بيان 2: توجهت اول بعثة امريكية متخصصة في علم المصريات مدربة تدريباً جيداً وبطريقة مهنية الى مصر في اواخر القرن العشرين اي بعد نظيراتها الاوروبية بعشرات السنين، وفي فترة قصيرة من الزمن كان لأفراد هذه البعثة تأثير كبير على النظام وتقنيات الآثار الجديدة، وقاموا باعادة تشكيل المعلومات العامة عن تلك الحضارة القديمة. وهذا الكتاب يضم مقالات كتبها عشرة من خبراء علم المصريات الامريكيين البارزين، يتعقبون فيها الاكتشافات البارزة والجهود البحثية التي قام بها علماء امريكا الشمالية ومعاهدها البارزة. وفي حين ان البعثات الأثرية الامريكية كشفت العديد من المواقع الأثرية المهمة واستخرجت الكثير من الآثار التي تشكل الآن أهم معروضات العديد من المعارض الا ان اهم الاسهامات الامريكية البارزة في علم المصريات تأتي في مجال دراسة النقوش ونسخ النصوص الهيروغليفية. وقد أدت الظروف البيئية الحديثة الى تدهور الآثار المصرية القديمة وسوء حالها، وساهمت جهود علماء النقوش في توثيقها وحفظها من الضياع. في نهاية الحرب الأهلية الامريكية، قام خديوي مصر بتعيين تشارلز ستون لتدريب الجنود المصريين وتطوير الحصون الساحلية وقد عاش ستون في مصر وعمل فيها لمدة 13 عاماً، وعندما عاد الى الولايات المتحدة عام 1883 للاشراف على انشاء مبنى تمثال الحرية وعندما واجه البناء الحاجة الى اموال اضافية تطوع بشن حملة لجمع الاموال، وذلك في جميع ارجاء الولايات الامريكية، قام خلالها بالقاء محاضرات عديدة. ولم تكن تلك المحاضرات حول تمثال الحرية، ولكنها كانت تنصب حول مصر، وخاصة حول أصول شعبها وثقافته القديمة. ولم يكن اختياره لهذا الموضوع عشوائياً، فقد كان يعلم مسبقاً مدى اهتمام جمهوره ومستمعيه به، حيث كانت مصر القديمة موضوعاً شيقاً وشهيراً في الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر، وكان الامريكيون على استعداد لأن يدفعوا الكثير مقابل حضور تلك المحاضرات. كانت التماثيل المصرية التي تتميز بالشموخ والكبرياء ـ على عكس النماذج الامريكية ـ قد لاقت اعجاب الشعب الامريكي كله وبحلول عام 1823 كانت المتاحف الامريكية تعرض بانتظام المشغولات اليدوية المصرية، وقد اثرت هذه المشغولات في الفن والهندسة المعمارية الامريكية، بل وفي التصميمات والديكورات الداخلية للبيوت، بل ان تمثال الحرية بمعنى من المعاني يبدو وكأنه لشخص مصري، رومانسي بالملابس ذاتها والوقفة عينها. واذا كان قد قدر لمصر القديمة ان تلقى اعجاب الامريكيين فإن ذلك لم يأت بسبب اعجابهم بآثارها فقد رأى الامريكيون تشابها كبيراً بين مفهوم الحضارة المصرية وحضارة سكان امريكا الاصليين. وصف مصر بالأمريكاني كانت الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر تهتم اهتماماً كبيراً بالاصول والاعراق والحضارات والافكار وهذه الاهتمامات اثرت بصورة كبيرة في بعض الحركات الدينية المبكرة في الولايات المتحدة. أطلق العديد من الكتاب في القرن التاسع عشر لقب «نيل امريكا» على نهر المسيسيبي وخلال القرن التاسع عشر وبطول نهر المسيسيبي كانت هناك العديد من المدن تحمل اسماء مثل ممفيس والقاهرة، والكرنك، وانطلاقاً من «النيل الامريكي» هذا ساد الاعتقاد بأن المهاجرين المصريين انشأوا دولاً هندية عديدة في الامريكيتين. والاعتقاد السائد بأن هنود العالم الجديد ينحدرون من اصول مصرية اثار سؤالاً حتمياً: الى اي عرق ينتمي قدماء المصريين والهنود الامريكيين؟ ظهر أول اختبار جاد لهذا السؤال العرقي في اربعينيات القرن التاسع عشر حين عاد جورج جليدون الذي شغل منصب نائب القنصل الامريكي في مصر الى بلاده، في اوائل اربعينيات القرن التاسع عشر وألقى سلسلة من المحاضرات، نشرت فيما بعد، اكد فيها ان المصريين ينحدرون من اصل قوقازي ويعتقد الطبيب صمويل جورج مورتون ذلك ايضاً. ولم يستطع علماء الآثار قبل نهاية القرن التاسع عشر كشف أسرار العصر الحجري الحديث الذي تشكلت فيه الحضارة المصرية العملاقة. وكان اول واهم عالم آثار امريكي عمل في مصر في تلك الفترة هو جورج اندرو ريزنر (1867-1942) حيث قاد عدة بعثات اثرية الى مصر، وقضى فيها مواسم عديدة في مقابر ما قبل التاريخ في نجع الدير وغيرها من المناطق تم خلالها اكتشاف الآلاف من القطع الأثرية ذهبت جميعها الى ما سمي فيما بعد بمتحف روبرت لوي لعلم الانسان في بيركلي بولاية كاليفورنيا. وتعد هذه القطع اضخم مجموعة أثرية مصرية تعود الى ما قبل التاريخ موجودة خارج مصر كذلك سجل ريزنر عدداً من المواقع التي تنتمي الى ما قبل التاريخ خلال رئاسته لعملية المسح الأثري للنوبة في الفترة من 1906 الى 1910. ازدهر العمل في التنقيب عن آثار مصر ما قبل التاريخ بعد عام 1960 عندما قامت منظمة «اليونسكو» بحملة لانقاذ آثار النوبة شملت تدريب علماء الآثار على انقاذ التماثيل والآثار من الفيضان وجاءت الى مصر في هذا الاطار عدة بعثات مدربة تدريباً جيداً. وقد كشفت هذه البعثات حضارات عديدة على ضفاف النيل، واهم تلك الاكتشافات كان من نصيب جامعة شيكاغو، التي اثبتت وجود حضارة متطورة بطول نهر النيل. وكانت هناك حوالي 6 بعثات اثرية امريكية على الأقل تعمل في مواقع العصر الحجري الجديد في مصر، وفي عام 1988 تم تنظيم معرض بعنوان «المصريون الاوائل» طاف جميع ارجاء الولايات المتحدة الامريكية، ولاقى نجاحاً منقطع النظير ويؤكد هذا النجاح ان الاهتمام الامريكي الكبير بمصر ما قبل التاريخ لا يزال على ما كان عليه قبل 130 عاماً. ابرة كليوباترة تعرضت الاهرام المدرجة للمملكة المصرية القديمة ـ او ما يطلق عليها اسم عصر الهرم من حوالي 2649 الى 2134 قبل الميلاد للانهيار خلال الاوقات العصيبة، وتم استخدام احجار اهرام مدرجة مثل مقبرة هرم تيتي في سقارة، على سبيل المثال، في بناء المقابر المجاورة وكانت اول محاولة جادة لتسجيل الآثار الرئيسية لوادي نهر النيل هي تلك التي قام بها المهندسون الفرنسيون في اطار حملة نابليون بونابارت الى مصر عام 1798. في عام 1828 زارت مصر بعثة فرنسية ـ ايطالية مشتركة برئاسة شامبليون وصديقه وتلميذه الايطالي روسيليني وقام اعضاء البعثة برسم ونسخ وكتابة ملاحظات في جميع انحاء مصر، ابتداء بالاسكندرية وحتى الشلال الثاني. وقد ظهرت نتائج جهود هذه البعثة في مجلدين كبيرين، الاول بعنوان «آثار شامبليون» والثاني بعنوان «آثار روسيليني». وفي حين ان مقابر سقارة ظلت مخزوناً للمكتشفين الاثريين الاوروبيين او لعلماء الآثار المصريين فإن علماء الآثار الامريكيين لعبوا دوراً متعاظماً في عدم تهاوي الاهرام المدرجة المحيطة بأهرامات الجيزة. وفي الواقع فان الحفر المنظم وتسجيل المقبرة الكبرى في الجيزة بدأ بموجب الامتياز الذي حصلت عليه بعثة امريكية وبعثتان اوروبيتان عام 1902. ففي هذا العام قام المندوب السامي البريطاني في مصر اللورد كرومر بممارسة ضغوطه الدبلوماسية، واجبر جاستون ماسبيرو الذي كان يشغل منصب المدير العام لمصلحة الآثار المصرية آنذاك على ان يمنح امتيازاً الى بالارد، عضو البرلمان البريطاني. ويرى ريزنر ان بعثة بالارد كانت عملية نهب مجردة فهذه البعثة فتحت الجيزة امام اصحاب امتياز اجانب آخرين وطلبت ثلاث بعثات اجنبية حقوق امتياز وحصلت عليها للقيام بأعمال حفر في الجيزة. كان احد اعضاء بعثة هارفارد هو جوزيف ليندون سميث (1863-1950) وهو فنان امريكي، برع في