بيان 2: في الايام المشمسة، شديدة السخونة، تصل حرارة السطح في الصحراء الكبرى الى 70 درجة مئوية. الهواء اللافح يجعل التنفس امراً صعباً للغاية، والرمال حارة جداً حتى انها يمكن ان تسبب الحروق اذا لمست بالجلد العاري. وفي هذه البيئة القاسية، فإن معظم الحيوانات وكذلك الانسان يموتون خلال دقائق معدودات، لان جميع انواع الكائنات ذوات الدم الحار تسقط فريسة للجفاف والصدمة الحرارية. وحتى الجمال المتكيفة مع درجات الحرارة العالية، قد تجد صعوبة بالغة في تحمل مثل هذه الظروف، لكن انظر عن كثب الى سطح هذه الصحراء وسترى ثقوباً بالغة الصغر في الرمال. وعندما تكون الشمس في اوجها تبزغ من هذه الثقوب، اخشن واقوى حشرات على وجه الخليقة لتلتمس الطعام في المحيط الملتهب من شدة الحرارة، عادة لمدة لا تتجاوز بضعة دقائق. وحالما تبدأ درجة حرارة الصحراء بالهبوط، يكفي درجة او درجتان ـ تعود تلك الحشرات الى اعشاشها بانتظار فترة ذروة الحرارة في اليوم التالي. هذه مملكة نمل الصحراء الفضي (كتاجليفيس بومبسينا) الذي يعتبر من اكثر مخلوقات الارض قدرة على احتمال الظروف القاسية. واكثر من ذلك ان النملة الفضية تزدهر ايجابياً في هذه الصحراء الرهيبة مستخدمة الحرارة المفرطة كوسيلة دفاعية ضد الكائنات المفترسة الاقل تحملاً. وللقيام بذلك، طورت النملة نمط حياة صارم، يتميز بفترات طويلة من السكون كل يوم يتبعها سعي مسعور للحصول على الطعام عندما تصل درجات الحرارة الى ذروتها، حيث تعرض الحشرة نفسها بذلك الى خطر الاصابة بصدمة حرارية او حتى الموت في كل مرّة تغادر فيها عشها، مصادر غذاء النمل الفضي هي الحشرات التي تؤذيها او تقتلها الحرارة ـ كالعناكب وام اربع واربعين، وحشرات اخرى لم تصل الى ملاذها في الوقت المناسب فنفقت على الفور او راحت تنازع سكرات الموت تحت اشعة الشمس الحارقة. ولجمع الطعام، ينبثق النمل من اعشاشه فقط عندما تصبح الحرارة غير محتملة بالنسبة لمعظم بقية الحيوانات. وحالما يخرج النمل الى السطح يندفع بحشود كبيرة متجولاً لفترة تتراوح بين 8 و 10 دقائق بحثاً عن بقايا ضحايا الصدمات الحرارية. وحالما ترتفع الحرارة الى حد غير محتمل حتى بالنسبة لها، يعود النمل مسرعاً الى الاعشاش ساحباً معه ما تيسر له من طعام. وعندما تنخفض الحرارة لاحقاً، تتكرر العملية مرة اخرى لتنتهي بذلك فترة النشاط لليوم كله. حياة رهيبة انها حياة رهيبة تثير الاعصاب، لكنها ايضاً مثال رائع على قدرة الكائنات على التكيف مع محيطها تحت وطأة الضغوط النشوئية حتى تستطيع البقاء والازدهار في بيئات شديدة القساوة. والحرارة الداخلية لنملة الصحراء الفضية تبلغ 50 درجة مئوية، اي انها تداني الحد الاقصى الممكن لأي كائن معقد نشط. ففوق هذا الحد فإن العمليات البيوكيماوية التي تجعل الحياة ممكنة تبدأ بالانهيار. التنفس يصبح صعباً ولا يعود بالامكان نقل الاكسجين الى انحاء الجسم بفعالية، كما ان الدماغ والجهاز العصبي يبدآن ايضاً بالانحلال. تعتمد الجراثيم على عمليات حيوية ابسط، لذلك فإن بعض انواعها يمكن ان يحتفظ بقوته في حرارة تصل الى 100 درجة مئوية لكن بالنسبة للحشرات واشكال الحياة المتحركة الاخرى، لا يمكن تخطي حاجز 50 درجة مئوية. اذن كيف يستطيع النمل تحمل حرارة الى 65 درجة مئوية واكثر؟ لجعل الحياة ممكنة، وان كانت غير سارة، يعتمد النمل الصحراوي على بعض التكيفات النشوئية البارعة، ابسطها الارجل الطويلة والاقدام الصغيرة، مما يتيح لها ان تتخطى السطح وتقلص مساحة تماسها المباشر مع الرمل او الصخر اللاذع. وعلى ارتفاع بضعة مليمترات عن التربة، تكون الحرارة اقل بستّ درجات او سبع. لذلك فان الارجل الطويلة ترفع جسم النملة فوق مستوى الارض مقللة من كمية الحرارة الملتقطة في التربة. وتتحرك النملة الصحراوية بسرعة لتبرد نفسها بالهواء رغم سخونته ولتتفادى الحيوانات المفترسة، وتصل سرعتها الى متر واحد بالثانية اى حوالي نصف سرعة الانسان الراجل، وهي سرعة خارقة اذا اخذنا بعين الاعتبار صغر ارجل النملة بالمقارنة مع ارجل الحيوانات الاخرى. ولذلك يمكن وصف النملة الصحراوية بأنها «حصان سباق في عالم الحشرات» على حد تعبير البروفيسور روديجر فيرنز من معهد علم الحيوان في جامعة زيوريخ. استراحات منتظمة واخيراً فإن النمل يأخذ استراحات منتظمة من الحرارة، اذ يتحول عن طريقه المباشر عندما تصبح الحرارة غير محتملة ليلوذ الى اقرب نبتة صحراوية مورقة ويتسلق ساقها ليستحم بالهواء الابرد نسبياً بعيداً عن سطح الصحراء. وقد اكتشف فيرنر وزملاؤه مؤخراً طريقة رابعة يستخدمها النمل لاتقاء الحر الشديد، حيث يقول فيرنر: «في الظروف الجوية القاسية جداً، تطرح النملة قطرة ماء لتبقي رأسها ابرد من بقية اجزاء جسمها، ومع ان هذا التبريد التبخيري ليس فعالاً جداً، ولكنه يمكن يساعد في حالات الطوارئ. ولا مجال للخطأ بالنسبة للنملة الصحراوية، التي اذا تباطأت سرعتها او ضلّت طريقها او لم تعثر على نبات مناسب ستصاب بغيبوبة حرارية يعقبها موت مؤكد. ويبدو ان النمل يستخدم استقطاب الضوء كأساس لحساب زوايا اتجاهات حركته، لكي لا يضل طريق العودة الى العش. فخلال الفترة القصيرة التي ينشط فيها النمل تبقى زاوية الاستقطاب ثابتة تقريباً. وعندما اختبرت مجموعة من النمل الصحراوي في بيئة تتغير فيها زاوية الضوء، اقترف اخطاء في الاتجاهات توحي بانه يعتمد على الاستقطاب في التعرف على طريق عودته الى العش. وعلى الرغم من صغر حجم ادمغتها فإن النمل يبدو قادراً على بناء خارطة صالحة للاستعمال للمنطقة المحيطة بعشّه. ومالم تتغير بيئة الصحراء الكبرى بصورة عنيفة، فإن نجاح النمل الصحراوي الفضي يبدو مضموناً. وهو يذكرنا بأن الحياة يمكن ان تتشبث حتى بأقسى الاماكن وفي اشد الظروف وطأة عليها. ففي مكان يشتوي فيه الانسان حتى الموت، استطاعت حشرة صغيرة ان تطور لنفسها نمطاً فريداً للحياة. انه امر يذكرنا ايضاً، انه رغم كل التكنولوجيا الحديثة التي امتلكناها، فعندما يتعلق الامر بالابتكار والتجديد، فإن الطبيعة اثبتت كفاءتها قبلنا بملايين واحياناً مليارات السنين.