بيان 2: يستقبلونك بالبخور و«الجبَنَة».. وحين تدخل ترى التاريخ والجغرافيا والانسان وهم يفتحون أذرعتهم ليعانقوك بالدهشة المندفعة الى قلب البصر والذاكرة، تنظر اليك الاشياء وكأنها تعاتبك على الجهل أو التجاهل الذي يمسك بتلابيبت الكثيرين، من ابناء الوطن العربي تجاه بلد مثل السودان، هذا البلد المتشح بحواديت حضارية دافئة تضاهيها فقط سمرة أبنائه.. شيء ما ينتابك، لكأنه المدى حين يطرق أبواب الحلم القادم على صهوة الماضي العتيق، ما أروع ان يسطو عليك الجمال والابداع والأشرعة التي ترفرف في عيون ابناء النيل.. لست أدري، أي سحر هذا، يصوغك، وأنت في حضرة البساطة الموحية، ومعية الجذور المطلة بكبرياء متواضع، إذ تزيد من خجلك الساذج، وسؤالك المهزوم: «أين كان هذا الجمال؟».. لتزرعك في دائرة الصمت الرصين، وكأنك في محراب العشق والوله. حين تقف أمام الاشياء المعروضة، ترى نفسك على مرمى غيمة تكتظ بهذا التاريخ المجلجل بتنويعات حضارية تدك تفاهة الحاضر باسمنته، ورخامه الزلق، وسفاهة الانسان الهارب من تاريخه.. كل ذلك وغيره لمسته أثناء اثناء تجوالي في المعرض المقام بباحة النادي العربي الثقافي بالشارقة بمناسبة يوم استقلال السودان عبر جهد منظم لأبناء الجالية السودانية من طلبة جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا. ورغم ضيق المكان، الا ان الثراء الذي يكتنف تاريخ وعراقة هذا البلد، وزهور القرنفل التي تمرح فوق ابتسامات وبحبوحة أحفاد النيل، حوّلا المكان الى قلب مؤمن يتسع لآلاف البشر.. تقتحمك حالة من اخضرار الروح وسكون الجسد، عبر أضواء خافتة أضفت على المكان وجبة دسمة من الجلال والوقار ورزانة البوح، والشجن السحيق.. ترى أبناء النيل وقد وقف بعضهم، كل منهم، أمام ركنه الخاص به وكأنهم حراس حضارة وتاريخ، مسلحون بثقافة غزيرة تغار على أرضها، وروح مبذولة من أجل الزائرين.. كل هذا بينما الموسيقى تصدح في المكان، والأغاني التراثية تحفك بقداس نهري يهطل عليك بولائم الفرح والغبطة، إذ تقودك الى دهاليز الروح السودانية المعتّقة في رحم التاريخ. لست أدري أية عبقرية خططت لهذا المعرض حتى يكون على شكل مليء بالدلالات الثرية؟.. وتلك رحلة في حد ذاتها. فلقد قسم المعرض الى خمسة أقسام، كل منها تمثله قبيلة أو قبيلتان، عدا ركن الخرطوم. يبدأ الأول منها بـ «بوابة شرق السودان» حيث كان الشرق عبر البحر الأحمر وسيلة الاتصال التجاري والوحيدة مع الدول المجاورة، وذلك عن طريق مدينة «سواكن» التي يروى عنها انها اشتقت اسمها من كلمة «السواجن» وهي المدينة التي يعتقد ان النبي سليمان كان يسجن فيها الانس والجان اذا ما ارتكبوا أية أخطاء. ويمثل هذا القسم قبيلتا الرشايدة والزبيدية، وهما اشارتان الى هارون الرشيد وزوجته زبيدة، حيث تطلق الأولى على الرجال. والقسم الثاني يخص مدينة الخرطوم حيث يحتوي على وثائق وصور تتعلق بأهم معالمها مثل متحف السودان القومي، وملتقى النيلين الذي يسمى بالعامية «المقرن»، اضافة الى مسجد النيلين، وقبة المهدي، وسوق الأعمال اليدوية وصور لذكرى الاستقلال. أما القسم الثالث فهو عن منطقة الشمال حيث حضارة «مروي»، وتوجد بعض الرسومات والكلمات الهيروغليفية التي تماثل الى حد كبير الآثار الفرعونية، وتقول بعض الروايات انها أقدم من الحضارة المصرية. ويعتبر «معبد الأسد» أحد هذه الآثار وهو معروض على هيئة مجسم صغير. ويأتي القسم الرابع عن منطقة غرب السودان وتمثله قبيلة «البقارة» وهي مشتقة من طبيعة المكان حيث تنتشر الابقار ورعاتها. والطريف في طقوس وعادات هذه القبيلة انها تقوم في الليالي المقمرة برقصة تسمى «المسيرية»، حيث يتزين الراقصون والراقصات بشكل النعامة. كذلك يضم هذا القسم الكثير من الأعشاب الطبية والعطورات والبخور والمحاصيل الزراعية والبهارات. ويوجد ايضا ركن للحناء السودانية حيث ترى الفتيات من مختلف الجنسيات وهن يتزاحمن لوضع النقوش السودانية داخل بيت (الجالوص) وهو عبارة عن حيطان طينية وسقف من البوص والخيزران. الطريف ان حناء الايدي تكون من نصيب الفتيات غير المتزوجات، أما حناء الأيدي والاقدام للمتزوجات فقط. ويفصل بين غرب السودان وجنوبه سوق شعبي يزخر بالمنتجات الجلدية من الثعابين والقرود وبعض الحيوانات. وأخيرا نأتي الى القسم الخامس والأخير وهو عن جنوب السودان، وتمثله قبيلتا النوير والدينكا، ويوجد في هذا الركن «بيت القطية» وهو مصنوع من جدران خشبية وسقف من قش، اضافة الى بعض المنتجات الجلدية التي أثارت دهشة الكثيرين لما تحتويه من أشكال غريبة. ومن عادات هاتين القبيلتين ان الرجل إذا أراد الزواج بفتاة ما عليه إلا احضار طبق من «التمباك» الى بيت أهلها، فتقوم الفتاة بأخذ الطبق الى حجرتها، فإذا وافقت خرجت والطبق بيديها، أما إذا رفضت فإنها تخرج بدون الطبق، فيفهم المتقدم انها غير موافقة، وذلك دون ان تنطق بأية كلمة. ومن ضمن العادات ايضا انه ليس من حق الرجل ان يتزوج بفتاتين من «عائلة واحدة» إلا اذا ماتت الزوجة الأولى. والحد الأدنى لمهر العروس 40 بقرة، ولا يوجد حدود لعدد زوجات الرجل. وأخيرا تبقى جلسة المقهى حيث احتساء القهوة السودانية «الجبَنَة»، والتعطر بالبخور وقفشات السودانيين الظريفة، أما الموسيقى فقد كان المطرب الشاب بهاء الدين سليمان يشدو بالأغاني الأصيلة للمطرب الراحل الكبير مصطفى سيد أحمد الذي يعتبره غالبية الشعب السوداني الممثل الحقيقي للوجدان الشعبي، ذلك الرجل الذي استقبل جثمانه أكثر من سبعة ملايين سوداني. هكذا انتهت جولتنا في رحاب السودان بكل تجلياته التاريخية والانسانية، كانت ليلة من بذخ البهجة، ورقة المكان، وترطيب الوجدان، واستنفار الذاكرة، واستدعاء عظمة التفاصيل.. كانت ليلة حضارية بحق وحقيقة.. وآه يا توأم النهر العظيم!