بيان 2: تفرض التغيرات المناخية نفسها اليوم كتحديات كونية تتطلب تضافر الجهود العالمية للتقليل من مخاطرها على الكائنات الحية والحياة البيولوجية ولأن اليمن جزء من هذا العالم فلا شك انه معنى بالاستعداد لهذه التغيرات وما تحمله من اثار متوقعة على البلاد. وانطلاقا من هذه الفرضية البديهية يسعى اليمن إلى تبني جملة من الاجراءات والتدابير الهادفة إلى الاضرار بالمناخ حيث اولت الجهات المعنية وخاصة المجلس الأعلى للبيئة ووزارة البيئة اهتماماً مبكراً بهذا الاشكال بمساعدة هيئات ومنظمات اقليمية. لكن رغم هذه الجهود التي يبذلها اليمن مازالت التحديات المطروحة والمترتبة على التغيرات المناخية قائمة كما ترسمها وتتبناها مراكز الرصد والابحاث حيث ترسم سيناريوهات متعددة لحالة اليمن خلال الخمسين سنة المقبلة وكيفية التصدي لها. وفي هذا الاطار تؤكد الدراسات التي اعدها الباحثون والدارسون اليمنيون في المراكز والهيئات المعنية برصد ورسم التغيرات المناخية ان اليمن سيعرف ويعيش تغيرات مناخية مستقبلية مهمة ومؤثرة حيث سيكون الطقس في عام 2050م أكثر ارتفاعاً في درجة الحرارة عما هو عليه الآن كما سيعرف اليمن ارتفاعاً في نسبة الرطوبة وتساقط الامطار وعلى سبيل المثال سترتفع درجات الحرارة إلى اكثر مما هي عليه الان بفارق 108 درجة مئوية كما ستبلغ نسبة الزيادة في معدل سقوط الامطار على البلاد حوالي 30% عما هي عليه حالياً. وستكون المناطق الشمالية في اليمن ابتداء من البحر الاحمر وحتى الحدود مع سلطنة عمان ومنطقة الربع الخالي اكثر امطاراً من أي منطقة اخرى بينما سيشهد الشريط الساحلي الجنوبي لليمن ابتداء من مناطق دباب وباب المندب ورأس عمران ومنطقة عدن وابين وحتى عتق وظفار إلى حدود اليمن مع سلطنة عمان بما فيها الجزر اليمنية جزر العبد الكوري وسوقطرة هذه المناطق ستشهد معدلات امطار أقل من النسبة التي ستشهدها المناطق السابقة. وتعزى هذه التغيرات حسب الباحثين والدارسين إلى أسباب عديدة أهمها تغير العناصر والعوامل المتحكمة بالمناخ مثل الاشعاع الشمسي وموقع الأرض بالنسبة للشمس واختلاف وتغير تكوين الهواء كيميائياً على ان التأثير الاكبر هو لغازات الاحتباس الحراري وغازات التدفئة وتزايد اكسيد الكربون في الغلاف الجوي وهذه العناصر والعوامل المؤثرة هي محصلة طبيعية لتراكم النشاط الصناعي وتوسعة والى السلوك الاستهلاكي لدى مجتمعات اليوم فمنذ قيام الثورة الصناعية في القرن الرابع عشر وحتى الوقت الحاضر وكمية ثاني أكسيد الكربون في تزايد مستمر في الفضاء والغلاف الجوي نتيجة لتزايد عملية الاحتراق الناتج عن السيارات وعن احتراق الاشجار وادخنة المعامل والمصانع واي حريق في العالم سواء كان في غابة الامازون أو في استراليا يؤثر على اليمن لأن الهواء ليس له حدود ولا حواجز توقفه. مسئولية من؟ وتحمل الدراسات والابحاث المعدة مسئولية التسبب في تدمير ذلك للدول الصناعية المتقدمة وعلى رأسها الولايات المتحدة والدول الغربية لان حجم الصناعات وتوسعها في هذه البلدان هو وراء تزايد نسبة غاز ثاني اكسيد الكربون الذي يحجب الحرارة المنطلقة من الارض المسماة بالحرارة طويلة الموجة أو الاشعاع الارضي طويل الموجة لأن غاز ثاني اكسيد الكربون يعمل على امتصاص الغازات الحرارية المنبعثة من سطح الارض، وعندما ينطلق إلى الجو يسمح للأشعة الشمسية بالسقوط على الأرض ما يؤدي إلى الاحتباس الحراري. ويرجع فريق البحث الذي يدرس هذه الظاهرة واحتمالات تأثيراتها على اليمن إلى اتباعه برامج علمية منها برنامجان عالميان الاول برنامج ماجك وهو في مدخلاته يقوم على احتساب كم سيبلغ عدد السكان في العالم وكم ستبلغ نسبة ثاني اكسيد الكربون عن استهلاك هؤلاء السكان وصناعاتهم ابتداء من العام 1995م وحتى العام 2050 وهناك اربعة تصورات وضعتها المنظمة العالمية للتغيرات المناخية وهي تصورات تحدد كم سيكون عليه نسبة ثاني اكسيد الكربون في الجو الأعلى والاقل والمتوسط وقياس كيف سيؤثر هذا التغيير على الحرارة العالمية وعلى كمية الامطار في العالم وعلى مستوى سطح البحر وما سينتج عن ارتفاع الحرارة من ذوبان للجليد وغمر بعض المناطق. وهذه التصورات للمنظمة العالمية للتغيرات المناخية عمل الباحثون والدارسون اليمنيون على دراستها في المرحلة الأولى تم يمنيتها في المرحلة الثانية التي على اساسها قام فريق البحث بتحويل وتحوير