بيان 2: ـ كم شهرا مضت وانت عاطل عن العمل. اقول في تردد: سيدتي لا اهمية لذلك الآن. تهتف: كم؟ اقول: ستة اشهر. تسير في خطوات سريعة، تفتح ضلفة خشبية في الجدار وتخرج منها كومة من الفراء وتلقيها امامي وهي تقول: ـ لن ترفض هذا العمل اذن. للفراء لون ترابي مائل للصفرة، يفوح منه عفن وغبار وبقية من حياة ميتة، اقلب فيه مدهوشا دون ان اتعرف على هويته، شعر قصير مدبب، عينان من مادة داكنة تومضان في وهن،ومخالب من معدن صدئ، وذيل من اللباد، من المؤكد ان احدا لم يشغل هذه الوظيفة منذ مدة طويلة، اتحسس الفراء، يسري في اصابعي بعضا من الموت الكامن في ثناياه، احدق في وجه حارس الاقفاص الصامت، يرتجف هو ايضا، تمتلئ الغرفة برائحة الموت، يظل وجهها جامدا وممتعضا، اقول: ـ اي حيوان هذا؟ لا تجيب على سؤالي: تقول: ـ ستوفر هذه الوظيفة راتبا وطعاما ومأوى، عليك ان تقبلها او تغادر الحديقة على الفور، لا وقت لدي اقضيه مع العاطلين عن العمل. اود ان اعطيها ظهري واتراجع، ولكني منهك من شوارع المدينة الباردة التي جبتها عشرات المرات، ومن روائح الارصفة العطنة في الاحياء المختلفة، ومن طيف الاضواء في النوافذ، وتشكيلات السحب في الليل، ومنازعة الكلاب الضالة في نفس الطعام، والارتعاد من وقع اقدام رجال الشرطة، والجوع الحارق الى جسد امرأة، اعيش يوماً بعد اخر على هامش عالم غريب، الكلمات التي اقولها فيه فقط هي كلمات الاستجداء، المصادفة التعسة هي فقط التي قادتني هذا المساء الى تلك الحديقة، والى مكتب هذه المرأة، انحني الى الارض، اتناول الفراء واضم شعيراته المدببة الى صدري كأنني احتمي به، تستدير وتعطيني ظهرها كأنها قد ملت من رؤيتي، تقول للحارس: ـ خذه للقفص ودربه على الحركات المناسبة. لا تستدير ولو لتلقي علي نظرة اخيرة وانا اغادر الغرفة، هل يمكن ان تتأتى لي لحظة امسك فيها هذا الجسد الفارع واضاجعه حتى تتكسر عظامه وتذوب حدته، اسير متعثراً خلف الحارس وانا احمل الفراء، اتنفس الهواء البارد، اسمع خوار الحيوانات النائمة، احس بأنفاسها الحارة وانا امر بجوار الاقفاص، يمضي الحارس صامتاً وكئيباً كأنه يقودني الى قبري، يفتح الباب فتئن كل المفاصل الصدئة، يتحدث الحارس اخيراً: ـ ها هو قفصك، البس الفراء الان وسوف يجعلك تشعر ببعض من الدفء، وعندما يقبل الصباح سوف تكون قد تعودت عليه. اقرأ بصعوبة على باب القفص لافتة مكتوبة بخط رديء «اسد استوائي، موطنه غابات افريقيا»، انظر في دهشة الى الحارس، لا ارى ملامح وجهه بوضوح وسط الظلام، لا اعرف ان كان يرثي لي ام يسخر مني، من المؤكد انه يعلم ـ من واقع خبرته ـ انه ما ان يأتي الصباح حتى اصبح سخرية الجميع، ادخل الى القفص، واشم عفونة الحيوان الذي سبقني، ينغلق الباب علي فتسري رعدة في مفاصلي، كل شيء بارد حولي، وانصراف الحارس السريع يزيد من درجة البرودة والجوع في داخلي، لم يكن هناك حل لهذه التعاسة الا ان اتشبث بهذا الفراء، ادخل نفسي فيه، الحيوان الذي تم سلخه اكبر حجماً مني، أتأمل مخالبي المستعارة وانيابي الحادة وفرائي الزائف، ثم اتحسس بطني المتخشبة من طول الجوع، الى اي مدى قادني هذا الجوع؟ اتكوم في ركن من القفص، ارى نافذتها المضيئة في مواجهتي، وظلها وهو يتحرك خلفها، هي ايضاً كانت اشبه بنا، بكل الحيوانات الحبيسة داخل اقفاص الحديقة، لها فراؤها الخاص الذي ترتديه بعد ان يمضي الجميع، اظل احدق في النافذة، يربط ما بيننا ذلك الظل القلق. استيقظ وانا احس بشيء صلب يوخزني في صدري، حارس الاقفاص يقف خارج القضبان وهو يوجه نحوي عصا طويلة، بدأ يعاملني مثلما يعامل بقية الحيوانات، يشير الي عدة ارغفة وطبق من الفول وهو يصيح: ـ كل سريعاً وارتد غطاء الرأس، سرعان ما يأتي الزوار. خبز يابس وفول حامض، احشو معدتي، ليس لي خيار التذوق، يرن الجرس الداخلي للحديقة فتتأهب كل الحيوانات، تخور في وهن وهي تدرك ان امامها يوما اخر صعبا، اضع رأسي داخل الغطاء ذي الفراء فيسود الظلام واوشك على الاختناق، اتبين وجود فتحتين صغيرتين وسط العينين، وفتحة اخرى خلف الانياب، يصبح العالم ضيقاً والهواء شحيحاً، لا ادري الى متى يمكنني الصمود هكذا، يبدأ الزوار في التدفق، تعلو ضحكاتهم وروائح اطعمتهم، انظر من خلال الثقب فأرى جموعهم حولي، عشرات من الوجوه، صغاراً وكباراً، كأنهم لم يأتوا الى الحديقة الا لرؤيتي، يعاود الحارس وخزي بطرف عصاه في قسوة، انهض واتمشى امامهم متوجساً من لحظة انكشافي، اراه يجمع النقود منهم ويعاود وخزي مرة اخرى، اتأوه في صوت عال، يشهق الجمهور في خوف وانتشاء، من خلال الفتحات الضيقة اراهم وهم يرتدون في خوف حين اقترب من القضبان، ثم يعاودون الاقتراب مرة اخرى حين ابتعد، تنتظم ايقاعات اجسادهم مع خطواتي، وتختلج تعبيرات وجوههم مع صيحاتي، الرجال يدخنون بعصبية والنساء يتطاعن في اشتهاء، والاطفال يسرحون في نظرات ساهمة، كيف جازت عليهم الخدعة؟ كيف استطاعوا الاقتناع بجسدي الهزيل وهو يتحرك وسط هذا الفراء المتهدل، كيف اقتنعوا بعيوني الميتة ومخالبي الصدئة. عبثاً احاول الابتعاد عنهم والانزواء في نهاية القفص، فعصا الحارس تطولني في كل مكان، تأوهاتي تتضاعف داخل الرأس الزائفة فتتحول الى زئير، يرتفع هياجهم كلما صرخت من الالم، كل جزء من جسدي قد اصبح يؤلمني، اود ان اتوسل اليه ان يكف ولو قليلاً عن اثارتي، كنت في امس الحاجة الى لحظة من الراحة في هذا النهار الطويل، لا اصدق عيني وانا ارى اشعة الشمس وهي تنسحب من خلف الاشجار، ولا اذني وهي تسمع صوت الجرس الختامي، انسحب الناس اخيراً وانقضت لحظات الجنون، لم يبق الا اصوات خوار الحيوانات التعسة المتعبة، انهار نائما على ظهري وقوائمي ـ رغماً عني ـ مرفوعة الى اعلى، استيقظ مفزوعاً على صوت مفاصل القفص الصدئة والحارس يضع امامي طبقاً من الطعام وبعض الارغفة، تتصاعد الابخرة من الطبق وتطفو عليه الدهون، يقول الحارس: ـ كنت قاسياً عليك اليوم، ولكن هكذا الشغل، ويجب ان نرضي الناس الذين حضروا الينا. يساعدني على خلع رأس الاسد من فوق رأسي، ابدأ في الاكل بسرعة خوفاً من ان يحدث اي شيء يحرمني من هذه الوجبة، خليط من الارز والخضار وقطع من