصبحوا شعراء بالفعل، يمتلكون ادوات النظم وان لم ينظموا. وثانيها ان تنقل الدربة من السمع الى النطق، اي: ان تعلّم الناشئة كيف ينشدون، فتستضيف اجود الشعراء انشاداً، وافصحهم نطقاً، واسلمهم مخارج حروف، واقدرهم على الابانة، واحذقهم في التطريب، وابرعهم في تمثل النصوص وتمثيلها، وتوقيع القوافي وترتيلها، فتجعلهم ائمة ومدربين، وتحمل السامعين المبتدئين على محاكاتهم. وبهذا الاسلوب التعليمي التلقيني تلقي احفل البذور بالخصب في اكثر النفوس استعداداً للإخصاب، فلا تقطف مما زرعت غير الرأي الحصيف والذوق الرهيف. والثالث الحوار الذي يفجّر الطاقات الكامنة، ويصقل الملكات الفطرية، اذ تصادم الفكرة الفكرة فتقومها او تتقوّم بها، ويقدح الرأي بالرأي، فينيره او يستنير به، ويناقش المنقود الناقد فيعطيه او يأخذ منه. وعن هذا التفاعل الجدلي بين ذوق وذوق ينجم ذوق اخر يأخذ من النقيضين، ويوازن بين الكفتين، فلا يتعصب لقديم على حديث، ولا يظاهر اتباعاً على ابتداع، ولا يجعل الجمال كله وقفاً على فريق، والقبح كله محصوراً في فريق. وانجع المحاورات وانفعها واعودها بالخير على الادب والنقد، وابعدها اثرها في تربية الحسّ والذوق تلك المحاورات بين جيلين: جيل الشيوخ الملتفت ابداً الى الوراء، وجيل الشباب المتجه ابداً الى الامام، كأنهما باختلاف وجهتي النظر يصران على افتراق الاذواق، ويرفضان الجلوس الى مائدة واحدة، والاصابة من زاد واحد. اجل، ان اجدى المحاورات واخصبها مواسم واكثرها ثمراً محاورة بين جيلين جيل الشيوخ الذي صُنع ذوقه على عين التراث الاصيل، وجيل الشباب الذي صنع ذوقه على عين المستحدث والدخيل، كان الأول لا يجد الراحة والثقة بالنفس الا في حومة الاعتزاز بالماضي، وكأن الثاني لا يجد حلاوة الانتصار الا في ان يتهم خصمه بالتخلف والتطرف، والتمجد والتبلد، والعجز عن فهم الحداثة وتذوقها. واذا كان العالم كله ينزع في هذا العصر الى حوار الحضارات، فكيف لا ينزع عشاق الادب الواحد والناطقون باللغة الواحدة الى حوار الاذواق لتقريب النقيض من النقيض، ورفد التيار بالتيار، والخروج من معمعة المحاورة بأذواق تميل عن الاختلاف الى الائتلاف، وعن التنابذ الى التكامل. ورابع العوامل يتفرع عن ثالثها، وهو عقد الندوات المفتوحة، وادارتها حول ديوان او قصيدة، واشراك اصحاب الاذواق المتباينة في مناقشاتها على ملأ، والاجابة بعد المناقشة عن اسئلة الحاضرين من شداة ومتمرسين. وبهذه الندوات التي يتاح فيها النقد الحر لكل انسان، تُرعى المواهب، ويشجع الشباب، وينشؤون على الحرية غير المتفلتة في التفكير، والجرأة غير الوقحة في التعبير. وبعد.. افلا ترى معي انه بعد التقاء الناقد بالمنقود، والمقلد بالمجدد، والكبير بالصغير، والسائل بالمجيب يتولّد حكم اصدق من حكمي وحكمك، وذوق ارهف من ذوقي وذوقك، فيرقى الشعر بالنقد، ويشحذ التذوق بالاحتكاك؟