بيان2:احمد الله كثيرا أنني لحقت زمن (الدش).لا أدري كيف الحال بدونه في هذا الزمن المتقلب، الزاخر بالأحداث الجسام، كيف كانت ستصل إلينا أخبار الحروب، والهزات الأرضية، وانطلاق السفن الفضائية وسباحة الرواد في الفراغ؟ كيف كنا سنتابع أحوال العالم مباشرة في نفس اللحظة ولقاءات كبار المسئولين وصغارهم عندما تتوالى طبقا للتدرج الهرمي، المهم اللقاءات وتبادل التحايا والنظرات والكلمات الرسمية المعدة سلفا، ثم نعرف آخر النشرة أن الحرب العالمية قد نشبت؟! كان المرحوم مصطفى أمين يتندر بذلك ساخرا من رتابة نشرة الأخبار التلفزيونية الرسمية ولكن كان ذلك قبل ظهور (الدش)، الآن اختلف الأمر بضغطة خفيفة من الاصبع على زر أنتقل من عاصمة إلى أخرى، من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب، حررنا الدش من الحصار الإعلامي المحلي الذي فرض علينا هدرا، بل دهرا، وإنني لفي حسرة على أكثر من أربعين عاما ضاعت من عمري بدون دش، بالطبع عرفت التلفزيون قبل الدش، ظهر في مصر عام تسعة وخمسين من القرن الماضي، وارتبط بعبارة ظلت تتردد لعقود كانت تقول إنه ولد عملاقا، وكانت العبارة إحدى العبارات التي يجري ترويجها بانتظام من جهاز الدعاية حتى تعلق بالأذهان، وقد عرفنا الكثير منها مثل (من الإبرة إلى الصاروخ..) إلى غير ذلك مثل (الأمن والأمان)، (ديمقراطية الأنياب)، (الثورة الخضراء)، في البداية كان التلفزيون يبث لساعات بعد الظهر، أبيض وأسود، وينهي إرساله قبل منتصف الليل عدا أيام الخميس التي كانت تعرض فيها المسرحيات والأفلام، وحفلات كوكب الشرق أم كلثوم، التي بدأت إذاعتها المرئية في منتصف الستينيات، لم يكن انتشار التلفزيون واسعا في البداية، خاصة في الأحياء الشعبية، ويرجع ذلك إلى ارتفاع سعر الجهاز الذي رخص بعد إنتاجه محليا، وإلى ضرورة دفع ضريبة عليه، أظنها لم تكن تتجاوز جنيهاً واحداً في السنة لكن الجنيه كان عزيز المقام وقتئذ، قوي الشكيمة والمقدرة، في حارة درب الطبلاوي التي كنت أقطنها لم يكن إلا جهاز واحد في البداية، عند سيدة اسمها أم يوسف، كانت تفتح أبواب شقتها لجاراتها وأطفالهن وقت إذاعة المسلسل، الذي كان يبدأ عادة في السابعة بعد نشرة أخبار السادسة والتعليقات، كان التلفزيون يمثل بعدا جديدا في الحارة المصرية يجتمع حوله الجيران ويلتفون، في الوقت نفسه بدأت بعض المقاهي تدخل التلفزيون كوسيلة لجذب الزبائن، كان البعض يصطفون أمامه ليتابعوا فيلما أو حلقة من المسلسل، ولكن الجميع كانوا يحلقون حوله عند إذاعة مباريات كرة القدم، وكان من الطبيعي أن أسمع الصيحات الجماعية المفاجئة من داخل البيوت أو المقاهي عند إحراز هدف أو ضياع فرصة، ومن أقدم المباريات التي تعلق بذاكرتي المرئية، مباراة كرة بين المنتخب القومي وفريق ريال مدريد، ومباراة أخرى مع فريق البرازيل حقق خلالها (بيليه) الذي كان مشهورا بعبارة الجوهرة السوداء ثلاثة أهداف، ورغم أنني لست من هواة الكرة إلا أنني أذكر مشاهد من هاتين المباريتين، ربما لأن المنازلة تجرى بين فريقنا الوطني وفرقة أجنبية، وهذا ما بقي معي حتى الآن، فكلما نازل المنتخب القومي فريقا أجنبيا في مصر وخارجها أحرص على المتابعة وأتمنى الفوز بالطبع لمنتخبنا القومي. شيئا فشيئا بدأ التلفزيون ينتشر في البيوت، لم يعد تلفزيون السيدة أم يوسف وحيدا في الحارة، وعندما أتذكر الستينيات يقفز إلى ذاكرتي أشهر لقطة تركت أثرا عميقا في ذاكرتي، عندما أعلن أن الرئيس جمال عبد الناصر سوف يلقي خطابا مساء الخميس التاسع من يونيو، كانت الحرب قد بدأت يوم الاثنين الخامس من يونيو عام سبعة وستين، وكان الوضع من خلال البيانات العسكرية المذاعة والاخبار المتاحة لا ينبئ بخير، وكان المنفذ الأجنبي الوحيد المتاح وصوله الينا هو الإذاعة البريطانية، القسم العربي، والتي تتميز بدقة في أخبارها وأثق بها، كانت الأخبار التي تبث منها عن معارك تدور كلها فوق الأرض المصرية داخل سيناء، وكانت الإذاعة المصرية قد بدأت تبث أغاني وطنية تثير من الشجن أكثر مما تثير من حمية، أذكر منها أغنية أم كلثوم: مصر التي في خاطري وفي فمي أحبها من كل روحي ودمي لكن عندما أذيع أن الرئيس عبد الناصر سوف يوجه بيانا إلى