بيان 2: كان بن كيلهام يتجول في ارجاء الغابة باحثاً عن شيء ما، وفجأة جثا على الارض على اطرافه الاربعة. وعلى الفور، جاء جروان من الدببة السوداء من بين الشجيرات باتجاهه. ولا شك في ان معظم الاشخاص قد يمتلكهم شيء من الخوف في مواجهة ذلك المنظر، لكن هذا الامر لا ينطبق على بن الذي طوّر علاقة مميزة مع الدبين الصغيرين، حيث احنى رأسه وبدأ يمضغ نبتة الخيار الهندي الممددة على ارضية الغابة. وقرب الجروان انفيهما من فمه، وتنشقا الرائحة جيداً، واخذا يبحثان عن النبتة نفسها، ثم بدآ يتناولانها ايضاً. يقول بن: لم يسبق ان تناولا الخيار الهندي فلقد مرا عليها مئة مرة بدون ان يعرفا انها غذاء مناسب ويتعين على احدهم ان يعلمهما اكل هذه النبتة. ونظراً لان هذين الجروين يتيمان، فان ذلك الشخص كان بن. فهو يعمل مع جراء الدببة السوداء اليتيمة والمريضة والمجروحة منذ تسعة اعوام، وطريقته المميزة في إعادة تأهيلها دفعت الناس حول بلدة لايم في نيو هامبشاير الى تسميته بـ «الرجل الدب». يبذل معظم الناس قصارى جهدهم كي يتجنبوا الالتقاء بالدببة، اثناء وجودهم في الغابات. ولكن هذا الامر لا ينطبق على بن. صحيح انه يمشي على رجلين، وله رائحة مختلفة، لكن الجروين «يودا» و«هوديني» يعتبرانه اماً لهما. لقد بدأت علاقتهما به في احد الايام الباردة من مارس العام الماضي. فقد كان جون اوبريان، وهو مراقب احراج محلي، يستطلع تقدم عملية ازالة الاشجار في جبل موسى عندما سمع صوتاً غريباً. وفي وقت لاحق، قال جون واصفاً ما سمعه: «كان شيئاً لم اسمعه في حياتي من قبل، فهو اشبه ما يكون بمزيج بين صوتي الصقر والحيوان الصغير. شققت طريقي الى داخل الاجمة، واقتربت بما فيه الكفاية، فرأيت جروين صغيرين يحتضن احدهما الآخر على حافة حجر. واعتقدت ان من الافضل ان اغادر المكان، لان الام لابد وان تكون بالجوار في مكان ما وينبغي ان تعود». ولكن عندما ازف الليل ولم تعد الام، اتصل جون، القلق من اقتراب البرد الشديد في الليل، ببن ويوضح بن ما شاهده عند قدومه بقوله: «من انعدام الآثار وحالة الجروين، كان من الواضح ان الام لم تكن في الجوار منذ ايام عديدة. وكان عمر الجروين على الارجح تسعة اسابيع، ولكن وزن الواحد منهما لم يكن يتجاوز الاربعة ارطال. ولابد انهما كانا يزنان ما بين ستة الى سبعة ارطال. وكانا يحتضنان احدهما الآخر في محاولة يائسة للحفاظ على الدفء. ولا اعتقد انهما كانا سينجحان في البقاء على قيد الحياة لليلة اخرى. ولم يكن امامنا من خيار سوى اخذهما». حيوانات حنونة وتعتبر الدببة السوداء من الحيوانات الحنونة جداً وليس هناك شيء يجعلها تتخلى عن صغارها سوى التهديد المباشر لحياتها. وهذا ما حصل بالفعل، فقد كان هناك طاقم عمال يقومون بقطع الاشجار التي كسرتها الثلوج، كي لا تشكل مصدراً للحرائق في وقت لاحق من العام، وذلك بالقرب من الجحر الذي يعيش فيه الجروان. وبسبب الثلوج والغطاء النباتي الكثيف، كان