بيان الكتب: يتميز مؤلف هذا الكتاب بكونه باحثا رفيعا ومناضلا سياسيا على الدرجة نفسها، وهذا مايضفي أهمية لتأمل اجابته عن: اين الخلل الأشد في الواقع العربي؟ إن البحث في مسائل مثل أين الخلل في وضع الأمة؟ أو ما المشكلات التي تحول دون نهضة الأمة؟ أو: كيف الخروج من حالة العجز والوهن والهزائم المتلاحقة والتدهور المستمر في حالة الوضع العربي؟ وما إلى هنالك من تساؤلات وصولا الى السؤال عن مواجهة أي تحد من التحديات الراهنة لابد من أن يجد أمامه قائمة طويلة من الأسباب والعلل التي يمكن ايرادها، فمنذ اكثر من مئة عام قال البعض: هو الاستبداد، وقال آخرون: هو الأمية وانتشار الجهل، وقال البعض: هو الإنسان ومايعانيه من تخلف وانحرافات أخلاقية وفكرية ونفسية. وقال البعض: هو التخلف الحضاري وعدم الأخذ بالعلمنة والديموقراطية والحضارة الغربية والحداثة ومساواة المرأة بالرجل، وعزاه البعض الى التغريب والعلمنة في صفوف الأمة، ورآه غيرهم في الفرقة والتمزق وعدم اتحاد كلمة حكام الأمة، وبعضهم أعاد الامر الى العشائرية والقبائلية، وآخرون الى مكونات العقل العربي، وغيرهم الى البنية الاجتماعية التاريخية وهكذا. ولو نظرنا في مختلف العلل التي سبق أن ذكرها المؤلف لوجدنا في كل علة نصيبا ما في الخلل الذي تعاني منه الأمة. لكن السؤال: أي الاشكالات والعلل الأكثر حسما وأهمية؟ يحاول الباحث منير شفيق في كتابه التجزئة والدولة القطرية ان يعطي لعامل التجزئة العربية والدولة القطرية أولوية في مجال البحث في الذات والداخل العربي من جهة السلبية الأشد التي تعاني منها الأمة، وهذا تحديد أوسع وأبعد من الحديث عن عامل الفرقة والتمزق بالرغم من أنه مولد للفرقة والتمزق، كما يضع العامل الخارجي في موقع منافس من حيث الاولوية حين نتوسع في بحث العوامل المختلفة الى جانب العوامل الداخلية، وذلك لما يتضمنه من أدوار مؤثرة في أوضاع الأمة من قبل الدولة الكبرى المسيطرة، أو من جانب دور العامل الصهيوني بما فيه الدولة العبرية، أو دور النظام العالمي السائد بما يشمله من موازين قوى عسكرية وموازين قوى في المجالات الانتاجية والاقتصادية والمالية والعلمية والتقنية والاعلامية، وماتأسس من قوانين وأعراف قام عليها النظام السائد، ومن ثم فإن البحث عن العلاج يجب أن يتركز في حل هذا الاشكال وايجاد الدواء لهذه العلة ولهذا إذا لم تدرس بعناية فائقة العلاقة العضوية التي قامت وتقوم هنا بين العاملين الخارجي والداخلي والدور الذي لعبه ويلعبه كل عامل منهما في كل مرحلة، فلو قلنا، على سبيل المثال، تكمن العلة الاساسية في الجهل والأمية كان الجواب في نشر التعليم وفتح المدارس والجامعات، واذا قلنا ان العلة تكمن في الوعي أو العقل كان الجواب في تصحيح الوعي واعادة بناء مكونات العقل بعد نقدها، واذا قيل ان العلة في البنية الاجتماعية جاء الجواب بضرورة مقاومة التقاليد وتفكيك تلك البنى، وبناء بنى اجتماعية وفقا لوصفة الحداثة والتغريب مثلا®. وهكذا، أما إذا اعتبرنا التجزئة والقطرية هما العلة واساس الخلل الداخلي فسيكون من البديهي البحث عن الوعي والوسائل والخطوات في اطار الخروج من القطرية الى الوحدوية، وإن الامر كذلك حين يشار الى خطورة العامل الخارجي فينتقل الى البحث عن الوعي والخطوات المناسبة لمواجهته ومعالجته. وقد ركز البعض منذ الربع الاخير من القرن التاسع عشر على مشكلة التعليم وضرورة اصلاح التعليم، واعتبروا ان تحديث التعليم والخلاص من منهاج التعليم التقليدي سوف يكونان الرافعة لنهضة الأمة والخلاص من مشاكلها الرئيسية. لكن