لا ندري ما الذي دفعنا الى قراءة كتاب «تحت شمس الفكر» لتوفيق الحكيم، رغم اطلاعنا عليه اكثر من مرة، فما ان قلبنا اوراقه حتى وقعت اعيننا على مقالة بعنوان «المرأة والصحافة»، وكعادته سرد الحكيم سخريته المعهودة من المرأة، بأنها سليلة الاخباريين والفضوليين، ودس الانف في كل ما لا يعنيها.. ولكي يؤكد الحكيم اتهامه ويوثقه استعان بحكاية الحية التي اقترحت على «حواء» اكل الفاكهة المحرمة، فقامت باخبار «آدم» وكان الهبوط من الجنة.. فكان اعتقاده المكين بأن المرأة قامت بأول عمل صحافي منذ بدء الخليقة. وبعيداً عن مواقف الحكيم المعروفة ضد المرأة.. الا اننا لو القينا نظرة متفحصة الى واقع المرأة في مجتمعنا الشرقي.. سنجد ان التهم تلاحقها في كل حركاتها، وسكناتها.. وكأننا نبحث عن مبرر يرضي قناعاتنا، او بالادق جهلنا بعالمها، وما يؤرقها. ان القول بأن المرأة صحافية بالسليقة يتأرجح بين ميزة الوسم، ومثلب الوصم.. لذلك قامت «دنيا الناس» بوصفها رافداً صحافياً بالتحري عن حقيقة الحس الصحفي لدى المرأة.. الا يرى القارئ العزيز انها مفارقة! تابعوا معنا. تقول بروين حبيب مذيعة وقد بدا الغضب في نبرات صوتها: هل فضول المرأة نقيصة؟ ام انه امتياز يخص السلطة الرابعة في العالم الا وهي الصحافة، ان امتلاك المرأة الحس الصحفي دليل على فهم عميق للحياة من حيث ضرورة كشف المستور وتفكيك المسكوت عنه في واقعنا. هل اصبحت المواربة، والصمت وممارسة الخفاء صفات يروج لها؟ لقد تحولت بعض العادات الذهنية الاجتماعية الى مجموعة سخافات تلاحق المرأة وعوالمها، واصحاب هذه الاعتقادات الجاهلة لا يعلمون ان داخل كل رجل امرأة، وداخل كل امرأة رجلاً.. وبالتالي لا نستطيع تنزيه الرجل من بعض الصفات التي توشم بها المرأة.. فهل هناك رجل واحد لا يدفعه فضول ما الى تقصي بعض الاخبار، ومحاولة معرفة ظروف الاخرين ولماذا نذهب بعيداً فمن الذي يرتاد المقاهي المنتشرة من اليمن الى موريتانيا، ومن الخليج الى المغرب، اليس الرجال (!) وهنا يكمن السؤال: ماذا يفعل هؤلاء في هذه المقاهي؟ يلعبون النرد ويحتسون الشاي والقهوة فقط، ام ان هناك نشاطات ذهنية اخرى؟ وتضيف بروين: السؤال الاكبر والاهم هو ما الذي يدفع الانسان بشكل عام الى هذا الفضول السلبي؟ اعتقد انه الخواء الفكري، وعدم وجود ارث معرفي جمالي بطبيعة الحياة وصيرورة الاشياء، اضافة الى عدم التصالح مع النفس، وعدم التوازن مع الاجواء الحياتية.. كل هذا يجعل الانسان يبحث عن شيء يملأ به ذاته الخاوية ولو على حساب الاخرين.. اخيرً ارفع القبعة لمن يتهمون المرأة بهذه الصفة، لانهم لا يعلمون انهم يتحدثون عن ميكانيزم صحافي يلعب دوراً كبيراً لسبر اغوار المجتمع. عليهم ان يعرفوا انه ليس لبيولوجية المرأة، كونها انثى، دخل في هذا الفضول. فهي لا تحمل غدداً متخصصة بالترقب والحشرية، او تتمتع بأجهزة فسيولوجية للتنصت ونقل الاخبار. صفة عامة من جانبها تقول الصحافية نجوى ضاهر: في