المأساة الفلسطينية التي تطالعنا يوميا في وسائل الإعلام، ونقف أمامها عاجزين وخجلين من صمتنا ووحشية العدوان هذه المأساة وجدت مساربها في معرض الفنان التشكيلي السوري سعد يكن، الذي تقيمه حاليا صالة الأتاسي بدمشق، حيث تواجهنا اللوحات بأشلاء ودماء شعب قدمته الدبلوماسية العالمية قربانا لغطرستها ونزواتها التي لا تعرف الحدود: لوحات تهزنا من الأعماق، وتصرخ فينا بما تحتويه من قوة تعبيرية حادة ودفقات انفعالية كثيفة، تغذيها الألوان الحارة والمشهدية الدرامية ذات البعد الملحمي، التي ترسم معانيها ودلالاتها بحساسيات مرهفة بعيدا عن الشعارات والخطابة، قريبا من قلب المأساة. الفنان سعد من مواليد حلب وفيها تخرج من مركز الفنون التشكيلية عام 1964 ومنذ ذلك الحين تفرغ للفن، شارك في الكثير من المعارض الجماعية وأقام العديد من المعارض الفردية، أسس صالة النقطة للآداب والفنون، عمل في مجال النقد التشكيلي، وشارك في عدة مؤتمرات دولية حول خصوصيات معرضه الحالي كان لنا معه الحوار التالي. ـ لوحاتك التي مازالت تحافظ على خصوصيتها الإبداعية ومناخاتها المأساوية، تتلمس في هذا المعرض جديدا على صعيد الموضوع والتقنية، فكيف استشعرت هذا الجديد وماذا أردت من خلاله؟ ـ عموما إن استمرار عمل الفنان يعني بشكل أو بآخر تطور تجربته الفنية، الذي ينبع من الحوارات والتفكير والبحث والتجريب أثناء عمله على اللوحة، فالتجربة الملموسة هي التي تطور أدوات الفنان مع مرور الزمن، خصوصا إذا رفدت هذه التجربة عناصر غنية من الحياة والثقافة والمعرفة، أما فيما يخص تجربتي الحالية هذه، فقد أتت نتيجة علاقة غير مباشرة بوعي المتغيرات الحياتية والاجتماعية المحيطة، ومن خلال الاحباطات والأزمات الذاتية وغير المقدمة في حلول مجانية، من هنا كان المدخل لخلق علاقة غير مباشرة مع الإنسان الفلسطيني، أو بالأحرى العائلة الفلسطينية، هذه الأعمال هي بمثابة تساؤل مباشر ومحرج أطرحه أمام الإنسان العربي أينما وجد، لإدراك هذه المأساة بعيدا عن الإعلان والخطابة التي تقدمها الفضائيات العربية والأجنبية. إنها دعوة حقيقية لدعم الإنسان الفلسطيني، بما يليق بعمق تجربة هذا الإنسان ومأساته. أنني هنا أتناول موضوعا محددا يحاور فكرة التحرر، وليس شكل التحرر لأنني كفنان لا أملك أي فعل مباشر لتغيير الواقع، كل ما أستطيعه هو تقديم موقف من خلال الإمكانات التشكيلية للوحة، ويبقى تأثير العمل الفني مرتبطا بالمتلقي بالدرجة الأولى. ـ مع أن لوحاتك في هذا المعرض لا تستلهم الأسطورة أو الأدب، بل تحاور موضوعا معاصرا ، فإنها مازالت تحافظ على بعدها الدرامي الملحمي، فما هو سر هذه الميزة في أعمالك؟ ـ إن طبع الفنان ومزاجه هما اللذان يحددان مساره التشكيلي، فهناك فنانون يمتلكون طبعا دراميا، وآخرون طبعهم مختلف بغض النظر عن القيمة الفنية للعمل، هذا لا يعني أن الموقف الدرامي هو أهم من المواقف الأخرى الأكثر انفتاحا أو بساطة، و حسب المقولة النفسية التي تؤكد بأن الإنسان يولد ويموت في طبعه، هذا المدخل هو بداية القراءة لأعمالي، ومن الصعب أن أشعر أنني فنان درامي أو ملحمي بالشكل الذي سألته، لأن الموضوع بالنسبة لي أبسط من ذلك، فهو نوع من التنفس، نوع من الحياة نوع من حركتي اليومية. ـ وكيف تبدأ الرحلة معك من المساحة الخالية إلى المشهد المشبع برموزه ودلالاته وانفعالاته؟ ـ إن التفكير بالعمل الفني خلال تجربتي قد تغير عما كان عليه، في السابق كان هناك نوع من دراسة ذهنية واعية لاستخدامات الشكل واللون والموضوع، ولكن في هذه الأعمال كنت أدقق على الانفعال، و لم تكن هناك دراسة مسبقة للعمل، حاولت أن يكون انفعالا بالدرجة الأولى من خلال فهمي الأولي لأبجدية التشكيل، مع أنني في بعض اللوحات حاولت أن اعد دراسات مسبقة لتنفيذها، ولكني فشلت فشلا ذريعا وتراجعت بإلغاء الفكرة واللوحة، معتمدا على الجانب السري في داخلي، الموهبة الأمر الذي لست مسئولا عنه. ـ معروف عن لوحتك علاقتها بالأدب وانشغالها بقضايا وأسئلة ثقافية، فكيف تنظر إلى علاقة اللوحة بالكلمة، ومتى يجب أن تنسحب الثقافة ويبدأ الفن؟ ـ قبل أن يصل الفنان إلى اللوحة، ثمة الكثير من العناصر المتراكمة والمتزاحمة التي تبحث عن التعبير في داخله، وتظهر جلية في الدقيقة الأولى من بدء العمل، هذه هي طريقتي في الرسم الآن، لكن الفنان الراحل لؤي كيالي، كان قد أثر علي سلبا بهذا الموضوع، فقادني بمحبة إلى الدراسات المسبقة التي استقرت في تجربتي زمنا طويلا، وبما أن هذا المعرض يتناول فكرة التحرر، فقد تحررت أيضا من هذا المفهوم.الحياة اليومية والثقافة والسياسة والتاريخ كلها عناصر تدخل في تشكيل ذات الفنان، لذلك نجد دائما رسامين شعراء، وموسيقيين أدباء أو رسامين، فالقضايا الفنية والأدبية ممتزجة، تختلف فقط في أداة التعبير، ومن جهة أخرى فإن التجربة الحياتية والثقافية تاريخيا إذا كان المبدع متورطا بالحياة لا بد لها من أن تشكل له موقفا اتجاه العالم المحيط به، وبشكل عام يطالب المتلقي الفنان أن يكون شاهد عصره، من هنا مثلا فإن معرضا لفنان فلسطيني حول أزهار عباد الشمس، قد يكون ممتازا على المستوى الفني، لكن المتلقي سيسأل بصمت في قرارة نفسه عن موقف مختلف عما يراه، وكما ذكرت فأنا إنسان متورط بالواقع بتيقظ، وكلما انخفضت ردود أفعالي المباشرة، ازدادت الانفعالية الدرامية في أعمالي، وبرزت وكأنها نوع من الرغبة في التوازن الحياتي واستمرار التنفس الطبيعي. ـ وماذا عن الحياة الخاصة والعلاقات الحميمة، هل تجد مساربها إلى لوحتك؟ ـ منذ البداية كان هناك فصل إلى حد ما بين حياتي اليومية الخاصة وبين تعبيري في الرسم ومع الوقت بدأت هذه الهوة تتسع بسبب التجربة والإحباط، وبدأت أفصل التوترات العاطفية المباشرة في الحركة اليومية عن الموضوع الأساسي والجوهري في الرسم، هذا لا يعني أنني أغلق ذاتي في الرسم وانفتح في الخارج أو بالعكس، بل يعني أنني أبحث عن تكامل العمل الفني بعيدا عن الضوضاء العاطفي والمجاني الشكلي للحياة، رغم أن شكلي الخارجي يوحي بالبهجة المجانية وأنا غير مسئول عن ذلك. ـ وأخيرا كيف تنظر إلى فكرة العولمة وحوار الحضارات وما هو دور اللوحة في هذا الإطار؟ ـ لقد ظهرت الكثير من المفاهيم في تاريخ الفن من فكرة الفن للفن إلى الشكل والمضمون وما شابه من المفاهيم المتغيرة، والآن ظهرت على الساحة العالمية والإنسانية فكرة حوار الحضارات والعولمة، التي تشغل بال المثقف العربي، والرد البسيط على هذه الأفكار وبصورة خاصة على فكرة العولمة التي هي حقيقة فكرية واقتصادية واقعة، الرد هو في العودة الحقيقية للذات العربية، لأننا في يوم من الأيام كنا نشكل مفهوم العولمة للعالم، ولست هنا متفائلا بدور الأدب والفن في تغيير العالم كمفهوم رومانسي، ولكنني متأكد من أن اللوحة لها قوة حسية تقترب من السحر في دغدغة المشاعر الإنسانية، وهذا بحد ذاته الرهان الوحيد على إمكانية اللوحة في التغيير نحو الأفضل. دمشق ـ تهامة الجندي