بيان الكتب: تدور أبحاث هذا الكتاب للمفكر والكاتب الصحفي السيد ياسين حول حوار الحضارات باعتباره القضية الكبرى، التي تشغل العالم بعد نهاية الحرب الباردة وزوال النظام الثنائي القطبية وبروز النظام الأحادي القطبية التي انفردت فيه الولايات المتحدة الأمريكية بالمسرح العالمي. ومما لاشك فيه أن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة باعتبار عام 2001 حوار الحضارات استجابة لمبادرة الرئيس خاتمي رئيس الجمهورية الإيرانية الإسلامية قد أدى إلى انعقاد مؤتمرات وندوات دولية عديدة لمناقشة الموضوع. والكتاب ينقسم إلى قسمين: القسم الأول تدور دراسته حول الحضارات بين الحوار والصراع، حيث تؤصل فكرة الحوار أما القسم الثاني فيتم التعرض فيه للحوار الفلسطيني الإسرائيلي ومن المعروف أن هيئة اليونسكو قد دعت لحوار حضارات انعقد في فلنيوس عاصمة ليتوانيا عام 2000، بالإضافة إلى انعقاد مائدة مستديرة في مقر الأمم المتحدة في نيويورك تحدث فيها عدد من قادة الدول عن وجهات نظرهم فيما يتعلق بحوار الحضارات. وإذا كانت الحركة الفكرية العميقة الخاصة بمناقشة مختلف أبعاد حوار الحضارات من حيث فلسفة الحوار ومنطلقاته ومناهجه وأهدافه قد شغلت العقل العالمي، إلا أنه يمكن القول أن الهجوم الإرهابي الكاسح على الولايات المتحدة الأمريكية، وما تبعه من ردود أفعال سياسية وعسكرية وفكرية، قد أعاد العالم إلى أجواء صراع الحضارات، ويعد ما حدث هجوم غير مسبوق وغير مبرر في الواقع على الإسلام والمسلمين وعلى العرب بوجه خاص، بحكم ـ كما قيل ـ تورط عدد من الإرهابيين العرب في تنظيم وتنفيذ الهجوم الإرهابي على الولايات المتحدة الأمريكية. وليس هناك من شك في أن تصاعد موجات العولمة بتأثير تعمق آثار الثورة الإتصالية الكبرى والتي تعتبر شبكة الإنترنت هي رمزها البارز، أسهمت في بلورة عديد من ملامح هذه الحضارة العالمية البازغة، والتي تعتمد اعتمادا أساسيا على الثورة العلمية والتكنولوجية التي قامت منذ عقود في عدة بلاد صناعية متقدمة، وساعدتها على الإنتقال بكفاءة من المجتمع الصناعي إلى مجتمع المعلومات العالمي، والذي تحول ـ ببطء وإن كان بثبات ـ إلى مجتمع المعرفة. وهذه الحضارة العالمية تثير في الواقع إشكالية متعددة، ولعل أول الأسئلة المطروحة بشأن شروط حوار الحضارات في هذا المجال هو: هل الحوار المتكافئ والمتبادل بين الحضارة الأوروبية العلمية والتكنولوجية والحضارات التقليدية للعالم الثالث ممكن ؟ وجواب الباحث على هذا السؤال قائم على ضرورة هذا الحوار وبناء على استقراء شواهد واقعية ذلك أن ممثلي الحضارات التقليدية من الساسة والمفكرين أدركوا منذ زمن أنه لا يمكن لهم أن يخرجوا من دائر التخلف والدخول في عالم التقدم الإنساني بكل ميادينة، إلا بإقتباس عديد من القيم والمؤسسات والإنجازات التي حققتها الحضارة الأوروبية العلمية والتكنولوجية. ولم يمنع من دوام عملية الاقتباس المناظرات الكبرى التي دارت بين المحافظين في الحضارات التقليدية والمحددين ذلك أن المحافظين أحتجوا بأن اقتباس أدوات التقدم الأوروبي من شأنه القضاء على الخصوصيات الثقافية العربية والإسلامية، كما دارت في آسيا واليابان على وجه الخصوص، الغربية وهم الذين نجحوا في النهوض باليابان علميا وتكنولوجيا بحيث أصبحت في مقدمة الدول الصناعية والتكنولوجية الرائدة في العالم. ومعنى ذلك أن التيار المحافظ قد هزم تاريخياً. الحوار إذن دائر منذ زمن بين الحضارة العلمية والتكنولوجية والحضارات القديمة التقليدية ولكن هل هو حوار متكافئ أولا؟ الإجابة أنه لا يمكن أن يكون متكافئا ذلك أن الحضارة العلمية والتكنولوجية في مركز القوة وهي صاعدة بقوة الدفع التي إستمدتها منذ قرون، حين قامت الثورة الصناعية في أوروبا التي شيدت على أساسها مجتمعات صناعية، اثرت تأثيرا عميقا في أنساق القيم وإتجاهات الناس وسلوكهم الاجتماعي. وذلك اعتمادا على قيم الحداثة الغربية التي تتمثل أساسا في العقلانية والفردية والاعتماد على العلم والتكنولوجيا، وتبني مفهوم وضعي في البحث العلمي يركز أساسا على ما يمكن قياسه، والابتعاد عن أنماط التفكير الأسطوري والغيبي غير أن الحضارات التقليدية مازالت في غالبيتها العظمى غارقة في أنماط التفكير غير العلمية، وكثير من الأقطار الواقعة في دائرتها تسودها نظم شمولية وسلطوية غير ديمقراطية، وبالتالي هناك حواجز عديدة أمام حرية التفكير والتعبير. .وحتى بالنسبة للدول الشمولية والسلطوية من بينها التي نجحت في اقتحام ميادين العلم والتكنولوجيا الحديثة، فهي لم تستطع تسخيرها للقيام بالتنمية البشرية المتكاملة، نتيجة دخول هذه النظم في حروب عقيمة مع جيرانها، أو لانغماسها في حروب أهلية. وهناك سؤال آخر: هل تعبر القيم العلمية والتكنولوجية عن حضارة عالمية أم أنها تعكس تقنينا لحضارة واحدة؟ وفي تقدير الكاتب أن القيم العلمية والتكنولوجية أصبحت في الواقع تعبر عن حضارة عالمية وهي أن نبعت أساسا في إطار الحضارة الغربية، فعلينا ألا ننسى أن هذه الحضارة هي حضارة إنسانية، سبق لها أن أخذت من حضارات سابقة عليها، وأهمها على وجه الإطلاق الحضارة المصرية القديمة والحضارة الإسلامية في عصرها الذهبي أيام كانت منتجه للعلم بكل فروعه، ورائدة في علوم الطبيعة والكيمياء والفلك. بعد ذلك يتوقف الباحث أمام كيفية تنفيذ الحوار بين الحضارات ولعل أولى الأسئلة المطروحة في هذا الطريق هي: هل تنفيذ الحوار بين الحضارات يتطلب تعريفا عالميا متفقا عليه على ما هي الحضارة ؟ وقد ميز العلم الاجتماعي منذ فترة مبكرة بين مفهومي الحضارة والثقافة والحضارة كمفهوم تركز أساسا على الأدوات والمنتجات المادية، في حين أن الثقافة تعني أساسا بالقيم والجوانب المعنوية. ورغم تسجيل الباحث للخطتين في مسار حوار الحضارات الذي دار مواكبا لبروز ظاهرة العولمة في التسعينات اللحظة الأولى هي التي برزت فيها الفكرة المضادة التي أذاعها عالم السياسة الأمريكي صمويل هنتنجتون، وهي التي مفادها إننا سنشهد ليس حوارا بين الحضارات، ولكن على العكس صراعا حادا بينها، وخصوصا بين الحضارة الغربية وحضارات أخرى قديمة كانت أو متجددة، ربما كان على رأسها الحضارة الإسلامية، وهكذا ركزت هذه الفكرة المضادة التي أثارت جدلا شديدا على المستوى العالمي، ليس على التعاون الثقافي بين الأمم في عصر العولمة، ولكن على ما أطلق عليه الحروب الثقافية غير أن اللحظة الفارقة الثانية، هي بلاشك مبادرة الرئيس محمد خاتمي رئيس الجمهورية الإيرانية الإسلامية التي أطلقها في خطابه التاريخي أمام الجمعية العام للأمم المتحدة عام 1999، والتي دعا فيها لتحويل حوار الحضارات من مجرد فكرة يتداولها الفلاسفة والمؤرخين والعلماء الاجتماعيين إلى سياسة ثقافية عالمية تتبناها الأمم المتحدة. ومما لاشك فيه أن هذه المبادرة الإيرانية كشفت لنا الجانب الاستعلائي والعنصري في حضارة الغرب التي رفعت شعار صراع الحضارات والحروب الثقافية. من هنا موضوع حوار الحضارات أصبح يحتل مكان الصدارة في قائمة الاهتمامات الفكرية للعلماء الاجتماعيين والساسة ومراكز الأبحاث والمؤسسات الدولية وقد خلص الباحث إلى أهمية الخروج بنموذج توفيقي عالمي جديد يتسم بسمات أربع لو استطاعت قوى التقدم أن تنتصر: 1- التسامح الثقافي المبني على مبدأ النسبية الثقافية في مواجهة العنصرية والمركزية الأوروبية والفردية. 2- النسبية الفكرية بعد أن تنتصر على الإطلاقية الإيديولوجية. 