بيان 2: عندما طلب منظمو معرض النحت الاسترالي الخامس في ملبورن من الفنان التمثيلي ستيلير ان يتقدم باقتراح لفكرة عمل فني خاصة بموقع الحدث ابتدع موقعاً لا يخطر على بال احد لوضع العمل ألا وهو معدته. صام ستيلير عن الطعام والشراب لمدة ثماني ساعات ثم ابتلع كبسولة طولها 5 سم وقطرها 15 مم مصنوعة من التيتانيوم والفولاذ والفضة والذهب. كانت الكبسولة متصلة بسلك مربوط مع جهاز تحكم خارج الجسم، وحالما استقرت الكبسولة في معدته انفتحت واتخذت ابعادها الكاملة التي تبلغ 7 X 5 سم وبدأت تطلق صوت صغير متقطع وتصدر ومضات من الضوء. ولقد اصبح ستيلير بهذا مثالاً حياً على تداخل التكنولوجيا بحياتنا والتصاقها بجلودنا وغوصها حتى تحت جلودنا فالباحثون في اوروبا وامريكيا واليابان يقومون الآن فعلاً بزرع اقطاب كهربائية في اجسام المرضى لاستعادة ابصارهم وعلاج الاضطرابات الدماغية ومساعدة ضحايا الشلل في استعادة وظائفهم الحركية في حين يعكف المهندسون على تطوير اجزاء صناعية هجينة للجسم كالكواحل والارجل والركب تندمج فيها وظائف السليكون مع الانسجة الحية. ويمكن القول ان الكمبيوترات بدأت تغادر مكانها النمطي على طاولات المكاتب شاقة طريقها الى اجسامنا. وما قام به ستيلير من منطق الابداع الفني التجديدي، يقوم به بريان هولجرسون، وهو شاب دنماركي مشلول في الثلاثين من عمره بدافع الضرورة الطبية. فلقد اصبحت التكنولوجيا جزءاً اساسياً من جسده. قبل ثمانية اعوام كسر هولجرسون عنقه في حادث رهيب على دراجته النارية اصيب على اثره بشلل كامل تحت العنق باستثناء بعض الحركات الثانوية في كتفه الايسر ويده اليسرى. وخضع الشاب لعملية جراحية تجريبية لزراعة عضو عصبي تعويضي عبارة عن سطح بيني مشترك بين جهاز الكتروني من جهة والجهاز العصبي البشري من الجهة الاخرى، للالتفاف حول الاجزاء المتضررة من الحبل الشوكي ولاستعادة شيء من القدرة على الحركة الى اطرافه. ينجم الشلل عن اصابات العنق والحبل الشوكي الذي يحيط به العمود الفقري لان حركة الاشارات العصبية بين الدماغ والعضلات تنقطع او تواجه طريقاً مسدوداً اذ ان تأذي النخاع الشوكي يقطع وفق المعلومات المتنقل عبر اعصاب الدخل التي ترسل الاشارات في الجسم الى الدماغ واعصاب الخرج التي تحمل التعليمات من الدماغ الى الجهاز العضلي. لكن في حالات عديدة من الشلل تبقى الاعصاب الحسية والحركية تحت مستوى الاصابة سليمة وقادرة على العمل مجدداً. ولاستعادة قدرة ذراعه البشري على القيام بالوظائف الاساسية يستخدم هولجرسون نظام فريهاند وهو عبارة عن جهاز يعيد له القدر على امساك الاشياء بيده وخلال العملية التي استغرقت سبع ساعات قام الجراحون في مستشفى الدانمارك الوطني باجراء شقوق في الجزء الاعلى من ذراعه البشري وابطه وصدره، ثم وصلوا ثمانية اقطاب كهربائية مرنة كل منها بحجم قطعة نقدية معدنية، مع العضلات التي تتحكم بالامساك في يده وذراعه. اسلاك دقيقة وتم بعد ذلك وصل هذه الاقطاب بواسطة اسلاك دقيقة للغاية بجهاز تنبيه للجهاز العصبي مزروع في الصدر وربط جهاز التنبيه بدوره بوحدة استشعار موضعية موصولة بكتف هولجرسون الايمن الذي يستطيع تحريكه الى حد ما. وعندما يريد هولجرسون امساك كأس يحرك كتفه الايمن الى الاعلى.. وهذه الحركة ترسل اشارة كهربائية من المجس الموضعي الذي يرتدي تحت الملابس الى جهاز التنبيه في صدره والذي يقوم بتضخيم الاشارة وتمريرها الى العضلات المناسبة في ذراعه ويده. واستجابة لهذه الاشارة تتقلص العضلات فتنقبض يده اليسرى وعندما يريد ان يفلت الكأس يحرك كتفه الايمن الى الاسفل قليلا فتنفتح يده اليسرى. ويقول هولجرسون عن الجهاز الذي غير حياته: انتابني احساس غريب جداً عندما استخدمته لاول مرة، احرك كتفي الايمن فأرى يدى اليسرى تفتح تلقائيا.. لكنني سرعان ما تعودت عليه والآن تبدو الامور طبيعية، حتى انني لا افكر بالجهاز لقد اصبح جزءاً مني وجعلني اتمتع بقدر اكبر من الاستقلالية. وبفضل نظام فريهاند يستطيع هولجرسون الآن ان يمسك بكوب وان يحمل شوكة وان يمسك بقلم هي اعمال لم يكن يستطيع القيام بها سابقا. وفي مختبر بالطابق الثاني من مبنى جامعة لوفين في بروكسل يتجسد مظهر آخر من مظاهر مستقبل تزاوج التكنولوجيا مع الانسان. وهناك تعرض على ناظري امرأة بلجيكية تدعى ماري في الثالثة والستين من عمرها نقاط زرق وحمر وصفر مرتبة في صفوف صغيرة متقنة تشبه وحدات البناء في لعبة الليجو انها مشهد عادي جداً، لكن ماري مسحورة به.. لانها كفيفة. الرؤية مجدداً تستطيع ماري ان ترى مرة اخرى الآن بفضل قطب كهربائي مزروع حول عصبها البصري الايمن والقطب موصول بجهاز تنبيه مركب في انخفاض صغير محفور داخل جمجمتها. تقوم كاميرا فيديو مثبتة في قبعة ترتديها المرأة ببث الصور على هيئة اشارات لاسلكية الى جهاز التنبيه الذي يحول هذه الاشارات الى نبضات كهربائية ويرسلها عبر العصب البصري الذي يقوم بدوره بنقل النبضات الى المركز البصري في دماغ ماري حيث يتم اعادة تجميع النقاط الملونة في هيئة معينة. وتقول ماري: اصبح الجهاز الآن جزءاً لا يتجزأ من جسمي، ولم اعد احس بأنه جسم غريب او دخيل، وماري ليست سوى واحدة من 12 شخصاً في العالم تلقوا زراعات بصرية قد تعيد لهم ابصارهم. نوربرت فينر احد رواد الكمبيوتر البارزين قال ذات مرة: اعطوا الانسان ما للانسان واعطوا الكمبيوتر ما للكمبيوتر. لكن اليوم، كما تظهر تجارب ستيلير وماري يبدو انه من الصعب الفصل بين الآمرين. علي محمد