بيان الكتب: يعمل جون داربي أستاذاً مقيماً في معهد دراسات السلام الدولي التابع لجامعة نوتردام وكان قد عمل استاذاً للدراسات الاثنية في جامعة «الستر»، كما كان أحد الأعضاء البارزين في معهد دراسات السلام في الولايات المتحدة، ساهم مؤخراً في تحرير كتاب «ادارة السلام» مع عدد آخر من الباحثين. يبحث «جون داربي» والمساهمون في الكتاب «آثار العنف على مسيرة السلام» في عدد من الحالات العيانية والتي يشكل الصراع العربي الاسرائيلي حالة واحدة منها، هذا مع ان تعبير مسيرة السلام يوحي مباشرة وحصراً بأن المقصود هو مسيرة السلام في الشرق الأوسط، لكن المؤلفين يدرسون في الواقع عدة حالات أخرى تخص شمال أيرلندا ـ أيرلندا الشمالية ـ حيث يمارس الجيش الجمهوري ومنذ سنوات طويلة العنف في مواجهة عنف آخر تمارسه قوى الأمن التابعة للسلطة المركزية البريطانية وحيث ان الأرضية الأساسية التي يقوم عليها هذا العنف هي ذات طابع ديني مذهبي وبروتستانتي كاثوليكي. ويدرس الكتاب أيضاً حالة العنف في جنوب أفريقيا التي غدت أحد اكثر المناطق عنفاً في العالم على قاعدة الأزمة الاقتصادية والتفاوت الاجتماعي الكبير وإرث النظام العنصري الأبيض الذي ساد طويلاً في جنوب افريقيا، كذلك تتعرض بعض مساهمات هذا الكتاب لنزاعين آخرين يعرفان أيضاً درجة كبيرة «ومستمرة» من العنف ويخصان «منطقة الباسك» في اسبانيا وسيريلانكا. وإذا كانت دراسات هذا الكتاب تخص مناطق مختلفة من العالم فإن «جون داربي» والمساهمين الآخرين من الكتاب يميّزون في الواقع بين عدة مستويات ومصادر للعنف.. يحددها «جون داربي» نفسه بالعنف الذي تمارسه الدول، والعنف الذي يمارسه المناضلون من شتى الألوان والانتماءات الايديولوجية والسياسية والعنف الجماعي الرامي إلى المساهمة في تحسين شروط المفاوضات للوصول إلى حالة السلام في عدد من النزاعات المزمنة التي يعرفها العالم. ولكن في هذه الحالات كلها يبدو ان للعنف آثاره في عملية السلام وعليها أيضاً، ويتم في الواقع التمييز بين أربع حالات، مراحل يكون للعنف فيها «وظائف» متباينة وهي تخص ما قبل المفاوضات وأثناء وقف اطلاق النار «الهدنة» وأثناء المفاوضات للوصول إلى حل سياسي وما بعد المفاوضات، ويرى جون داربي انه في كل مرة ينتهي فيها العنف السياسي إلى وقف اطلاق النار ـ الهدنة ـ فإن عودة ظهوره من جديد بأشكال أخرى تشكل تهديداً كبيراً لمسيرة السلام. وعبر العديد من عمليات المقارنة بين اشكال العنف السائدة اليوم يتم تقديم نوع من «التأريخ» لمسيرات السلام في مختلف الحالات المدروسة وحيث ان «المصادر» التي ينبثق عنها العنف قد تختلف من حالة إلى أخرى، ولكن يبقى في جميع الحالات من الصعب التمييز بسهولة بين «شرعية» ممارسة العنف باسم النضال الوطني وحق تقرير المصير الذي أقرته المواثيق الدولية، وفي مقدمتها ميثاق الأمم المتحدة، وبين ما يسمى اليوم بـ «الارهاب» ذلك ان «الرؤية» تختلف تماماً تبعاً لزاوية النظر ولموقع الذي ينظر. تتوزع مساهمات هذا الكتاب بين نمطين من الدراسة احدهما «نظري» يقدمه «جون داربي» والآخر «تطبيقي» أو دراسة حالات يقوم بها باحثون آخرون كل منهم من موقع اهتمامه، وهكذا مثلاِ يقوم «جون داربي» نفسه أيضاً بدراسة «العنف في ايرلندا الشمالية» بواقع اصله الايرلندي بينما يقوم «ك.م دوسيلكا» بدراسة الحالة السيريلانكية باعتباره مديراً لمركز الدراسات الاثنية في سيرلانكا منذ عام 1982، ويتعرض الكاتب والصحفي «جون والدش» المعروف بمساهماته حول المسائل المختصة بالسلام والمهتمة بقضية الشرق الأوسط بدراسة العنف في مسيرة السلام بالشرق الأوسط، انه يقدم أولاً تمهيداً تاريخياً لموضوعه مع التوقف طويلاً لبحث السياق الذي أطلق فيه اللورد بلفور «وعده» ووصولاً إلى اتفاق السلام، الذي رعته الولايات المتحدة الأمريكية برئاسة جيمي كارتر ووقعه الرئيس المصري آنذاك أنور السادات ورئيس الوزراء الاسرائيلي مناحيم بيجين، لكن اسرائيل وبدلاً من ان تعطي للفلسطينيين استقلالاً ذاتياً كاملاً في الأرض التي كانت قد احتلتها عام 1967، كما تنص معاهدة السلام ذاتها، قامت بتنفيذ خطط استيطانية يهودية في الضفة وقطاع غزة، بل انها قمعت أي مظهر من المظاهر الوطنية الفلسطينية بعنف متزايد، ثم نشبت حرب الخليج كي تشكل واقعاً جديداً ساعد على الانطلاق من جديد بمسيرة سلام توصل إلى اتفاق أوسلو الذي شكل خطوة نحو السلام ولكنه لم يفتح الطريق كاملاً إليه، ان الكاتب يستعرض في هذا السياق سياسات الحكومة الاسرائيلية المتعاقبة خلال السنوات الأخيرة وصولا إلى الائتلاف القائم حالياً بقيادة ارييل شارون بعد الانتصار الذي حققه معسكره أثناء انتخابات شهر فبراير من عام 2001 والذي جعل هدفه الأساسي في اخماد أية مقاومة فلسطينية وانهاء الانتفاضة الثانية بكل وسائل القمع بما فيها الدبابات والطائرات ويبقى الموقف عند كتابة هذه الدراسة يوليو 2001 متفجراً إلى درجة خطيرة، يقول الكاتب: «العنف .. والسلام» معطيان أساسيان لمسيرة واحدة