بيان 2: لا يعرفه أحد ويتمنى الجميع أن يعرفوه. إسرائيل مستعدة أن تبذل الغالي والرخيص لتعرف أي شئ عنه وأمريكا تتمنى أن تعرف من هو لأنه من المفروض ألا تخفى عنها دبة النملة، ولكي ترضي حليفتها الأثيرة. والعرب من المحيط إلى الخليج يريدون أن يتعرفوا على هذا الشاب الذي قتل وحده عشرة من جنود إسرائيل وأصاب عددا قيل أنه أربعة وقيل أكثر. لا أحد يعرف من فعلها، ولذلك سموه القناص ولكنني أعرف من هو وسأحكي لكم عنه. بالطبع لن تتوقعوا أن أقول لكم اسمه ليس فقط لأنني لا أعرفه، ولكن لأن أجهزة العدوان الشيطانية تسعى إليه، ولا نريد أن نشي به. ولد صاحبنا وقد أحتل اليهود البلاد منذ سنوات قليلة وبكى أهله حظه لكنه لم يلتفت لذلك، فهو لم ير مدينته دون دبابات إسرائيلية. قتل أبوه وقيل له أنه راح شهيدا ولمح له البعض أن عليه أن يثأر له لكنه نظر إلى أمه وأخوته الصغار وقرر أن يعمل من أجلهم. ذهب إلى العمل وهو مازال صبيا صغيرا كان رب عمله يهوديا، والذين يسبونه يهودا، والذين يطاردونه في ذهابه وإيابه يهود. قال له أصحابه أنهم لن يسكتوا عن هذا لكنه تنصل من مشاركتهم فعلوا أشياء، قتلوا وجرحوا إسرائيليين . استشهد بعضهم، وجرح بعضهم، وسجن بعضهم ورأى في كل ذلك شيئا عظيما ، لكنه استمر يسعى للعمل عبر الحواجز ، يحمل تصريحه بيده ، ويتحمل إهانات الإسرائيليين ويتقدم في عمله ، فهو يمتلك مهارات لم يكن يعرفها في نفسه، أثنى عليه سادته الإسرائيليون بل كانوا أحيانا يهبونه بعض الشيكلات فوق راتبه وذات مرة قال عنه أحدهم: يكفي أنه ليس إرهابيا مثل مواطنيه ! ورد عليه أحدهم: لا تبالغ يا دافيد فلا يوجد فلسطيني غير إرهابي . وليلتها أخذ صاحبنا يفكر هل هو إرهابي أم لا ؟ ولم يكن أحد يعرف السر الغامض الذي يخفيه في صدره فذات ليلة كان عائدا من عمله عندما تحرش به صبي إسرائيلي ربما كان عمره سبعة عشر عاما . كان الصبي يحمل بندقية كاربيني من التي يحملها شباب الدفاع المدني وكان صاحبنا خبيرا في التخلص من مضايقات الإسرائيليين ، ولكنه عجز عن التخلص من سخافات الولد الذي سار وراءه طويلا. كانت كلمات الولد تحمل كراهية بشعة طالما لفتت نظره فهو لا يحب الإسرائيليين لكنهم يحملون داخلهم قدرا من الكراهية له ولقومه لا حد له حتى لقد تساءل ذات مرة: هل يقذف الإسرائيليون لأنهم يملكون كل هذه الكراهية؟ ودفعه الولد بالبندقية بين كتفيه والتفت صاحبنا دون أن يحسبها وضرب الولد في وجهه سقط الولد دون صوت طالما قالوا أن يده قوية لكنه لم يكن يعرف أنها قوية إلى هذا الحد فلقد مات الصبي وبندقيته الأمريكية الصنع تجذب عينيه كأنها أكبر من حجمها بعشر مرات أخذ البندقية ودسها تحت ثيابه وهرب بها ثم حفر لها حفرة تحت شجرة زيتون ودفنها هناك. تحت شجرة زيتون ولد ـ هكذا قالوا ـ وتحت شجرة زيتون كان يفكر في حاله وتمنى أن يموت ويدفن تحت شجرة زيتون ومر عام كامل كان يجد الوقت خلاله ليخرج البندقية وينظفها ويصلح ما فيها ، ويتدرب عليها . ثم يعيدها إلى مكانها ، بعد أن أضاف إليها طلقات جديدة. وذات يوم ذهب صاحبنا إلى عمله ، فلم يسمح له الإسرائيليون كان يعرف أن الاحتجاج بلا معنى ، فعاد. قال جاره ساخرا: البلاد من أقصاها إلى أقصاها مشتعلة بالانتفاضة وأنت تهفو إلى العمل عند الإسرائيليين ؟ ولم يرد. كان البعض يقولون أنه أخرس لقلة كلامه وكانت أخته تقول أنه لا يتكلم إلا عندما ينام. ومرت أيام البطالة كئيبة وكانوا يقضون الوقت تحت القصف وأمام التليفزيون والراديو . كانوا يعلقون ويصرفون ديتشا جرون أما صاحبنا فكان يتأمل صامتا. وذات ليلة فوجئ بهم جميعا يحتفلون به ،أخته جاءت بكعكة وضعت فيها شموعا قالوا له أنه عيد ميلاده الأربعين وقال صاحبه: ما دمت لم تشاركنا في عمل حتى وصلت الأربعين فأنت ستخرج من الدنيا وأنت لم تصب الإسرائيليين بسوء! ناموا جميعا لكنه لم ينم قبل الفجر ذهب إلى شجرة الزيتون وأخرج البندقية الأمريكية الصنع المأخوذه من دولة إسرائيل نظفها وتفقد كنزه الغالي: ثلاثين طلقة. وسار حتى وصل إلى حاجز عيون الحرامية ولقد تساءل مرات لماذا سميت المنطقة بعيون الحراميه وأستبعد النسبة إلى الإسرائيليين فهؤلاء قتلة وقراصنة ووحوش ، أما الحرامية فناس غلابة يسرقون القليل . رأى شجرة زيتون فاحتمى بها كان يعرف أنها أقوى ما يحتمي به الإنسان ومنها رأى الحاجز وبعض الجنود يستوقفون السيارات لتفقدها وبالطبع ليهينوا من فيها كان الجو شديد البرودة فنحن الآن في الثالث من مارس. ولذلك فالجنود مختبئون في ملجئهم لكنهم خرجوا عند اقتراب سيارة. كان بينه وبينهم نحو خمسين مترا. تقدم جندي لفحص السيارة ، وضعه أمام فوهه البندقية ، وضغط الزناد ، ودوى الصوت ، وسقط الجندي وكانت الرصاصة الثانية لجندي آخر والثالثة لجندي ثالث وأدرك القناص أن تدريبه كان صحيحا. وسمع الجنود صوت إطلاق الرصاص فخرجوا من ملجئهم بالتأكيد بإحساس من القوة ولكن الرصاصة الرابعة كانت من نصيب أول من خرج ولو أن صاحبنا عرف أنه لم يمت بل أصيب بجروح خطيرة فقط لغضب أكثر مما هو غاضب وعلى أي حال عوضها بالتالي وكان قائد المجموعة وخرج آخر وقتل. ووصلت سيارة عادية إسرائيلية كان بين ركابها إسرائيلي مثل غيره لا يكره أكثر من العرب ، فأصابته رصاصة قتلته مكانه ، وأدرك السائق الموقف فحاول الهروب ، لكن الرصاصة صرعته . ثم وصلت سيارة عسكرية بدأت إطلاق الرصاص على صاحبنا ولابد أنه فكر آنئذ وربما لأول مرة أن كنزه الغالي ليس كافيا ، وأن ثلاثين رصاصة ليست بالشئ الكثير لكنه لم يشعر بقلق ، وأطلق رصاصته التالية على سائق السيارة العسكرية وصرعه فورا كان معجبا بدقته على التصويب التي لم يعرفها من قبل ، وتساءل من أين جاءت هذه المهارة ؟ وبالطبع دوت أجهزة اللاسلكي بالنداءات تقول أن قوة كبيرة من الإرهابيين تطلق الرصاص ، إذ لم يتخيل الإسرائيليون أن عدوهم رجل واحد. وأتى مدد بقيادة نقيب أطلق صاحبنا عليه الرصاص وأرداه ولم يتابع بعد ذلك ما قيل أن اسم النقيب هو موشى دايان. وهو نفس اسم وزير الدفاع الذي كان بطل حرب 1967 والذي قال عنه نجيب سرور في قصيدته البذيئة الرائعة أننا نحن الذي صنعنا منه بضعفنا بطلا. ولم يعرف صاحبنا القناص أن بعض العواجيز في العالم العربي رقصوا فرحا عندما عرفوا بمقتل نقيب إسرائيلي باسم موشي دايان ، حتى وهم يعرفون أن الجنرال موشي دايان مات وذهب إلى نار جهنم منذ سنوات. وللأسف اتضح أن النقيب اسمه أرئيل حوفية ، وهو ليس أسفا كبيرا على أي حال. وعندما سقط القتيل العاشر إلى جانب الجرحى ، كانت البندقية القديمة قد تفككت ولم تصبح صالحة لشئ ، تفحصها صاحبنا فرأى أنه من المستحيل إصلاحها وفكر في أن الحصول على بندقية جديدة أيسر بكثير فالقى بها وربت على شجرة الزيتون ،وسار عائدا. كان الجو باردا ولسعة البرد تثير في النفس النشوة وكان صاحبنا سعيدا حتى فكر لأول مرة أن يغني في الفضاء ولمس بأصبعه كنزه الغالي: الرصاصات الخمس الباقية دفنها تحت شجرة الزيتون في مخبئه الأثير ، انتظارا لحصوله على بندقية. وعاد إلى بيته ليجد ضجة كبيرة انهم يتحدثون عن العملية الفدائية التي خلفت عشرة قتلى وعددا من الجرحى ولكن أحدا لم يتحدث إليه ، فهم يعرفون أنه لم يهتم بهذه الأمور من قبل.