الأمة قوي الأمل عندي في أنه سيعلن مفاجأة، فلم نعتد منه إلا الأمل والتعبير عن المعاني الوطنية النبيلة، نزل السكان وطلعوا إلى شقة جارتنا التي كانت تسكن أمامنا، وعندما أطل الرئيس من شاشة التلفزيون الصغيرة رأيت الموقف كله على ملامحه الحزينة، المجهدة، إنها المرة الأولى التي أرى فيها البطل مهزوما، حزينا، في عام ستة وخمسين لم يفصلني عن مكانه فوق منبر الأزهر إلا بضعة أقدام، لكن كان الموقف مختلفا، كان يزأر ويتحدى معلنا مواصلة القتال، في مساء الخميس هذا رأيته كثيرا، وبمجرد إعلانه التنحي اندفعنا جميعا إلى الحارة، النساء، الرجال، الأطفال، من الحارة إلى شارع قصر الشوق، ثم ميدان الحسين، كان الشعب كله قد نزل إلى الشارع، يطالب عبد الناصر بالاستمرار، والنضال، رأيت ذلك بعد طلة عبد الناصر من خلال التلفزيون، واندفعت مع المندفعين، لذلك مهما قيل عن أن هبة الشعب في تلك الليلة كانت مدبرة فإنني أسخر من هذه الإفتراءات، فلم تكن هناك أي قوة منظمة تستطيع إثارة مثل هذه الحالة. للأسف مضت سنوات طويلة، قبل أن أرى في برامج التاريخ بالفضائيات الأجنبية المشاهد المحزنة للمعارك، والصورة التي كان يقدم الغرب بها عبد الناصر، حيث كان يشبهه بهلتر، وأتصور أن المصريين والعرب لو أطلعوا على هذه الدعاية الفجة في حينها لتعاطفوا مع عبد الناصر أكثر، ولفهموا ما يجري على الجانب الآخر أكثر للأسف لم يكن هناك (دش)، لم نكن نعرف ما يجري في إسرائيل أو الغرب إلا من خلال رؤية رسمية تبثها أجهزة الاعلام الحكومية، بل إن إسرائيل ذاتها لم تكن تعرف شيئا محددا عنها، وقد بهرني (الدش) بحقائق عديدة عن المجتمع الإسرائيلي والقوى السياسية فيه لم أحط بها علما رغم قراءاتي، أن يقرأ الإنسان شيء، وأن يرى من خلال الصورة والصوت، من خلال نافذة مفتوحة على الآخر شيء مختلف خلال السبعينيات ظهر التلفزيون الملون، وانتشر بسرعة مع تطور الحياة، وتقدمها، وفي التسعينيات ظهر الدش، كان في البداية مرتفع السعر تتراوح تكلفة تركيبه بين ثمانية آلاف وعشرة آلاف جنيه، الآن أصبح في حدود الف وخمسمئة جنيه، أتيح لنا أن نرى أول محطة إخبارية أجنبية عام تسعين، أعني محطة السي إن إن، والتي بثت إرسالها من خلال المحطات المحلية مع بداية حرب الخليج، لقد كانت جزءا من الحرب. شيئا فشيئا بدأت الأطباق تظهر بكثافة فوق أسطح المنازل، في مختلف المناطق، شعبية أو ثرية، وفي الريف، انتشر (الدش)، ولم أبادر إلى اقتنائه خشية من المحطات الأجنبية والأفلام الفضائية ليس خشية عليّ طبعا ولكن على الأولاد! علمتني التجربة أن الممنوع مرغوب، وهذا الممنوع الذي يبدو مثيرا ينقلب إلى شيء مقزز عندما يصبح عاديا، ومع انتشار شبكة الاتصالات الدولية (الإنترنت) وتعامل الأولاد معها، لم يعد هناك خشية، خاصة أن العمر تقدم بهم وبي، وهكذا أقتنيت (الدش) منذ أعوام قليلة وكان السبب الرئيسي رغبتي في مشاهدة واستماع الحفلات الموسيقية التي تبث من اسطنبول على الهواء مباشرة، إذ أنني عاشق قديم للموسيقى التركية الكلاسيكية. وقد زادت متعتي بعد الرؤية، فثمة حاستان تستوعبان بدلا من واحدة، الآن.. البصر والسمع، ولسنوات طويلة كنت أكتفي بالسمع عبر المذياع، ولكم أتأثر عندما أسمع حفيف ورقة النوتة الموسيقية إذ يقلبها قائد الفرقة الموسيقية، يمكنني القول إنني على بعد آلاف الأميال أرى أكثر من أولئك الجالسين في المسرح، وهذا من معجزات العلم الحديث، أي من معجزات (الدش)، طبعا أصبحت أتعرف على فنون أخرى من شتى دول العالم، وأصبح (الدش) مصدرا للمعرفة العلمية والثقافية، ثمة محطات متخصصة في المعرفة، لم أعد أقرأ فقط عن البحار والفضاء والحيوانات والتاريخ. إنما أصبحت أرى وأسمع، طبعا هناك أقطار تبث فضائياتها، خاصة في عالمنا العربي، أتوقف أمامها من باب الفضول فقط، ثم سرعان ما أتحول عن الأناشيد الحماسية، والخطب النارية والرقصات الأفريقية وقد سألت بعض صحبي الذين سافروا إلى البلاد التي تبث منها تلك الفضائيات: هل هناك (دش) ؟، فقالوا لي إن الدش مسموح به، قلت عندئذ : إذن لا خوف ولا خشية على الناس هناك ! حقا.. انني أحمد الله على الدش، انني لحقت بعصره فرأينا العالم، وعرفنا ما لم يمكن من قبل أن نعرفه.