كتابه «موسوعة اقوال الفلاسفة، والحكماء في عالم النساء» رصد الباحث صديق عبدالفتاح خمسة عشر الف معلومة وردت على لسان كتاب عرب وغربيين. ومن خلال هذه الموسوعة نلاحظ سيل الافكار النمطية التي تؤطر المرأة في رموز باهتة باتت معروفة للجميع تعطي من خلالها المرأة سمات معينة مثل المخادعة والثرثرة والمراوغة والكذب والحقد والجهل وكشف الاسرار، ووسط هذه الصفات صفة الفضول التي تنفرد بها المرأة عن الرجل من حيث امتلاكها القدرة على الحدس ومتابعة التفاصيل، وهي الصفة التي تتفق مع حب المرأة لكشف الخبايا من خلال حس فضولي يدرس بعمق معايير تغيب عن بال الرجل مثل حركات اليدين وملامح الوجه واسلوب الكلام والايماءات والايحاءات التي تكشف الصدق من الكذب. وتضيف: فيما يتعلق بالصحافة الفطرية فان هذه «الحشرية لا تعتبر مجرد دس الانف فيما لا يعنيها، بل هي صفة ضرورية لالتقاط تفاصيل الاشياء والقيل والقال، والالمام بخيوط الموضوع وهذه كلها صفات تفيد المرأة اذا اشتغلت بالصحافةلانها تمنحها القدرة على متابعة الحدث، اما المرأة البسيطة فتمتعها بالفضول لا ينتقص من قيمتها، لأن الفضول صفة انسانية لها سلبياتها وايجابياتها، واظن ان ارتفاع درجة الفضول لدى المرأة مرتبط بأمومتها، لانها الوحيدة القادرة على مناغاة رضيعها، ومحاورة طفلها، واستشعار ما به من الم وحرج ومطالب واحتياجات، واعطائه النصائح والتوجيهات مما اكسبها القدرة على متابعة الكثير من التفاصيل الحياتية، ومحاولة العلم بها. عدم ثقة من جانبها تقول المذيعة هنادي زيدان: مع احترامي الكبير لمن يروجون لهذه الصفات التي تطال المرأة مثل «الحشرية»، والفضول، فانني ارى ان الرجل هو الدافع الوحيد وراء بعض هذه الصفات او المثالب.. مقصد القول ان المرأة من الممكن ان توصم بهذه العيوب ـ لكن يبقى السؤال متى يحدث هذا؟ اعتقد ان الرجل عندما يكون محل اتهام فان من حق المرأة ان تتقصى اخباره، او اخبار من يحيطون به، لعلها تكتشف جزءا من عالمه الغامض.. والمرأة بطبيعتها تملك حسا صحافيا، بمعنى انها تشعر على سبيل المثال ان هناك خبرا عاطفيا يملكه زوجها بمجرد ان يختلس نظرة ناعسة لاحدى زميلاتها في حفل، او مناسبة ما.. وهو ما يتسم به الصحافي حين يشتم رائحة خبر في مكان ما. هناك ايضا الحب الزائد الذي يولد الغيرة لدى المرأة، والتي بدورها تترجم هذا الشعور الى ملاحقة وحصار من الاسئلة المعروفة، اقصد ان الزوج عندما يكون مراوغا فانه يجعل المرأة او الزوجة تمطره بالاسئلة لعلها تعرف ماذا يحدث من خلف ظهرها. لكن عموما اذا كان الزوج على درجة كبيرة من الاخلاق الدمثة والسلوكيات المحترمة والسمعة الطيبة، فان الزوجة التي تمارس هذه الهواية الثرثارة تفتقد الثقة في نفسها، وعلى الرجل ان يروض هذه النزعة لديها لكي تستعيد احساسها بكيانها. وتضيف: اعتقد ان ربة البيت، اي المرأة التي لا تعمل، اما لظروف اسرية، او لعدم تعليمها.. ففي هذه الوضعية تجد المرأة نفسها