النتائج العالمية هذه إلى نتائج يمنية بواسطة برنامج اخر يطلق عليه برنامج سنجن وهذا البرنامج يعني سيناريو الخالق أو الصانع للتصورات وهو عبارة عن برنامج كمبيوتر يحتوي على أربع عشرة تجربة عالمية لما سيكون عليه الغلاف الجوي عندما يكون هناك فرضيات مختلفة لثاني اكسيد الكربون وكمياته في العالم وقام الفريق بعمل تلك السيناريوهات واختاروا ثلاثة منها اولها اطلق عليه السيناريو المعتدل الذي يبين كيف سيكون عليه المناخ في المستقبل في المتوسط وهذا السيناريو الأساس ثم هناك سيناريو ثان يمثل اعلى تغيير للمناخ في المستقبل. والسيناريو الثالث هو الذي يمثل اقل نسبة تغيير للمناخ على مستوى اليمن ثم بعد ذلك حددت نسبة التغيرات واضيفت على درجة الحرارة المسجلة في اليمن على متوسط درجات الحرارة والرطوبة والامطار والسحب المسجلة في اليمن للثلاثين سنة المنصرمة وبالتالي حدد ما سيكون عليه المناخ المستقبلي في اليمن والتغيرات التي ستطرأ عليه وفقاً لهذه الفرضيات العلمية المعمول بها على النطاق العالمي والاقليمي والمحلي. تأثرات مناخية ويرى الباحثون ان الاثار المترتبة على هذه التغيرات المناخية يمنياً ستكون كثيرة ومتنوعة نظراً لأن المناخ يؤثر في كل شيء ابتداء من الكائنات الحية إلى الإنسان الذي سيتأثر في صحته وانتاجه وعندما تحصل على سبيل المثال ارتفاعات في درجات الحرارة بمعدل درجتين معنى ذلك ان المناطق الساحلية لن تكون صالحة للسكن فيها وبالتالي سينتج عن ذلك انتقال للسكان من هذه المناطق إلى المناطق الباردة والمعتدلة وسيتسبب ذلك باختلالات اقتصادية واجتماعية. وبالتالي سيكون للتغيرات المناخية تأثيرات سلبية على مناطق وايجابية على مناطق اخرى غير ان تزايد نسبة النمو السكاني والهجرة سترجح من التأثيرات السلبية على التأثيرات الايجابية وبالتالي تشدد الدراسات المنجزة، من قبل المختصين على ضرورة الاستعداد من الان لمواجهة تلك الاثار وحتى تلك الاستعداد المقترحة ان تولي الحكومة اليمنية جل اهتماماتها لهذه المشكلة المحتملة خاصة في المناطق التي ستعرف ارتفاعاً في درجة الحرارة وقلة التساقطات المطرية على ان تتركز تلك الاهتمامات اولاً على تنمية البحث العلمي المرتبط بهذه المشكلة الذي سيعطيها تصورات لما سيكون عليه المستقبل المناخي في البلاد والوضع الزراعي والمياه والطاقة. وتخلص هذه الدراسة التي تعتبر الاولى من نوعها في اليمن بالدعوة إلى ضرورة تبني برامج علمية طموحة في هذا الجانب اسوة بما هو معمول به في كثير من البلدان اليوم وان الحكومة معنية بضرورة استمرار البحث العلمي في هذا الجانب حتى يتوصل الباحثون إلى نتائج اكثر دقة وان ذلك لن يتأتى الا بتوفير التقنيات والوسائل الفنية والمادية والمالية التي تساعد الباحثين على المضي في تحديد ورسم الافاق المناخية المستقبلية للبلاد والتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تطرحها وان تحقيق ذلك لا يمكن ان يتم الا باتخاذ القرارات المناسبة على هذه الدراسات والأبحاث وما تتوصل اليه لاسيما في المناطق الاكثر عرضة لهذه التغيرات المتوقعة في المستقبل. ويرى الخبراء ان مثل هذه السيناريوهات للمستقبل المناخي في البلاد اذا ما تحققت فعلاً ستكون بمثابة انتكاسة للرهانات التي تعقدها الحكومة اليمنية على المناطق الساحلية في استيعاب تزايد النمو السكاني كما ورد في الخطة الاستراتيجية لليمن خلال الـ 25 سنة المقبلة التي رجحت خيار تنمية المناطق الساحلية ورشحتها لاستيعاب تزايد نسبة الساكنة في اليمن الا انه في ظل التوقعات المحتملة للتغيرات المناخية هذه بما تحمله من اثار على تلك المناطق كما جاءت به دراسات وابحاث المختصين في هذا الجانب يتعين البحث عن بدائل أخرى وبالتالي اعادة النظر بالمرتكزات التي تقوم عليها الاستراتيجية الوطنية للسنوات الـ 25 المقبلة على ان هناك من يرى ضرورة تكثيف الدراسات والابحاث الخاصة بالتغيرات المناخية وتأثيراتها لأن ذلك من شأنه مساعدة الفاعلين الرئيسيين في البلاد على صياغة خطط وبرامج اكثر واقعية وادراكاً للاحتمالات والتأثيرات المستقبلية. من الواضح ان اليمن التي تعاني من خصاص مائي وقلة في موارده وكثافة سكانية هائلة ونمو متسارع لنسبة السكان هي أمام تحديات حقيقية تحملها التغيرات المناخية يتعين الاستعداد لها من الآن واخذها في الاعتبار وعلى محمل الجد الكلفة ستكون باهظة.