بيان الكتب: هذا الكتاب قراءة جديدة للحلاج من خلال مراجعة بعض محاولات ترجمة نصوصه ومخالفة بعض التصورات في نقاط جوهرية تتعلق بتصوفه. والمنطلق الأساسي للكتاب، الذي جمع فيه المؤلف كافة أعمال الحلاج، هو نقد جهود الاستشراق الذي توجه مباشرة إلى النص الصوفي، وتحديدا جهود ماسينيون، ومن دار في فلك أطروحته حيث اثرت والى حد بعيد في تفاصيل تلقي الاسلام وروحانيته في الفكر الغربي، وعلى هذا يستثني المؤلف جهود الباحثين العرب باعتبار انها لا تمثل سوى استجابة للموقف الاستشراقي ويسعى المؤلف من خلال الصفحات التمهيدية لتقديم أعمال الحلاج الى تصويب جملة من التصورات الشائعة والمستقرة ـ كما يقول ـ حول تصوف الحلاج، ومنها مثلا تعدد الاحالة الى مصادر دخيلة على هذا التصوف واختلاف هذه المصادر ايضا ومعضلة نشأة الفكر الصوفي بوصفه ممثلا لقطاع واسع ومؤثر من الفكر الاسلامي. ومن هنا يناقش اصرار الاطروحة الاستشراقية على الأصل الدخيل لتصوف الحلاج، ومحاولة اصحاب هذه المواقف التأكيد على ان الاصل الاسلامي نسبي النزعة باعتبار الموقف الرسمي. ويشير المؤلف الى محورية دور ماسينيون في دراسة تصوف الحلاج وهيمنة محاولته الدراية على مجمل الدراسات اللاحقة. ومستعرض الدراسات السابقة واللاحقة لماسينيون يجزم المؤلف ان الاهتمام بفكر الحلاج إنما يعود الى «ثولوك» في كتاب له يعد الأول في اوروبا قاطبة تناول فيه اشكالية الاصل المجوسي للتصوف الاسلامي عامة بما فيه تصوف الحلاج، وقد عاد ثولوك ذاته عنه هذه المواقف فيما بعد. واستطاعت المصادر اللاحقة ان تحدد قائمة بمصادر الحلاج والتأكيد على انه لم يكن للأصل المجوسي أية فاعلية في عمل القصيدة الحلاجية. ويعرض الكتاب هنا لجانب من الجدل حول كون الحلاج هو صاحب مذهب وحدة الوجود منتهيا الى ان المذهب ظهر بعد الحلاج بوقت طويل. وضمن مناقشته لرؤية ماسينيون يستعرض العديد من الرؤى الاستشراقية فيشير الى البعض (د. اربلوت وأوجست مولر) تعامل مع الحلاج على انه نصراني من الداخل. ثم يتناول ماكس هرتون والذي قدم اعتراضات منطقية على ماسينيون. وأشار الى الاصل الهندي للحلاج وتعامل معه كمفكر برهماني. ويخلص المؤلف الى ان تصوف الحلاج لا يمكن ان يكون اسلاميا سنيا ومسيحيا في الوقت ذاته لتعارض التأويلات وتقاطعها مؤكدا انه لا يمكن الجزم بنسبة تصوف الحلاج الى الفكر السني بالرجوع الى الفرق المغالية، ولا يمكن ايضا الجزم بنسبة تصوفه الى الفكر الوجودي المسيحي بالرجوع الى نظرية الاستثناء الميتافيزيقي المنسوبة الى الاسلام. وفي سياق استعراضه يتطرق المؤلف الى رؤية ادوارد سعيد من ان سبب دراسة ماسينيون للحلاج تأثيره التمزيقي ضمن المعتقدات السنية ولقربة من مزاجه الشخصي ككاثوليكي ورع. ومشيرا الى ان القراءة الاسلامية ذاتها ترجع تصوف الحلاج الى روحانيات سابقة، يذهب الى ان الحكم في شأن تصوف الحلاج لا يمكن أن يكون بمعزل عن عرض العلاقة بينه وبين غيره من الروحانيات، مؤكدا ان أقصى ما يمكن تسجيله على تصوفه هو تناوب فاعلية المصادر