من المستحيل رؤية الحجر. ويبدو ان الضجيج الذي تصدره المناشير بالاضافة الى آثار العجلات قد افزعا الام وجعلاها تترك صغيريها. ولم يشاهد العاملون او سمعوا شيئاً ولولا مرور جون بالقرب من الوكر في ذلك النهار لكان الجروان قد تجمدا حتى الموت. ويقول بن: «من المستحيل تحديد عدد جراء الدببة السوداء التي تفقد ابويها في الولايات المتحدة. ففي كل عام يتم العثور على 150 جرواً منها في حوالي 30 ولاية». لف بن الجروين ببطانية، واخذهما الى منزله حيث قام هو وزوجته واخته بتقديم الرعاية لهما. كان الدبان الصغيران يشربان الحليب من رضاعات مخصصة للاطفال، ثم يربضان بارتياح في غرفة نوم اضافية، للحصول على قسط من النوم هما بأمس الحاجة إليه. يطل منزل عائلة كيلهام على المناظر الطبيعية الخضراء الرائعة في وسط لايم، وهو منظر ليس غريباً على اليتيمين الصغيرين. وكان والد بن يدرس علم الاحياء الدقيقة والتاريخ الطبي في كلية دارتماوث القريبة، وقد طورت الاسرة رغبة بمساعدة الحيوانات المجروحة واليتيمة. وعندما عاد بن الى بلدته في عام 1982 بعد فترة غياب عمل فيها مع شركة كولت ومصانع اخرى للسلاح، قام بفتح محل لاصلاح الاسلحة. غير ان خلفية اسرته قادته الى تبني عمليات إعادة تأهيل الحيوانات. فحصل على تصاريح من دائرة الاسماك والطرائد في نيو هامبشاير وعمل مع حيوانات الدلق «من فصيلة ابن عرس» والظربان والنيص والراكون، وفي عام 1992، مع اول دب اسود له، وهو دب مريض عمره سنة اسماه «ووبلي». ان عملية تربية يتامى الدببة السوداء تتسم بالصعوبة، وذلك نظراً لجهل الناس بطبيعة هذا الحيوان، من جهة، ولخوفهم من عواقب تركها تسرح وتمرح قريباً من الانسان. غير ان بن كان له رأي آخر، فبدلاً من حبس هذه الحيوانات في الاقفاص ومنعها من مشاهدة الانسان يمارس حياته المعتادة، فقد قام بن بتشجيع «يودا»، وهي انثى رقيقة، «وهوديني»، وهو ذكر مولع بالهرب، على اللعب معه ومع بعضهما. وسرعان ما اخذ الجروان يعاملان بن كما لو كان امهما الحقيقية، حيث يزحفان الى حجرة من اجل الرضاعة ويلعقان اصابعه واذنيه كعلامة على الامتنان والتودد ويتسلقان على ظهره اثناء اللهو. وتشهد الخدوش على وجه بن ويديه على مدى حدة مخالبهما. لكن البيت ليس بالمكان الملائم للاحتفاظ بدببة كبيرة. فعندما تحسن الطقس واستعاد الجروان وزنهما وقوتهما، اخذهما بن الى حظيرة بناها في الغابات خارج المدينة. وقد جهزها بن بطريقة تشبه طريقة تجهيز الأم لمهد وليدها الصغير. فقد سيجها بسياج مرتفع لكي يضمن عدم وصول حيوانات مفترسة اليها. ووضع فيها جذوعاً كبيرة للتسلق وصندوقاً خشبياً مفروشاً بالقش لكي يناما عليه. وزود الحظيرة بالماء وحتى بالدمى للعب. وسيستمر في احضار الطعام مرتين في اليوم حتى يبلغ عمر الجروين عاما ونصف العام حيث يمكنهما الاعتماد على نفسيهما كلياً. وفي هذه الاثناء سيعلمهما بن كيفية التأقلم مع الغابة التي هي موطنهما الاصلي. ضرار عمير