بيان 2: كثيراً ما يتردد على اسماعنا أن أطفال اليوم يتفوقون على آبائهم في برمجة الاجهزة المنزلية الالكترونية والتعامل مع جهاز الكمبيوتر، ويهزمونهم بسهولة في ألعاب الفيديو. وقد يعتقد الصغار انهم اذكى من آبائهم وأمهاتهم. والمفاجأة الان هي ان العلماء يقولون ان هؤلاء ربما يكونون فعلا محقين في ظنهم. واذا امكننا الاعتماد على دلالات اختبارات الذكاء. فان أبناء الجيل اليافع في عصرنا الحالي هم حقاً أذكى من آبائهم. اذ تشير دراسات اجريت في بلدان عديدة الى ان معدلات النقاط في اختبارات الذكاء في ارتفاع متواصل سريع منذ 50 عاماً على الأقل، وهذا يكفي للقول بأن الشخص الذي سجل مستوى متوسطاً في اختبار الذكاء في الخمسينيات، كان سيعتبر متدني الذكاء لو سجل النتائج نفسها اليوم، لان مستوى الاداء العام ارتفع ويبدو ان البشر يزدادون ذكاء جيلاً بعد جيل. لكن الأمر ليس بهذه البساطة، فالذكاء مفهوم غامض ومراوغ، في معظم الأحيان. وهناك الان جدل محتدم بين علماء النفس حول المعنى الحقيقي لنزعة ارتفاع معدلات نقاط اختبارات الذكاء. يجادل بعض الباحثين اننا لا نزداد ذكاء بالعموم، لكننا نتحسن في نمط معين في مهارات حل المسائل، فيما يقول اخرون انهم وجدوا اصداء ارتفاع معدلات نقاط اختبارات الذكاء في مقاييس ارض الواقع. شغل هذا الموضوع اهتمام البروفيسور جيمس فلين، استاذ العلوم السياسية في جامعة اوتاجو بنيوزيلندا. فقد اثبت فلين ان مستوى التحصيل في اختبارات الذكاء كان في ارتفاع في منتصف الثمانينيات. واصبح مشهوراً بعد ان اطلق بعض العلماء على الظاهرة التي لاحظها اسم «تأثير فلين». وأثارت هذه النتائج طيفاً جديداً من الأسئلة حول ما يمكننا ان نستشفّه من اختبارات الذكاء. وفي ورقة بحث شهيرة، نشرت عام 1987، اجرى فلين مقارنات تفصيلية بين نتائج اختبارات قوة التفكير في 14 بلداً. وأظهرت نتائجه ان هناك ارتفاعاً حقيقياً في الذكاء بواقع 25 نقطة في الجيل الواحد. لكن النتائج الاجمالية لم ترض فضول فلين الذي اراد معرفة المزيد من خلال النظر في مستوى الاداء في كل نوع في اختبارات الذكاء على حدة بما في ذلك اختبار التفكير الكلامي اللغوي واختبار التفكير العددي واختبار التفكير المكاني البصري. ووجد فلين ان اعلى نسبة تقدم في الفئة الاخيرة من اختبارات القدرات اللغوية والحسابية لم تشهد تحسناً كبيراً في مستوى النقاط. ومنذ 1987 قام فلين ببحثين منفصلين احدهما في الارجنتين ووجد ايضاً ان الجزء الاكبر من الارتفاع في الذكاء محصور في المهارات المكانية البصرية والتجريدية النظرية. ويبدو فلين واثقاً من ان الظاهرة التي اكتشفها ذات معنى، لكنه لا يعتقد اننا في طريقنا لنصبح كائنات عبقرية، حيث يقول: «لم يكن اجدادنا متخلفين، ونحن لسنا عباقرة» وعلى الارجح اننا طورنا المهارات والعادات الذهنية التي تجعلنا افضل في حل المسائل النظرية التجريدية، واصبحنا نتناول مثل هذه المسائل بجديّة اكبر. تحسن الناس ويقول فلين: «لقد تحسن الناس فعلاً في بعض انماط حل المسائل» ويجادل بأن السبب وراء