3- إطلاق الطاقات الخلاقة للإنسان في سباقات ديمقراطية، على كافة المستويات 4- العودة إلى إحياء المجتمعات المحلية وتقليص مركزية الدولة. 5- إحياء المجتمع المدني في مواجهة الدولة التي غزت المجال العام. 6- التوازن بين القيم المادية والقيم الروحية والإنسانية. كما يقترح الباحث في تعريفة للحضارة وتميزها عن خضارة أخرى أن تكون لها رؤية للعالم بما يعني النظرة للكون والمجتمع والإنسان وفي ضوء هذا المفهوم يمكن القول أن الحضارة العربية الإسلامية لها رؤية محددة للعالم وهذه الرؤية عادة ما تتشكل بناء على القيم الأساسية الحاكمة بالإضافة إلى نتيجة التفاعل الثقافي الواسع المدي بين الأنا والأخر، والذي يجعل هذه الرؤية فريدة حقا، ولا تتكرر بالضرورة في حضارات أخرى. ولعل هذا يطرح سؤالا: هل هناك تعارض حتمي بين الخصوصية الثقافية والعالمية؟ وبالذات بعد بروز ظاهرة العولمة بكل تجلياتها السياسية والاقتصادية والثقافية ويمكن القول أن الخصوصية الثقافية هي السمات البارزة لثقافة معينة، سواء كانت هذه الثقافة محصوره في إطار مجتمع محدد كالمجتمع المصري على سبيل المثال، أولها إمتدادات إقليمية واسعة كما هو الحال بالنسبة للمجتمع العربي، وقد يصل الحال أحيانا إلى إمتدادات غير قومية، حين نتحدث عن خصوصية الثقافة الإسلامية على سبيل المثال ومن المعروف إن العقل الأخلاقي العربي ـ جوهر الخصوصية العربية ـ تشكل تاريخيا من خلال موروثات خمسة: الموروث الفارسي، الموروث اليوناني، الموروث الصوفي الأجنبي، الموروث العربي الخالص قبل الإسلام، الموروث الإسلامي. ومن هنا يتبين للقارئ أيضا أن الخصوصية الثقافية ليست بناءا مغلقا، بل إنها أشبه بوعاء حضاري منفتح على التأثيرات التي تفد إليه من التفاعل العميق مع حضارات أخرى وقد ركز الباحثون العرب في العقد الأخير على مناقشة الأزمة الثقافية العربية، وقد تم التركيز من قبلهم على: أزمة الشرعية، والشرعية تعرف بمعنى قبول الأغلبية العظمى من المحكومين لحق الحاكم في أن يحكم، وأن يمارس السلطة ربما في ذلك إستخدام القوة أما عن مصادر الشرعية فهناك إتفاق بين العلماء الاجتماعيين على أن النموذج الذي صاغه ماكس فيبر، يكاد يكون حتى اليوم النموذج الشامل لمصادر الشرعية: التقاليد، الزعامة الملهمة الكاريزما العقلانية القانونية. وإذا تتبعنا التاريخ سوف يتكشف لنا جميعا تآكل شرعيتها السياسية، ذلك من جراء فشلها الذريع في الحفاظ على الاستقلال الوطني ومواجهة تهديدات الأمن من قبل إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية وفشلها في التنمية وعجزها عن تحقيق قيم الديمقراطية والمشاركة السياسية. ومن هنا فقد أدت ممارسات الدولة التسلطية العربية في العقود الأربعة الأخيرة إلى مجموعة مترابطة من الظواهر السياسية والاجتماعية والثقافية والنفسية أبرزها: ـ شيوع اللامبالاة السياسية بين الجماهير المقموعة، وبروز ظاهرة الاغتراب على المستوى المجتمعي والفردي. ـ ظهور الثقافات المضادة للدولة التسلطية وإزدياد حركيتها السياسية مثل حركات الإسلام السياسي التي تدعو إلى الرفض القاطع للدولة العلمانية والنموذج الثقافي الغربي. ـ بروز تيار علماني ديمقراطي مضاد للتسلطية يسعى إلى إحياء المجتمع المدني. وهناك بالإضافة إلى أزمة الشرعية في الثقافة العربية، أزمة الهوية والتي تتحدد بمعرفة وتحديد صورة الفرد عن وضعه في المكان المحيط به، وعن مجرى الزمن ومكانه فيه، وعن الكون من حيث نسق العلاقات المنظمة وعن القيم التي تتألف من الأحكام المتعلقة بما فيها من خير وشر. وأخيرا هناك بعد ثالث للأزمة الثقافية العربية وهو أزمة إتخاذ القرار غير المعبر عن أصحاب المصلحة في القطر والأمة. القاهرة ـ أمين اسكندر