موزعة بين تربية الاولاد وتنظيف المنزل واعداد الاكل لزوجها، ما يجعلها تشعر بالضجر والملل، فتبحث عن شيء يكسر هذا الروتين الحياتي فتحاول الاستفهام عن اشياء لكي تخفف عنها قلة تواصلها مع تفاصيل الحياة خارج بيتها، ورغم ذلك لا يفهم الكثيرون ذلك. فيتهمونها بالثرثرة والسطحية، رغم انها سمة تتفرد بها المرأة ككيان مرهف يكره الانقطاع عن الحياة وتفاصيلها، لكن اعود واقول ان انتشار الفضائيات والوسائط الاعلامية خفف كثيرا من احساس المرأة بالعزلة عما يدور حولها. لكن هذا لا يمنع من رغبة المرأة الدفينة لمعرفة كل شيء يحدث خارجها. اما عن المجلات الصحافية التي تحبذ اختيار معظم كوادرها من النساء فهذا يرجع الى ان المرأة تمتلك حساسية مرهفة من حيث معايشتها الوجدانية لبعض الافكار الصحافية والانسانية فتعطيها زخما من التقاط التفاصيل المهمة والقدرة على الوصول الى اعمق نقطة في التحقيق الصحافي، او الخبري.. فالمرأة تستطيع الحصول على كل المعلومات الخاصة بموضوع ما من الرجل او المرأة، في حين الرجل الصحافي يفشل في كشف خبايا فكرته، خاصة لو كان احد ضيوفه من النساء رفاهية التصور اما الدكتورة ريهام عاشور التي بدت ساخرة مما يقوله البعض عن عقلية المرأة، فتستهل حديثها قائلة: لماذا كل هذه الاسئلة عن مدى احقية المرأة في سؤال زوجها عن سبب تأخيره. او تعكر مزاجه؟.. هل تحول التواصل الانساني، والسؤال عن حال شريكك الى اتهام للمرأة بالتدخل في شئون الاخر سواء كان زوجاً او صديقا، او زميلة عمل.. وحتى لو كان هذا صحيحا.. هل هذا السلوك يرتبط بالمرأة فقط، فكم من الرجال يمارسون هذا النوع من التصرفات.. ان ما تتحدث عنه يعتبر نوعا من رفاهية التصور او الخيال.. او بمعنى اصح محاولة لتبرئة الرجال من تهم مشتركة تخص الكائن البشري سواء كان ذكرا أو انثى. فالنميمة والثرثرة والفضول والتدخل السافر كلها صفات لا تقتصر على جنس بحد ذاته. وتضيف ريهام: لكن المرأة الفارغة من اية هوايات، او اشياء تشغلها.. وهنا يكمن الفرق بينها وبين من تعمل وتتحرك هنا وهناك بحكم عملها ووظيفتها. ولست ادري ماذا تريدون من المرأة، فاذا ضحكت كانت مصدر البهجة، واذا عبست فهي مصدر البؤس والتعاسة، واذا تدللت وتغنجت كانت ينبوع المتعة والسعادة، واذا ثرثرت وتكلفت وصفت بالازعاج. واخيرا اذا سألت واستفهمت اتهمت بالتلصص والفضول وهذا يتم في صيغة خبيثة وهي ان المرأة صحافية بالسليقة.. فليسألوا انفسهم: من يستحق هذا اللقب من باب القيل والقال. اذا عرف السبب تقول سناء مدحت «اتحاد كتاب الامارات»: المرأة بطبيعتها ترفض ان تكون في دائرة الظل، وتسعى دائما للفت الانتباه. ربما بسبب شعورها بالقهر، وإنها محسوبة دائما على التابعين سواء للزوج او الاخ، او الاب، مما جعلها دائما في حالة دفاع عن النفس، او عن كيانها.. لذلك فهي دائما تسعى لمعرفة الاخبار ايا كان مصدرها. فلقد حجب عن المرأة الكثير من الأمور اضافة الى الاعتقاد الراسخ بأن نقل