رسم النقوش والتماثيل والصور ثلاثية الأبعاد. وبدءاً من عام 1910 رسم سميث بالزيت الكثير والكثير من الصور والنقوش في الجيزة، بموجب الامتياز اخيراً أصبح امين القسم المصري لمتحف الفنون الجميلة في بوسطن. أسرار ترى النور ساهم العلماء الامريكيون في توسيع نطاق معلوماتنا عن مصر القديمة ليس فقط عن طريق الاكتشافات الاثرية ولكن ايضاً عن طريق استعادة نصوصها عن طريق النقوش. وقد اتسعت اسهامات الامريكيين في مجال النقوش من النسخ والحفظ لنصوصها الى ترجمة هذه النصوص وتفسيرها ونشرها، هذا النوع من الدراسة يصنف تحت اسم «فقه اللغة التاريخي المقارن». وقد استخدم علماء المصريات هذا التعبير وأوضحوا ان مفهومه يدور حول «محاولة فهم كل جوانب اي نص قديم كلماته وعباراته وكيفية كتابته وكيف توافقت مع ثقافة وتاريخ عصره». وجاءت أول دراسة منشورة لامريكي لبحث احد هذه الجوانب عام 1887 بعنوان «لغة المصريين القدماء وتسجيلاتها الاثرية» ومؤلفها هو تشارلز مولدنيك (1860-1935) وله كتاب شهير بعنوان «ابرة كليوباترا» وعلى الرغم من ان عنوان الكتاب ينتمي الى فقه اللغة المقارن الا انه يعد مسحاً مهماً للمجموعات الاثرية المصرية الموجودة في الولايات المتحدة. والاسهامات الامريكية المستمرة في كشف نصوص الدولة الوسطى يمكن تلخيصها بدقة في كلمات محددة على لسان أول عالم مصريات امريكي بالمعنى الصحيح وهو جيمس هنري بريستيد الذي قال: «لم يكن من المتصور ان اقوم بدراسة اللغات القديمة كهدف في حد ذاته فقد كانت وسيلة لمعرفة مضمون ومغزى حياة بشرية قديمة بالنسبة لنا اليوم انها حياة بشر قدماء احاول ان اصورهم لرجال اليوم لأنني على ثقة بأن ذلك سوف يثري حياتنا». وتعد الدولة الحديثة (1550-1070 قبل الميلاد) احدى الفترات المهمة في التاريخ المصري بما شهدته من احداث معينة محفوظة جيداً مثل تكوين الامبراطورية والثقافة العامة. وكانت الاسر الثامنة عشرة والتاسعة عشرة والعشرون قد خضعت للدراسات المطولة من جانب علماء المصريات ومن اشهر حكام تلك الفترة اخناتون وتوت عنخ امون ورمسيس الثاني. وكانت الدولة الحديثة تضم اسراً ممتدة الحكم وذلك بسبب كفاءة حكامها وكون فراعنة تلك الفترة استطاعوا اقامة امبراطورية كبرى، امتدت الى كنعان وشمال ووسط النوبة، وكذلك اقامة شبكة ضخمة من الاتصالات والعلاقات الدبلوماسية والتجارية، امتدت الى بحر ايجه والاناضول والشرق الادنى وجنوب النوبة وليبيا. ومن الناحية السياسية والاجتماعية، فإن المملكة المصرية كانت تسيطر على ثروات ضخمة بددتها في اقامة المعابد الضخمة والقصور المترفة وكان المجتمع المصري القديم على الرغم من اتسامه بالانقسام الحاد بين الصفوة الغنية وبقية افراد الشعب مزدهراً اقتصادياً وينقسم الى عدة طبقات اقتصادية اجتماعية. الآثار الباقية من هذه الفترة موجودة في جميع انحاء مصر ومن بينها معابد طيبة والمواقع الجنوبية مثل ابيدوس وابو سنبل. كان الدير البحري احد اهم مناطق الامتياز العديدة في صعيد مصر وكانت شخصيته البارزة وراء هذا العمل هو هيربرت وينلوك الذي كتب عنه جون ويلسون: «هناك اشخاص قلائل استطاعوا اعادة مصر القديمة الى الحياة وكأننا نعيش فيها من خلال التقارير التي كتبوها عنها». ويتكون الدير البحري من خليج عميق على جانبي نهر النيل اكتسب اهمية في اواخر الاسرة الحادية عشرة عندما قام امنحوتب الفرعون الذي حرر مصر بعد فترة من التفكك والحرب الاهلية والخضوع المؤقت للغزاة ببناء مقبرة تذكارية مبتكرة وفريدة من نوعها هناك والكثير من المسئولين في عهده وأسرهم دفنوا في مقابر صخرية في الدير البحري. وفي القرن الخامس عشر قبل الميلاد أنشأت حتشبسوت وهي احد