بعد أن بذلت الجهود ومازالت للتوسع في التعليم وتحديثه حتى اصبح لدينا ومنذ عشرات السنين مئات الألوف بل الملايين من خريجي الجامعات والمعاهد العلمية، لم ينتقل حال الأمة الى ذلك الحال الذي كان يؤمل عندما تحل مشكلة التعليم، بل مازال هناك من يعتبرون أن تحديث التعليم ضمن مقاييس العولمة في هذه المرحلة هو الطريق لحل العلة الاساسية في تخلف الأمة، وتكرر التوجهات نفسها والنتائج نفسها. والسبب أن مشكلة التعليم، على ماقيل حول العلل الأخرى ولاسيما تلك المتعلقة بالذات. ومن خلال هذا البحث يضع الباحث التجزئة والقطرية العربية في قفص الاتهام وتحميلها مسئولية ما آل اليه الواقع العربي الآن، بما في ذلك افشال كل المحاولات الوحدوية والاتحادية والتضامنية والتنسيقية وكل مشاريع التكامل الاقتصادي، أو التقارب في أي مجال من مجالات العلمية والتعليمية والجمركية، والمعلوماتية، والاتصالية، وتدمير أدنى مستويات التواصل التجاري والسياحي والرياضي. إن المسئول الأول بعد العامل الخارجي أو قبله، عما آل اليه الواقع العربي انما هو الدولة القطرية والعقلية القطرية والسياسة القطرية والايديولوجية القطرية حين تتحول الى اتجاه وتوجه ضاربة عرض الحائط بالمصالح العربية العليا. والقطرية اتجاها وتوجها، باعتبارها قاعدة موضوعية واقعية، مادية، وجودية لا يمكن تخطيها الا من خلال الوقوف على أرضها، شئنا أم أبينا، فالواقع العربي واقع قطري ومن ثم التعامل مع حالة التجزئة القطرية من تلك القاعدة نفسها في محاولة لتغيير المجرى من قطرية ـ عولمة أو قطرية ـ شرق أوسطية مصهينة الى قطرية ـ تضامن عربي وتنسيق عربي ـ منظومة عربية متجهة نحو التكامل والسوق المشتركة وصولا الى أعلى مايمكن من الوحدة والاتحاد، ولكن هذا لا يتحقق مالم توضع التجزئة والقطرية اتجاها وتوجها في قفص الاتهام وتقام عليها الحجة ويصدر في حقها حكم صارم، وهذا عكس مايجري الآن من قبل بعض التيارات التي راحت تضع العروبة والتضامن العربي والوحدة العربية وحتى الجامعة العربية في قفص الاتهام بالاضافة الى الاشارة الى بداية الحملة من قبل عدد من المفكرين والمستشرقين ولا سيما بعد حرب الخليج الثانية، فمن المستشرق برنارد لويس الى فؤاد عجمي الى أوليفيه كاريه وسمير خليل والمستعرب الاسرائيلي عمانويل سيفان، أما على المستوى العربي فكان هناك حازم صاغيه وجورج طرابيشي ووضاح شرارة وموريس ناجيز وآخرين، يتحدثون عن فشل المشروع الوحدوي العربي وعن خيالية رابطة العروبة الاسلامية في السياسة والاقتصاد والعلاقات بين الأقطار حتى يقال ان العروبة فشلت أو إن تلك الرابطة أصبحت من الماضي، ومن ثم ان كل من يتحدث عن ترد في الاوضاع العربية أو عن هزائم عسكرية، أو عن فشل في التنمية أو عن الاستبداد والدكتاتورية أو الفساد وهدر الأموال ـ على هؤلاء أن يتأكدوا من أن كل ذلك جرى ويجري في ظل سياسات التجزئة والقطرية. وعلى الرغم من ان الباحث يركز على عامل التجزئة في أصول الكتاب الثلاثة الا انه يرى ان الدور الذي يلعبه العامل الخارجي ميزان القوى الدولي، النظام الدولي السائد، الدول الكبرى، الدولة العبرية والصهيونية العالمية من جهة تأثيره في واقع الأمة وفيما وصله هذا الواقع، لا يقل أهمية عن عامل التجزئة العربية والدولة القطرية، بل هو مؤثر في هذا العامل في المحافظة عليه وحمايته وتغذية كل تناقضاته دون أن يبخل عامل التجزئة والدولة القطرية بدوره، من رد الجميل لتعظيم دور العامل الخارجي في التأثير في الواقع العربي والاسلامي ووحدة العرب. وإلى هنا ثمة سؤال أصبح يلح لدى عدد من الاسلاميين كلما جرى التركيز على العرب أو الوحدة العربية أو الأمة العربية، أو المشاكل العربية. والسؤال لماذا لا يكون التركيز على الأمة الاسلامية ووحدتها؟ والجواب بسيط ومختصر: بسبب خصوصية التجزئة والقطرية في الاطار العربي، وهي تختلف عن التجزئة الاسلامية عموما، وبسبب خطورته على مجمل الوضع الاسلامي الذي يتأثر تأثيرا كبيرا في الحالة العربية سلبا وايجابا، أي أن ثمة مشكلة عربية قائمة بذاتها تختلف عن مشاكل التجزئة القومية والاثنية على المستوى الاسلامي العام، فلا ايران ولا باكستان ولا تركيا ولا اندونيسيا تعاني من مشكلة تجزئة تمزقها الى دول، فهي موحدة ومشكلتها التجزئة الاسلامية العامة والخوف من أن تجزأ لاحقا، ولهذا يجب أن يرتفع الوعي الاسلامي غير العربي لادراك أن ثمة مشكلة خاصة للمسلمين العرب بمشكلة التجزئة والقطرية في الوطن العربي وتحظى على موقع الأولوية في ضرورة الحل. وهذا مايوجب على الاسلاميين أن يكونوا في مقدمة الوحدويين العرب، بل يوجب على الاسلاميين غير العرب ان يتفهموا ضرورة وحدة العرب، بل ان يدفعوا باتجاه الوحدة العربية لا أن يكونوا مع التجزئة والقطرية بالنسبة الى العرب كما تفعل الدول الكبرى التي اقامت التجزئة العربية باتفاقيات دولية فيما بين الدول الاستعمارية، مثل اتفاقية سايكس ـ بيكو، وراحت تحميها وتغذيها الى يومنا هذا. هنا يجب ان نلحظ الحركة الاسلامية غير العربية انهم يحافظون على وحدة أراضيهم، بل يقاتلون كل انفصال فما الفرق بين الموقف من وحدة أرض وطنية أوسمها أرض ايران أو تركيا وعدم قبول تجزئتها وبين الموقف من وحدة أرض العرب، التي تجزأت وانشطرت الى عشرات الدول والاجزاء، فكيف لا يكون من الصحيح على العرب أن يوحدوا بلادهم ويكون في مقدمة العاملين من اجل ذلك الحركة الاسلامية. ومن المعروف أن المنطقة الممتدة من المحيط الأطلسي الى الخليج، والتي أصبحت تعرف اليوم بالبلاد العربية، لكونها عقدة التجارة العالمية فيما بين قارات العالم القديم اسيا وافريقيا وأوروبا، فكانت تشكل الطرق التجارة الوسيطة، فيما بين هذه القارات، وهذا مافرض استمرار أن تكون موحدة بالكامل أو من خلال اجزاء كبيرة منها من أجل تأمين تلك الطرق، وهو ماقامت به الامبراطوريات الكبرى التي نبعت بداية من داخلها الفراعنة والآشوريون والبابليون، أو جزئيات تولت بعض ممالك كبيرة أقل حجما مثل سبأ وحمير وتدمر والانباط والفينيقيين وغيرهم، وقد حافظت على هذه الوحدة الامبراطوريات الفارسية والاغريقية والرومانية والبيزنطية كذلك ولم يكن من قبيل المصادفة أن يفكر الاسكندر المقدوني أن ينقل مركز امبراطوريته الى بغداد أو أن يستقر ورثته في القاهرة ودمشق. كان من المحال في العهود القديمة حتى نهاية القرن الخامس عشر للميلاد ـ القرن التاسع للهجرة ـ الوصول من أوروبا الى افريقيا والى الهند والصين وبالعكس دون المرور الحتمي عبر هذه المنطقة، الأمر الذي جعلها عقدة التجارة العالمية لآلاف السنين. واتسمت هذه المنطقة في الآن نفسه بنزول الديانات السماوية الكبرى منها، وعرفت من قبل اتجاهات أيديولوجية وثنية سعت الى توحيدها وعرفت غلبة لغة واحدة مثل الأكادية ثم الأرامية قبل الاسلام، وهاتان السمتان جعلتاها نقطة صدام مركزية فيما بين الامبراطوريات ورغبة كل منهما لتأكيد وبسط سيادتها عبر هذه المنطقة. المهم أن سمة الوحدة كانت سمة حاضرة في تاريخ هذه المنطقة في أغلب مراحل التاريخ ولهذا عاشت المنطقة اما موحدة أو ضمن وحدات كبرى ولعل هذا هو الدرس الأساسي. القاهرة ـ «بيان الكتب»