الاخبار للمرأة سيتحول الى افشاء مريع للاسرار.. مما افقدها الثقة في نفسها، وجعلها فضولية «ولحوحة» في معرفة اخبار زوجها او زميلاتها كوسيلة لاثبات الذات، وابعاد نفسها عن التجهيل والتجاهل. وهذا من حقها.. ما دام ان كثيرين يحاولون اثبات انها قطعة اثاث لا مهمة لها سوى الطبخ والكنس وتربية الاولاد.. وتضيف سناء اعتقد ان كثرة توجيه الاسئلة من الزوجة للزوج ينبع من اسباب عدة منها تغييره لبعض عاداته كأن يعود للمنزل متأخرا بعد ان كان يعود مبكرا.. او ان تراه سعيدا بسبب لا تعلمه، وكذلك لو كان مكتئبا ففي هذه الحال اعتقد ان المرأة تبحث بفضول شديد عن خلفيات هذه الاحوال من باب الحذر من أية نتائج تريد ان تعرف مقدماتها وهذا يحدث دائما للجنسين سواء كانوا ازواجا او اصدقاء، او حتى جيران. بمعنى اخر الدافع هنا يكون ذا بعد انساني بحت. وهناك سبب آخر اعتقد انه اكثر وجاهة وادق معنى وهو ان حركة الرجل دائما أكبر بكثير من تحركات المرأة. مما يجعله دائما في وسط الاحداث والسلوكيات والمواقف المتباينة للناس.. وحتى اذا كانت المرأة تعمل فان تحركاتها خارج منزلها لا تقارن بالرجل.. لذلك فهي تشعر بعقدة نقص تجاه هذه المسألة فتراها تبحث عن الجديد والشيق والمثير من كلام زوجها واخباره وفي هذه الحالة لا يمكن اعتبار المرأة فضولية.. ربما توجد حالات من هذه النوعية.. لكن من المستحيل تعميمها على المرأة كجنس، او كطبيعة تحكم تكوينها.. فعدم ثقة المجتمع فيها يجعلها تواجه بعدم الثقة ايضا عبر الحاحها على معرفة الحقيقة باشكالها المختلفة. وتختتم سناء بقولها: ان لجوء معظم المجلات الاسبوعية بدولة الامارات لهذا مرده التركيبة المحافظة للمجتمع.. حيث يصعب اختلاط الرجال بالنساء في الاماكن العامة او الاجواء الصحافية بمعنى اخر ليس بمقدور الصحافي ان يحصل على مادته من امرأة كما تستطيع الصحافية خاصة ان هذه المجلات معظم موضوعاتها تتطلب عنصرا نسائيا اماراتيا.. من هنا كان من الطبيعي ان تستعين هذه المجلات بالمرأة الصحافية لاثراء فكرة موضوعاتها، والمرأة الصحافية هنا اكثر قدرة على الولوج الى دواخل وتفاصيل رأى المرأة في أي موضوع صحافي يخص المجلة.. وهذا ليس له علاقة بموضوعنا. ويقول محمد فتحي «جامعي»: اذا ربطنا بين الصحافة والفضائح فاننا في هذه الحالة «نبصم بالعشرة» على ان المرأة قادرة على هذا الدور.. فالحكمة الشعبية تقول «اذا اردت ان تفضح رجلا سلط عليه امرأة».. هذا من ناحية القدرة الصحافية.. على افشاء الاسرار وفضح صاحبها.. اما من ناحية الفضول فهذا موضوع اخر فمن المستحيل ان تجد امرأة لا تبحث عن حكاية هنا او هناك، وهذا يظهر بكثرة في مجال العلاقات الاجتماعية والاسرية حيث ينتاب المرأة فضول كبير في معرفة اسباب الخلافات الزوجية عند جيرانها، وكذلك اسباب السعادة والتعاسة، او اي شيء بعيد عنها.. وفي زعمي ان المرأة لا تؤتمن على سر، وتتسبب في مشاكل كثيرة بسبب هذه العادة السيئة. مجدي ابو زيد