«مقدمة فكرية لحركة المشروطة» عنوان الكتاب الصادر عن مركز الدراسات الايرانية في دمشق وهو من تأليف الدكتور علي أكبر ولايتي وزير الخارجية الايراني السابق الامر الذي يضفي عليه أهمية سياسية وفكرية مميزة لانه عبارة عن قراءة جديدة لمجمل التطورات والاحداث التي شهدتها ايران على امتداد القرن الماضي، والتي مهدت الطريق امام قيام الصورة الاسلامية العام 1978 وبعبارة أدق فان الكتاب يتحدث عن التجربة السياسية والاجتماعية الطويلة والمعقدة التي مرت بها ايران منذ أوائل امتداد النفوذ الاوروبي فيها وحتى الوقت الراهن وبالتالي فانه يتيح أمام القاريء العربي فرصة مهمة للاطلاع على هذه التجربة التي جرى التركيز فيها على الجانب الثقافي والفكري الى جانب الغزو السياسي والاقتصادي وهذا يبرر سبب اهتمام الغزاة الغربيين بالجانب الثقافي والفكري في محاولتهم السيطرة على ايران والتحكم بها أطول فترة ممكنة من الزمن وكأن هذا التركيز يشكل تحذيرا للقوى والشعوب العربية والاسلامية بضرورة ايلاء هذه المسألة الاهتمام الذي تستحقه بالفعل. ويتألف الكتاب من ستة فصول يرصد الفصل الاول الذي يحمل عنوان «خطط القوى الكبرى» مجمل المشاريع الاستعمارية التي تعرضت لها ايران في القرن الماضي ويبدأ بالخطة البريطانية التي انطوت على عدد من العناصر المحددة مشيرا الى ان البريطانيين بدأوا بتطبيق هذه الخطة في الوقت الذي كان فيه الشعب الايراني يغط في سبات عميق من الجهل والتخلف ويشير المؤلف الى ان هذه الخطة ساعدت كثيرا على تهيئة الاجواء والمناخات المناسبة لظهور المحافل الماسونية في ايران التي أخذت تمارس نشاطا علنيا يدعم من السلطات البريطانية الامر الذي زاد من حجم المشكلات الداخلية. ومن ثم ينتقل الكتاب للحديث عن «الخطة الروسية» التي تؤكد بأن لروسيا أطماعاً تاريخية في ايران مشيرا الى ان الروس تسلطوا على ارض المسلمين في ايران خلال وقت مبكر حيث اعتدوا على الاعراض والاموال ولكن شاه ايران وقف سلبا ازاء الدعوات الى اعلان الجهاد العام ضد الروس وهو يكشف عن الدور الخطير الذي لعبه الروس في ايصال الحركات الماسونية الى داخل ايران للسيطرة عليها. وفي فصل «ردود الأفعال» يسلط المؤلف الضوء على دور التاريخ ورجال الدين في التصدي لمحاولات الغرب عامة تشويه الصورة الاسلامية للشعوب الايرانية وجعلها اكثر التصاقا بالحضارة والثقافة الاوروبية ليصل الى جذور «التغرب» في المجتمع الايراني مشيرا الى أنه جرى استغلال للمشاعر القومية من أجل تحقيق هذا الهدف الامر الذي مهد الطريق امام ظهور حركة دينية ـ ثقافية في ايران حملت اسم «المشروطة» في عهد الشاه مظفر الدين وعلى الرغم من حملة التعبئة التي قامت بها الحركة لمواجهة الغزو الروسي لبلاد فارس الا ان المؤلف يؤكد أن هزيمة ايران امام روسيا كان لها الكثير من الاثار الاجتماعية والسيكولوجية ليصل الى تعزيز انتصار التكنولوجيا على قوة الحركة ولكن الهزيمة شجعت على الدعوة الى الجهاد وبرزت العديد من المحاولات الفردية والجماعية لمواجهة الروس خاصة وبلاد الغرب عامة وفي ظل هذه الاوضاع توجه الكثير من الطلاب والدارسين الايرانيين الى بلاد الغرب لتلقي علوم العصر وعاد هؤلاء لتولي المناصب الحساسة في الدولة والمجتمع وذلك في اطار توجه مرسوم من الخارج. في