الشحم اللزج دون لحم، ولكني احس بها تسري في عروقي وتبعث فيها الدفء، يتأملني «جمعة» الحارس في نظرة تختلط فيها الشفقة بالازدراء، كم جمع من القروش التي انهالت عليه طوال اليوم، اخاف ان اسأله حتى لا يرفع الطعام من امامي، في هذه اللحظة كانت حاجتي للطعام اقوى من حاجتي للنقود، لابد انه قد قرأ الافكار التي تجول في خاطري، ينهض فجأة ويغلق القفص خلفه، اصرخ فيه ان ينتظر قليلاً ولكنه يمضي، لم يبق امامي الا ان امسح الطبق حتى اخر قطعة من الدهن وانتظر داخل الفراء العفن. يلف الحديقة تعب وظلام وسكون، يمحي ضوء القمر كل الالوان، احس بالغثيان من كثرة الدهون ولكن الدفء يبقى، يسترخي جسدي ببطء، وتضاء نافذتها في ليلي البارد الطويل، ويبدأ ظلها في التحرك، هل يتأتى لي ان اقف امامها مرة اخرى، وان تكون اقل حدة واكون انا اكثر قدرة، هل يقدر لي ان المس جلدها لعل فيه بعضاً من الدفء الذي اتوق اليه، اغفو قليلاً ثم استيقظ، اراها وهي واقفة امامي، تحدق في خارج القفص، ملامحها اكثر شحوباً تحت ضوء القمر، لا تتكلم، كأنها تحاول ان تنفذ بنظراتها خلف جلد الاسد الذي ارتديه، اسمع صوت انفاسها الثقيلة، ترتدي ثوباً ابيض فضفاضاً متهدلاً على جسدها، ذراعاها عاريان وثدياها ناهدان، تحدق في قليلاً ثم تبدأ في السير مبتعدة، لا تعود الى بيتها ولكنها تجوس وسط الاقفاص، المحها من بعيد مثل طيف، يظهر ويختفي كحلم في يقظة ناقصة، تعاود الحديقة يقظتها من جديد، كأنها من خلال هذا السريان الدؤوب تبعث بعشرات من النبضات الحية التي توقظ الحيوانات وتملأ جسدها بالانتشاء، ترتفع اصوات الخوار والعواء والنباح والهرير والفحيح والهديل والصهيل والزقزقات، تتداخل وتتحول الى همهمات من الرغبة الجائعة، لا أراها عائدة الا بعد ان ينتصف الليل ويغور القمر، أرى ظلها ممتد على العشب، وثوبها ملوث ببقع داكنة كأنها دماء طرية أو كأن القمر يبالغ في خداعي. صباح آخر، طعام يابس ووجوه مزدحمة، وعصا طويلة تباغتني كلما توانيت، أتجول وسط عيونهم المحملقة وأتذكر كل الذين ارتدوا ثياب الاسود وزأروا مثلي، أباطرة وملوك قدامى وقادة مزهوون بالنياشين، وقتلة مرتبصون، كلهم كان في داخلهم نفس الشخص الخائف، وكل الذين حولهم لم يروهم الا بعيون الخوف كما يرونني الآن، يضيق الجلد من حولي، يزداد اقترابا من جلدي الحقيقي، ببطء شديد أشعر انني سيد الموقف، الملك الذي يسعى كل زوار الحديقة لرؤيته كل يوم، تعتدل خطواتي وتصبح اكثر رسوخا على الأرض، ويصبح زئيري قويا ومثيرا لرعب الرجال وشهوة النساء، يأتي الحارس في كل مساء، يضع أمامي طبق الطعام وهو يراقبني في حذر، أقول له: ـ ماذا عن بقية حيوانات الحديقة؟ ينظر نحوي في بلاهة وهو يردد: ماذا عنهم؟ ـ هل كلهم مزيفون مثلي؟ ـ لا أدري، من المؤكد ان بينهم من هو مزيف، ولكني لا أعرف من هم، لم أعد استطيع التمييز بين الحيوان الحقيقي والمزيف، الجميع حيوانات كما تعلم، عندما يجوعون أو يخافون، كل من في الحديقة جوعى وكل من في الحديقة حيوانات. ـ وبلقيس، هل هي متزوجة، أرملة، أم عقرباء سوداء؟ لأول مرة حدق بخوف وهو يقول: ـ لا يمكنني ان أتحدث عن المديرة هكذا. ـ لماذا؟ هل هي خطرة؟ هل هي أخطر من بقية حيوانات الحديقة؟ حدق فيّ طويلا ثم هتف: كلا، ولكنها تمتلك المصائر. يتركني ويمضي دون ان يوضح كلماته، وينتصف الليل فأراها تمضي في ظلمة الحديقة دون بقية من قمر، تثير رؤيتها بداخلي جوعا ممضا، في الصباح وعندما تلتف حولي الوجوه الغريبة، أرى وجهها محاطا بظلمة الليل الخفية ترى كيف تبدو في ضوء النهار؟ لم تعد تقترب من قفصي، لا تعرف ان الجلد قد ضاق علي والتصق بجلدي، وانني حين أغفو ليلا تملأ أنفي روائح الطل والمطر والدم الطازج، وحين أرهف أذني أسمع حفيف الاجنحة وهسيس الديدان وصوت العصائر في نسغ الاشجار وارتعاد الطرائد في لحظة الافتراس، يقول لي الحارس: رائحتك أصبحت لا تطاق، قلت: فلأستحم إذن، قال: من الصعب ان تخرج من هذا الجلد، قلت: ومن قال انني أريد ان أخرج منه؟ ينصب الماء على فرائي فأحس به باردا وعذبا، وكأنه مطر عذب يأتي من سحابات استوائية لا تجف، أنفض الماء من على لبدتي وأنا أقول للحارس: ـ الليلة سوف تترك لي باب القفص مفتوحا. يهبط بخرطوم المياه من على جسدي وهو يهتف: ـ ولكنك أسد، والأسد لا يجب ان يكون خارج القفص. ـ أريد ان أتجول داخل الحديقة، لن أخرج منها. يظل مترددا، يقول في خوف: ـ لو عرفت المديرة ذلك سوف تقتلني. أقول له في تأكيد: لن تعرف. ولكن الخوف لا يغادره: انها تعرف كل شيء، حتى قبل ان نقوم به. اضطر الى تهديده: اذا لم تترك القفص مفتوحا فسوف يجدني الزوار أشبه بالجثة الهامدة، لن أتحرك ولن تجني من ورائي قرشا واحدا. يتأمل وجهي قليلا: أعرف فيما تفكر، أخطر مما تتصور. يستدير وينصرف مبتعدا، وانفض الماء من على جسدي وأتمسح في القضبان، يهبط ليل داكن وتهجع الاصوات، أخرج الى العراء، هواء بارد مختلف عن هواء القفص البارد، لمسة من الحياة تمس جسدي الذي مازال فيه بقية من بلل، أسير عبر الاشجار القديمة الباسقة، أحس بجذورها الضاربة وهي تقلق استواء الأرض، اصعد على الدرج الضيق المؤدي اليها، أخطو بقوائمي الاربعة فوقه بسهولة، يتحرك جسدي كله بمرونة وتلقائية، أقف أمام بابها وارهف سمعي، هل هذا صوت تنفسها أم انه حفيف ثوبها، أرفع مخالبي وأهوي فوق الباب، لا يرد علي أحد فأدق بقوة أكبر، أضغط على الباب قليلاً فينفتح وحده، المكتب الذي شهد لحظات اذلالي الأولى خال ومظلم، أتلفت حولي فأشاهد بابا آخر يقود الى داخل المنزل، أعبره الى ممر مظلم، أجوس وسط رائحة ثقيلة ورطبة، قرنفل وبهار وصندل، الصمت مطبق ولكني ـ رغم كل الروائح ـ أشم رائحة عطرها وعرقها، أخرج من الطرقة الى غرفة واسعة مليئة بالاشياء، لا أرى تفاصيلها ولكني ألمح ظلالها، أواصل التقدم حتى أرى بلقيس تجلس بجانب مصباح شاحب الضوء لا يكشف الا عن جانب من وجهها، ترتدي ثوبها الابيض الذي كشف عن ذراعيها وعنقها الطويل، صدرها النافر يصنع ظلالا على الجدار، يعلو ويهبط مع صوت أنفاسها، جالسة ساكنة ترقب خطواتي التي تتباطأ كلما اقتربت منها، هل كانت تتوقع قدومي؟ هل تقرأ حقا كل نوايا الخوف والاشتهاء؟ أم ان حارس الاقفاص قد وشى بي؟ لقد مضيت لأكثر مما أستطيع التراجع، أقف أمامها أخيرا وأرى التعبير المرسوم على وجهها نصف المضيء، بدا كأنها تنظر الى ما أقوم به كأمر مُسلم، كأنه من المحتم ان أصعد الدرج على قوائمي وان أرخي ذيلي أمامها لاهثا وراغبا، أجد صوتي أخيرا فأقول: هل جئت متأخرا؟ يضيع الصوت في تجاويف رأسي، يتحول الى نوع من الزئير الرخو، أشم رائحة جسدها بعمق، كل خلية من خلاياها، حتى رائحة العرق والافرازات التي تنز منها، أمد يدي ـ أقصد قائمي الأمامي ـ وأضعه على صدرها العاري، تترك مخالبي عليها خمس علامات حمراء، نقاطاً دموية صغيرة، تغمض عينيها قليلا حتى أسحب مخالبي، أسمع صوتها وهو يهتف في صوت خافت: ـ عليك ان تتبعني أولاً. تحمل المصباح وتنهض واقفة، تسير حافية، لا تكاد تلمس الأرض، نجتاز الغرفة الى قاعة أخرى أكثر ظلاماً، تزداد رائحة الرطوبة ويصبح الهواء ثقيلاً، تمضي هي في سهولة ويسر بينما اتعثر انا في عشرات الاشياء التي لا أراها، لا أدري ان كانت قطعا من الأثاث أم من جذوع الشجر، صوت حفيف خطوتها يتحول الى نبضات، تتحول بالتدريج الى ايقاعات خافتة لطبول بعيدة، أدخل في متاهات من الأغصان المتشابكة وأحس على وجهي بنوع من قطر المطر الدافئ، أين ذهبت جدران الغرفة، كيف أصبحنا فجأة ضائعين وسط هذه الغابة الكثيفة التي يبدو واضحاً أن أشعة الشمس لم تستطع التسلل إليها يوماً ما، أتنفس هواء حاراً مشبعاً بمياه المطر وترتفع إيقاعات الطبول وتشتعل نار في مكان ما، تختفي بليقس من أمامي تماماً، وينهض من جوف الظلمة مسوح غريبة، أنصاف من البشر والحيوانات، طقوس من السحر الأسود تكتمل دوائرها حول النيران المشتعلة، تأخذ الأقدام في الدبيب بجنون، يظهر ساحر القبيلة من مكان ما وهو يمسك طفلة صغيرة من قدميها، رأس الطفلة الى أسفل وهي تصرخ، صراخها يضيع وسط صوت الطبول ودبيب الأقدام، ولكنني أرى وجهها الصغيرة، أتأمل ملامحها الدقيقة، تلك الملامح التي لم أنسها ولو للحظة واحدة من حياتي، أصرخ في لوعة وألم، وأريد أن اتقدم ولكن الاغصان المتداخلة تحيط بي وتشل حركتي، كما حدث أول مرة يحدث الآن، اسد عاجز دوما، لا يستطيع ان ينقذ احب الناس اليه حين تحين اللحظة، تستيقظ في داخلي كل الذكريات المريرة والمؤلمة، فرصة الحياة التي ضاعت مني قبل ان تلتهما النيران وتدمر كل ما كنت املك، وكل ما كنت أريد، أبكي: «يا ابنتي، يا جوهرتي الغالية» يحيط بي صائدو الرؤوس البشرية، أقزام هيئتهم بشعة، على وجوههم ندوب غائرة، وعلى بطونهم وشوم ملونة، رائحة الدم الطازج تملأ المكان، دم من هذا؟ أندفع هارباً، ويندفع حولي سرب من البقر الوحشي في لحظة من الفزع الأعظم، كل الفخاخ في انتظاري والجوع هو نقطة ضعفي، تظهر بلقيس وهي تحمل المصباح، تضعه على الأرض فلا ينير ابعد من جسدها الذي ينتصب امامي مثل شجرة فارعة، ينفرج فمها عن ابتسامة غريبة، ألم وسخرية وسخط، أكتم دموعي وحرقتي وأقفز عليها، أغرس أظافري في ردائها وأنزعه من على جسدها، كل أشيائها التي كانت خافية عني، مستعصية عليّ، تبدو امامي الآن، أحدق في عينيها فتحدق فيّ دون خوف، أريد ان اقول لها: أريدك كالموت، ولكن صوتي يخرج زئيراً منكسراً، أحتويها وسط قوائمي الأربعة، أريد أن أدخلها في فرائي وأن أنفذ إلى أغوارها، لعل بداخلها امرأة أخرى خائفة وراغبة، ولكن عينيها باردتان، تحدقان فيّ بصلابة، كأنهما تقودان الى نفق مظلم وليس لأعماق نفس بشرية، تهتف في صرامة: ـ ما زال في داخلك شيء بشري نتن. تدفعني من فوقها، تغطي جسدها ببقايا ثوبها الممزق وتهتف: «اغرب عني»، مرة أخرى يمتلئ وجهها بتعبيرات الازدراء، حتى بعدأن أصبحت أسداً لم أستطع التغلب على ذلك الازدراء، أتوقف قليلاً في ذهول، أتأمل النقاط الخمس الدامية على صدرها، ولكن هذا لا يغير من الأمر شيئاً، أحرك قوائمي مبتعداً، أعبر الطرقة المظلمة، أسمع صوت بابها وهو يصفق خلفي، أسير عبر الحديقة الصامتة، يخيل إليّ ان كل الحيوانات تحدق فيّ بشماتة، أدخل الى قفصي، ويأتي حارس الاقفاص، كأنه يترقب عودتي، يغلق الباب خلفي، يضع قفلاً ضخماً على الباب ويمضي دون أن يتبادل معي كلمة واحدة. أقضي الليل مرتعداً، ويأتي صباح بارد، لا ارى أحداً، حتى الحارس لا يبالي بي ولا يحضر لي طعام الافطار، لا يهم، لو انه احضره فلم اكن لآكله، وأتجول في القفص التماساً للدفء، وتظل الحديقة خالية ويمر اليوم بطيئاً، لا يتغير شيء حتى تعود ظلمة الليلة مرة أخرى، ألطم القفل الضخم محبطاً ويائساً، أزأر في حنق وغضب فلا يرد أحد عليّ، أغفو رغم جوعي ورغم قسوة الكوابيس، لا أعرف كيف يمر الليل ويهبط نور الصباح التعس، لا تفارقني الغابة التي اجتزتها، ولا القربان البشري الذي راح هدراً، تدخلت دقات الطبول مع وجيب قلبي، أنتفض من كثرة الرطوبة الرابضة في أعماقي، أحاول أن أخلع الجلد الذي يحوطني فلا أستطيع، تداخل الجلدان ولم تعد هناك فرصة للتمييز بينهما، كأنها لعنة أبدية قد التصقت بي، جاء بعض الزوار القلقين، ما أن سمعوا أول زئير حتى هربوا مسرعين، لا أرى وجوههم، لابد وأن مظهري قد أصبح مثيراً للفزع أكثر مما هو متوقع، الجوع يقتل كل ما بداخلي من رغبات، أصبح أكثر خفة، ولكن هل أستطيع النفاذ بين كل هذه القضبان، وهل توجد هناك غابة ما خلف الأفق المظلم؟ ثم أشم رائحة الدم، دم طازج لم يتخثر بعد، تستيقظ في داخلي طاقة صاخبة من الحياة والرغبة، ألطم القفص بقوائمي، تشرئب كل شعيرات جسدي، تتحفر كل مخالبي، أرى حارس الأقفاص وهو مقبل نحوي، يحمل تلك الشرائح الحمراء الداكنة، ذبيحة مقطوعة من منتصفها بحيث تبدو جدائل اللحم المتوهجة، العظام التي تشد رقائق الأغشية، وحبل النخاع الذي يمتد بطول الذبيحة قانياً ومفعماً بالملايين من كريات الدم، يقترب الحارس أكثر فأستطيع التعرف على نوع اللحم من رائحته، لحم حمار، ليس صغيراً وليس طاعناً في السن، مناسب تماماً لأسد جائع مثلي، يلقيه الحارس نحوي فأنقض عليه، أغمس فيه خياشيمي وأمزق أنسجته بمخالبي وأكسر عظامه بأنيابي، وأدرك انها في الأعلى تطل عليّ من خلف ستائرها المسدلة. ـ قاص وروائي مصري