من المسيحي الى الهندي ثم المصدر اليوناني الهيلليني بسبب ان تعددية هذه المصادر تشمل الفكر الاسلامي قاطبة لا تصوف الحلاج وحده. توثيق الولاية الصوفية وبعيدا عن الاطروحات الغارقة في التنظير للخلاف حول تصوف الحلاج والتي جاءت في لغة معقدة يؤخذ على المؤلف عدم تبسيطها للقاريء، فإن أهمية الكتاب الذي يوثق لحياة الحلاج من خلال أعماله تعني القيام بتوثيق فكري لتاريخ الولاية الصوفية، وتلمس الجذر الاول للفكر الصوفي الاسلامي باعتبار ان المراجعة التاريخية لحياة الحلاج إنما تعني استحضار ما هو عقائدي وتاريخي وسياسي متعلق بمحاكمة الولاية الصوفية، أو مقاضاة الشخصية المتألهة في الاسلام التي ظهرت في شخصية صوفية توفر لها ان تزج الفكر الاسلامي في معركة فكرية أدت نتائجها الى زعزعة العالم الاسلامي. وفي قراءة تأملية في سيرة الحلاج وموته يذهب المؤلف الى انه اذا ما حاولنا الاقتراب من روح الحلاج فاننا لن نجد أنفسنا في طريق النجاح اذا ما تعاملنا مع الشخصية الحلاجية من خلال سلوكها الحياتي أو حتى آرائها الدينية، مضيفا ان «الأنا» لدى الحلاج ليست سوى «أنا مزيفة» وان كينونة الحلاج ليست في ذاته! أما بالنسبة للموت فيشير الى انه بالنسبة للجميع يبدو الموت كدخيل أو طاريء الا انه في حالة الحلاج يبدو الموت ذاته اتفاقا نهائيا ينسجم معه كل شيء، ان الموت بالنسبة للحلاج يبدو وكأنه يمنح الحياة معناها: اقتلوني يا ثقاتي إن في قتلي حياتي ومماتي في حياتي وحياتي في مماتي انا عندي محو ذاتي من أجل المكرمات وبقائي في صفاتي من قبيح السيئات ويشير المؤلف الى ان الحلاج كان مدفوعاً بشدة لتحطيم الشكل الخارجي للعبادة الذي انغلق فيه الفكر الاسلامي على نفسه، ولم يطالب الحلاج الا بما عملت به الصوفية بصمت منذ الحسن البصري ومعروف الكرخي وحتى الحارث المحاسبي، مؤكداً ان الحلاج كان الاكثر تأهلاً كداعية مثقف للدفاع عن الجوهر الاسلامي في تعبيد الطريق الجديد للوصول الى الحق. ورغم صلبه باعتباره صاحب خرافة او متأله مجنون او مدعي معجزات كبرى وحتى مشعوذ فإن العقيدة الحلاجية على حد ما يذهب المؤلف، اوجدت في الاسلام فرصة واملاً للارتقاء الى ما فوق الشكل الخارجي للعبادة بفضل فلاسفة عظام وصوفية بارعين امثال ابن عربي وابن سبعين وجلال الدين الرومي وعبدالكريم الجيلي، فلقد رأى هؤلاء ان الثقة بالاولياء ستشارك في بناء وحدة روحية انسانية اكثر سمواً من اي اجمال عقائدي، هذه الوحدة الروحية التي ابتدأ بها النبي صلى الله عليه وسلم بعد هجرته الى المدينة. تجريم الحلاج ويستعرض المؤلف بشكل موسع ضمن تناوله لسيرة حياة الحلاج وموته تجريمه بدعوى الدعوة الى الربوبية ومناقشة الفتاوى الاساسية المتعلقة بهذا التجريم، وقد كانت هذه الدعوى هي العنوان الرسمي لجريمة الحلاج بمفهوم الغلو. فالربوبية هي سلطة الله العليا ومحاولة سلب هذه السلطة من قبل الشخصية البشرية تعني وفق فهم العقائد الاسلامية المساس بالشريعة، ومحاولة تبديل سنة الله ورسوله، وتغيير مفاصل العبادة وأس الحكم. وعلى هذا كان تجريم الحلاج ليس سنياً فقط وانما شيعياً ايضاً. وبدأ التحرك فعلياً ضد الحلاج بتقرير قدمه ابن داوود الظاهري (فقيه صغير السن وجد نفسه على رأس الشعائر الظاهرية في بغداد) لمقاضاة الحلاج؟ ويستعرض كافة المواقف التي تدين الحلاج ولعل من ابرزها موقف ابن تيمية الذي ذهب الى ان ادانته كانت عادلة ووجوب قتل كل من يصدق الحلاج، لاغياً في الوقت ذاته اية كرامات له، والتأكيد على انه كائن شيطاني، وهو ما يراه المؤلف موقفا يتسم بالحدة من قبل ابن تيمية. غير ان مواقف لابن سريج الشافعي المعاكسة لرؤية ابن داوود كان لها اثرها في وقف ملاحقة الحلاج حيث ذهب في فتوى له الى ان الحلاج كان مؤمناً مخلصاً، لا دجالاً منافقاً، وامام هذا الوضوح في الفتوى اتخذ الموقف الصوفي في الاسلام استقلالية، ومن خلال قانون الشريعة ذاتها، وامام حالات المعرفة الروحية هذه اوقف الشرع فتواه لانه لم يكن اهلاً للبت به، والقاضي لم يكن يمتلك سلطة لتطبيق الشرع من خلال القياس العقلي ومن ثم تسجيل العقوبة الشرعية لأن الامر هنا يتعلق بالسريرة الانسانية، بالداخل البشري، الجوانية التي لا يمكن ان تتعرض للمحاكمة بسبب انها ليست ضمن السلطة البشرية. غير ان ازاء هذا التطور فإن معارضي الحلاج جعلوا الاتهام سياسياً عن طريق استبدال لفظة «كفر» بلفظة «زندقة». بقي ان نشير الى ان الكتاب يتجاوز بجمعه لاعمال الحلاج الصورة الشائعة عن فكره وتصوفه والتي تتمثل في تصور ان لم يترك سوى «الطواسين» و«الديوان».. فاضافة الى ذلك جمع الكتاب التفسير الذي قدمه الحلاج للقرآن وهو تفسير نادر، ومجموعة كبيرة من الاقوال والمرويات قد تفوق ـ حسب المؤلف ـ في اهميتها ما نشر من نتاجه. فالتفسير يتضمن مجمل مواقفه المتناثرة في الطواسين وهو يشكل حلقة مهمة ومؤثرة في تاريخ التفسير الباطن، ويسلط الضوء على جانب مهم من فكر الحلاج وعقيدته الصوفية. ثم اضاف المؤلف المرويات والتي تعد من النصوص النادرة في التصوف الاسلامي قاطبة حيث لم يسبق لصوفي اخر ان كتب مثلها كتبها الحلاج لتلامذته وهو في السجن.. وتقترب في بنيتها من الاحاديث القدسية الا ان الاسناد فيها مجموعة من الظواهر الطبيعية والاماكن المقدسة والازمنة والمفاهيم واسماء الملائكة وحتى الظواهر الجغرافية. اما الجزء الاكبر فهو الشذرات والتي وصل عددها الى 241 شذرة تعد من اجمل الكتابات الصوفية واكثرها التماعاً في تاريخ الادبيات الصوفية. وعلى هذا رتب المؤلف اعمال الحلاج كما يلي: التفسير ـ الطواسين ـ بستان المعرفة ـ الاقوال: نصوص ـ الولاية ـ المرويات ـ الدواوين. والكتاب يعد اضافة مهمة نجح من خلال قاسم محمد عباس في تقديم جديد يتمثل في جمع كل تراث الحلاج في كتاب واحد بما يغني عن الرجوع الى عدد لا يحصى من المصادر والمراجع لم يزل بعضها مخطوطاً، وهو جهد يستحق عليه الثناء، ويتبقى ان يتقدم الباحثون المختصون لتقديم اضاءات جديدة على تصوف وفكر الحلاج تتجاوز الرؤى التقليدية بعد ان جمعت كافة اعمال في ثنايا كتاب واحد. مصطفى عبدالرازق