الفصل الثالث «الجذور الفكرية لحركة المشروطة» يتوقف المؤلف عند الاسباب والعوامل التي هيأت لقيام هذه الحركة ودورها في الحياة العامة حيث نصت المعاهدة التي وقعتها ايران مع بريطانيا عام 1956 على أن تنسحب كل قواتها من وهرات وكل أرض افغانستان الداخلية وأن تعترف باستقلالها والابتعاد عن كل ما يسمى سيادة افغانستان الوطنية وهنا ظهر الداعية عبدالرحيم طالب اوف الذي يعد من أبرز انصار وقادة الحركة المشروطة حيث أصدر العديد من الكتب والمؤلفات التي تعترف بأحكام الاسلام وتطبيق نظام الخدمة الاجبارية في الجيش ملاحظا ان جذور الليبرالية بدت واضحة في افكار ومؤلفات هذا الداعية وهنا يعود المؤلف الى ما يسميه مأساة انبهار الايرانيين بالثقافة والحضارة الغربية الذي تمثل بالترويج بالفكر الليبرالي والشيوعي والاممي والابتعاد عن الفكر الاسلامي الاصيل وكرد على هذا الواقع ظهرت ارهاصات جديدة للحركة المشروطة عبر المفكر ميرزا ملكم خان الذي دعا الى تحقيق المزيد من الاصلاح والديمقراطية وسعى الى نشر الافكار الدينية المرتكزة الى مباديء الاسلام الصحيح ولكن الكتاب يفضح الجوهر الاستعماري لهذه الدعوات حيث اتهم ملكم خان بالتظاهر بالاسلام لخدمة الغرب. وفي الفصل الذي يحمل عنوان «معاهدات الخيانة» يورد المؤلف حقائق مثيرة عن دور ملكم خان في فرض معاهدة «رويتر» على الشعب الايراني واصفا المعاهدة بأنها أفظع وأخزى المعاهدات السياسية في تاريخ ايران مشيرا الى أنها مسئولة عن انحطاط وتدهور الحياة العامة في البلاد وقد تم تحديد مدة المعاهدة بـ 70 عاما وهي تنص على قيام الشركات البريطانية باحتكار امتياز سكة الحديد من بحر الخزر الى الخليج العربي واعتبار الارض وما فيها من حصى وصخور ملكاً للشركة واعفاء المأمورين البريطانيين من دفع الرسوم والضرائب. ثم يتحدث الكتاب عن دور ملكم خان في تأسيس امتياز شركة «لاتارى» ودورها في نهب خيرات ايران وثرواتها الطبيعية ولكن الشيخ حسن الكربلائي وهو عالم دين مشهور فهم أبعاد هذه المعاهدات والصفقات المشبوهة فبادر الى حث الايرانيين على مقاومتها عبر كتابه الشهير «تاريخ الدخانية» حيث يحذر من تغلغل الغربيين في ايران ويدعو المواطنين الى مقاومة ذلك. وهنا يفضح الكتاب ما يسمى بامتياز التنباك والذي حصلت عليه بريطانيا لاحتكار شراء وتسويق التبغ والتنباك لمدة 50 عاما ولكن الموقف الاسلامي من معاهدات الخيانة والذي مثله الشيخ والداعية حسن الكربلائي من خلال النداء الذي اطلقه ضد فتح الامتيازات الى الغربيين قد فعل فعله مشيرا الى ان التحركات الشعبية اخذت تزداد يوما بعد يوم الذي دشن مرحلة النهضة ضد سياسة الامتيازات وذلك في العام 1308 هجري وعلى الرغم من ان البداية كانت متواضعة الا انها استطاعت ان تطور بسرعة ومن ثم تحولت الى مواجهة شعبية ضد شاه ايران انذاك وفي مرحلة لاحقة تصاعدت المقاومة وانخرط العلماء ورجال الدين في التصدي للاستعمال الغربي وجرى توجيه العديد من رسائل التحذير الى الشاه الذي كان خاضعا لسيطرة الغرب. ومن ثم أصدر العلماء والمشايخ ورجال الدين فتوى تحريم التنباك الامر الذي اشعل الثورة في كل مكان وهكذا اتسعت المواجهة بين الشاه تامر الدين والعلماء وازداد عدد المناشير التي تدعو الى الثورة الشعبية. دمشق ـ رنا يوسف