ملكتين وصلتا الى سدة العرش في الدولة الحديثة أنشأت معبدها التذكاري الخاص بالقرب من معبد امنحوتب على النمط والطراز نفسه المكون من ساحة كبيرة ثم معبدا علويا مقاما على عدة اعمدة مرتفعة ارتفاعاً شاهقاً، وقام تحتمس الثالث باغلاق هذا المعبد، الذي اقام بدلاً منه معبداً خاصاً له. واجمالاً فإن معبد حتشبسوت غطى مساحة كبيرة (حوالي هكتارين) وقامت بعثة امريكية برئاسة وينلوك ورفاقه بالتنقيب في هذا المعبد والبحث عن آثار بداخله. وفي طيبة بصعيد مصر، كما هو معروف، يوجد معبد رمسيس الثالث في مدينة جابو محفوظاً بطريقة جيدة من بين العديد من المعابد التي كانت ممتدة بطول الصحراء الواطئة والمنحدرات التي يقع خلفها وادي الملوك. وعلى مقربة منه توجد بقايا معبد رمسيس الثاني لكنها تظل شامخة تكسوها لمسات رومانسية حالمة لكن مدينة حابو لا تزال تعطيك انطباعاً مؤثراً عما كانت عليه تلك المعابد عند انشائها. واليوم فإن الزائرين لمدينة حابو يستطيعون الرجوع الى الكتب الاسترشادية والخرائط الخاصة بالمعبد وما يحيط به من ملحقات، والتي تقع جميعها على مساحة ستة هكتارات. النقوش ـ عكس الآثار ـ يصعب ادراكها بحد ذاتها من حيث العظمة او الرومانسية، لكنها مثل الاثار ليست هدفاً في حد ذاته، لكنها مهمة من حيث جمع المعلومات الاساسية والمهمة للبحث في الكثير من جوانب الحضارة المصرية القديمة، مثل دراسة الرسومات والفنون والتاريخ والدين والمجتمع. والآثار الأصلية تتعرض لخطر الدمار، واذا حدث ذلك قبل نسخها، فإن معالمها تضيع الى الأبد، وهنا تكمن اهمية النقوش. ويعد التسجيل الجيد للنقوش لأي اثر وسيلة مهمة للحفاظ عليه فهي تتضمن اكثر من الوقوف امام حائط ورسم ما يراه الانسان بطريقة آلية وعفوية. فالنقوش علم وابداع الى جانب كونه علما تقنياً هادفاً، والنقاش او عالم النقش يوظف كل ملكاته وبصيرته التي اكتسبها بالخبرة، ولكي ينتج نسخة طبق الاصل لأي اثر يتعين عليه ان يفهم النصوص والصور. وقد شهد عام 1865 ميلاد اثنين من علماء النقوش الامريكيين هما جيمس هنري بريستيد ونورمان دي جاري ديفيز حيث قاما ببعثة الى النوبة عامي 1906 و1907 وتركزت جهودهما حول طيبة القديمة وقام بريستيد بمسح للنقوش عام 1924. اما البريطاني ديفيز فقد سلك طريقاً آخر، حيث انضم الى بعثة آثار مصرية لمتحف متروبوليتان للآثار عام 1907 حيث اصدر 12 مجلداً تدور جميعها حول المسح الأثري. الاهتمام بالنوبة جميع علماء الآثار ابدوا اهتماماً كبيراً بالنوبة حتى بداية القرن العشرين، ولكن مع تعلية خزان اسوان اصبحت النوبة مركزاً لاهتمام علمي غير مسبوق فمع الادراك بأن المواقع الاثرية يمكن ان يلحقها الدمار فإن مصلحة الآثار المصرية قامت بتعيين عالم الآثار الامريكي الشاب جورج اندرو ريزنر لدراسة المنطقة التي ستكون عرضة للغرق بسبب الفيضان الناجم عن السد الجديد ولم يكن امام المصلحة خيار آخر. بدأ المسح الاثري للنوبة في سبتمبر 1907 عن طريق ريزنر وبمساعدة من بعض علماء الآثار البريطانيين الذين تنقلوا من موقع الى آخر واقاموا في مناطق قاحلة انشأوا فيها مخيمات وكان الهدف من ذلك هو ترميم الآثار واحياء تاريخ تلك المنطقة. وادت تعلية خزان أسوان الى اجراء مسح آخر للنوبة خلال الفترة من 1929 الى 1934 لكن توقف الامريكيين عن العمل في المنطقة بعد انشاء السد العالي في الستينيات. وكان المسح اكبر من قدرات الحكومتين المصرية والسودانية لذلك ناشدتا اليونسكو للقيام بحملة عالمية لانقاذ آثار النوبة التي قد تتعرض للغرق وجاءت اكثر من 40 بعثة اثار من جميع انحاء العالم للبدء في هذه الحملة التي ترتب عليها انقاذ العديد من آثار النوبة المهمة.