بيان الكتب: تحقق العودة الى طريقة التأليف القديمة والمعروفة في الامتاع والمؤانسة والمقابسات للتوحيدي، وما يماثلها في كتب الجاحظ وغيره متعة فنية لانها تجمع ما بين صدق النقد ومتعة السمر وحلاوة المجالسة وحكاية اللقاء لتشكل في النهاية صورة ملونة للثقافة في فترة ما أو عن اديب معين. وكتاب مسامرات نقدية الصادر حديثا للدكتور عبدالكريم الاشتر هو متابعة لهذا النهح في التأليف. والدكتور الاشتر استاذ سابق في جامعات دمشق وحلب والامارات تتميز بحوثه بالعمق والطرافة، من كتبه الملتقى والمقتطف والصدى وهي صور تاريخية من حياة الجامعة، والثقافة والفكر في دولة الامارات العربية المتحدة. في هذا الكتاب يلتقي المؤلف ثلاث عشرة شخصية عربية من اعلام الفكر والادب ويكتب مسامراته النقدية معهم، بعضهم تتلمذ عليهم فوقف على الظاهر والمخبوء من آرائهم ومواقفهم كطه حسين وأمين الخولي وساطع الحصري وبعضهم خالطه مخالطة شديدة فهو يعرف مراميهم الفكرية وتكوينهم النفسي كمحمد مندور وخليل هنداوي والشيخ محمد بهجة البيطار وبعضهم الآخر التقاه مرة واحدة لقاء افاد منه كمحمد بشير الابراهيم كاتب الجزائر وخير الدين الزركلي صاحب معجم الاعلام، ومنهم من تعددت لقاءاته معهم ودرس نتاجهم كالاديب المهجري المعروف ميخائيل نعيمة، ومنهم من التقاهم وتعرف عليهم من خلال زملائهم مثل العلامة محمد كرد علي ومؤرخ حلب الشيخ راغب الطباخ، اما المرأة الوحيدة التي كتب عنها فهي الكاتبة السورية وداد سكاكيني وقد بدأت علاقته معها متوترة على صفحات مجلة المعرفة السورية حول رأي ميخائيل نعيمة بصديقه جبران، وانتهت في أواخر حياتها بصداقة واحترام متبادلين. يسجل د. الاشتر آخر لقاء له مع ناسك الشخروب ميخائيل نعيمة، ويثير لديه قضايا حساسة بالنسبة للادب المهجري، ومن ذلك رأي المستشرق الانجليزي «جب» في ان المهجريين قصدوا بأن يصنعوا ادبا مقطوع الصلة بالتراث الاسلامي موصولا بالتراث المسيحي، وأيده في هذا الرأي محمد حسين هيكل ويرد نعيمة موضحا للأشتر: «خطأ فادح، نحن لم نقصد الى شيء من هذا، وما جال في انفسنا يوما. كنا نحب الادب العربي ونسهر نقرؤه، وكان نسيب عويضة يحكي لنا حكايات كثيرة منه، ولكن ينبغي ألا ننسى انه لم تكن في ايدينا كتب عربية كثيرة في المهجر. ويعقب المؤلف: كان نعيمة بالغ الحرص على ان يترك في نفسي انطباعا واضحا عن استقلال تفكيره عن جميع الروافد الثقافية التي خالطها. وبرغم محبة المؤلف واحترامه لنعيمة فإنه لا يتورع عن اثارة قضايا والقاء اضواء في حديثه على مواقف نعيمة المنحازة للغرب ضد العثمانيين والعرب، اذ يورد ان نعيمة عمل اثناء الحرب العالمية الاولى في لجنة تسمى لجنة تحرير سوريا كان امين سرها جبران خليل جبران وتسعى الى التخلص من الحكم العثماني والحصول على الاستقلال ولو عن طريق الانتداب الفرنسي، وقد كتبت هذه اللجنة الى عصبة الامم في جنيف تحتج على دخول القوات الحجازية «اي قوات الملك فيصل الاول» الغازية سوريا المتحضرة التي فرضت عليها العربية فرضا، وكانت تتكلم الآرامية الوطنية..! في الفصل الذي خصصه المؤلف للحديث عن طه حسين، وهو بعنوان طه حسين والمنهج العلمي في الدرس، يبدأ بالحديث عن كتابه في الشعر الجاهلي الذي اثار العديد من المشكلات والردود، وهو يردها الى «نوازع التمرد لدى طه حسين والتي اتخذت مظهراً عنيفا تجسده رغبة لا تقاوم في اثارة القاريء» وارادة التحدي هذه دفعت به الى التصرف كالمبصرين، شأن ابي العلاء المعري في الاكثار من ذكر الالوان في شعره، وينقل الاشتر هذه الحادثة عنه ان طه حسين في اول عهد بالتدريس الجامعي علق خارطة اليونان وامسك بالعصا وراح يجول بها على الخارطة ويشرح، حتى همس احد الطلاب؟ ماذا يفعل هذا الاعمى؟ وحكت زوجته سوزان من بعد في كتابها عنه Avec Toi انها هي التي دربته في البيت على تحديد المواقع على الخارطة. المؤلف بالرغم من هدوئه الشديد فإنه لا يهادن في تقرير الحقيقة الموضوعية حتى ولو نالت من قدسية الشخصية التي يترجم لها، وها هو يعقب على كتاب طه حسين «مستقبل الثقافة في مصر» وما اشتمل عليه من دعوة مركزة الى ان تتجه مصر في ثقافتها الى الغرب وتقطع اواصرها مع الشرق، اما صلتها بالجوار، ويقصد الشعوب العربية فهي كما يزعم مجرد صلة جوار جغرافية اذ «من المحقق ـ في رأيه ـ ان تطور الحياة الانسانية قد قضى منذ عهد بعيد بأن وحدة الدين واللغة لا تصلحان اساسا للوحدة السياسية ولا قواما لتكوين الدول لانهما لا تعينان على تكوين الوحدة العقلية» ـ من كتاب مستقبل الثقافة في مصر. يقول د.الاشتر في كتابه معقبا وناقداً هكذا قطع طه حسين في غير رفق ولا لين ما بين مصر وأسرتها العربية وبدد روحها، وأخرجها من قارتها، وردم البحر بينها وبين القارة الاوروبية، سعياً وراء الاستعلاء على عقدة التخلف عن الغرب، عن طريق التحكك، والخروج من جلدنا الى جلده، ليقنع مواطنيه ويقنع نفسه بأنهم اوروبيون عقلا وحضارة. ومن المنطلق نفسه، الموضوعية في الدراسة، يبين مؤلف الكتاب فضل طه حسين على الثقافة العربية حيث نخل تراث الادب العربي، ودرس جوانب واسعة منه على امتداد العصور دراسة اقامها على منهجه النقدي التأثري الذي يدعمه ذوق رائع الصفاء ومعرفة عميقة بأساليب العربية وادوات تعبيرها فأغنى الدراسات الادبية بأجمل النصوص. اخيراً.. ما يميز كتاب مسامرات نقدية هو تلك اللغة العذبة والشفافة، والحميمية التي تؤلف الثلاثة في واحد: الكاتب والمكتوب عنه والقاريء وهو يقدم صاحب الترجمة من زوايا نقدية ووصفية جوانية وعفوية لا تأتيها إلا المسامرات، وموضوعاته ونهج الكتابة فيه من الامتاع بحيث يأسران القاريء بقيد المتابعة اللطيف. عبداللطيف رواس قلعة جي