ذلك هو الضغط على الزناد الذي يجعل الناس يطورون مثل هذه المهارات. عندما كان اجدادنا في سن الصبي، كان الناس يقيمون شأناً اكبر لمهارات ذهنية مختلفة، كالقيام بالعمليات الحسابية ذهنياً وبناء مخزون جيد من المفردات اللغوية، ردة فعلهم لبعض المسائل التي نتناولها الان بقدر كبير من الجدية كانت كالتالي: «ما جدوى ذلك». ويعتقد فلين انه في المجتمعات التي اصبحت فيها اختبارات الذكاء هاجساً، تتطور مهارات حل المسائل النظرية بوتيرة اسرع من بقية المهارات. وكذلك الامر فإن الحاجة المتزايدة للمهارات البصرية المكانية ازدادت بسبب التلفزيونات والكمبيوترات وقيادة السيارات. لذلك يتوقع من الاجيال المقبلة ان تطور مهاراتها في هذا الاتجاه اكثر من الاتجاهات الاخرى. ويوافق معظم علماء النفس على أن معدلات نقاط اختبارات الذكاء ارتفعت، لكن هناك خلافاً بينهم حول تفسير هذا الارتفاع. البعض من أمثال عالم النفس التجريبي روبرت هاورد، في جامعة نيوساوث ويلز في سيدني، يجادلون بأن الذكاء الاجمالي ارتفع فعلاً بفضل التغذية الافضل والعائلات الاصغر وانتشار التعليم على نطاق اوسع فضلاً عن تغيرات بيتية اخرى. ويعتقد جون راست من جامعة لندن انه من العوامل العديدة التي ساهمت في ذلك انه مع ازدياد تعقيد المجتمع، اصبح الناس مضطرين لبذل جهد ذهني اكبر للتفكير في مختلف انواع المسائل. لكن هاورد يقرّ بأن هناك شيئاً ما يحدث بالأخص فيما يتعلق بالمهارات البصرية المكانية، كتلك التي يحتاجها لاعبو الشطرنج المحترفون. ويقول: «ان مستوى الذكاء البصري عند الصغار يزداد بشكل كبير، لانهم يتعاملون مع اشياء بصرية طوال الوقت ومن الطبيعي ان ذلك يرفع معدلات نقاطهم في اختبارات الذكاء». وهذا يفسر باعتقاده انخفاض عمر اصغر بطل شطرنج اربع مرات منذ عام 1999 بعد ان بقي ثابتاً منذ الخمسينيات. ومهما كان السبب الكامن وراء الظاهرة التي اكتشفها فلين فإنها حقيقية. وعندما يتعلق الأمر بالمهارات البصرية المكانية وحل المسائل التجريدية النظرية، فاننا على الارجح اذكى منا ابائنا واجدادنا وكذلك فان ابناءنا اذكى منّا. لكن هل ستستمر هذه النزعة؟ وهل سينظر الى الاشخاص متوسطي الذكاء في معايير اليوم على انهم اغبياء في عام 2050؟ فلين نفسه يبدو متحفظاً في الاجابة ويفضل ان ينتظر حتى يرى ما تخلص اليه اخر الابحاث قبل ان يقفرن الى اطلاق الاحكام، خصوصاً وان بعض البحوث اوحت بان فورة الذكاء متصلة بطريقة او بأخرى بالتحول الصناعي في البلدان المتقدمة. وهذا يعني ان طفرة الذكاء قد لا تتكرر في وقت قريب في الغرب في حين انها مرشحة للتنامي في البلدان التي تشق طريقها الى التقدم الصناعي. لكن هل يمكن للظروف التي أدت الى هذا التطور الدراماتيكي في المقررات الذهنية ان تختفي مع زيادة ثراء ووفرة المجتمعات الحديثة؟ يقول فلين: «في التاريخ البشري، غالباً ما يؤدي الغنى والوفرة الى الانحطاط. وهذا ما حصل للرومان الذين اصابهم الكسل والخمول بعد ازدهارهم وسؤددهم فراحوا يستأجرون الاغريق لكي يفكروا بالنيابة عنهم». علي محمد