بيان الكتب: كارين ارمسترونج هي كاتبة بريطانية من طراز فريد. عملت لمدة سبع سنوات راهبة في الكنيسة لتخرج بعدها وتولي اهتمامها للأديان السماوية الأخرى، وخاصة الدين الاسلامي الذي قدّمت عنه عدة كتب من بينها عمل يحمل عنوان «الاسلام، تاريخ مقتضب» الذي صدر عام 2000، كما أصدرت عام 2001 كتاباً عن البوذية بعنوان «بوذا». ساهمت كارين ارمسترونج في اعداد العديد من البرامج التلفزيونية التي تتناول قضايا دينية، وبكثير من التقدير والاحترام.. وكانت قد اقامت في الشرق الأوسط لفترة من الزمن حيث عايشت عن قرب القضية الفلسطينية وأدركت مدى الظلم الذي يعاني منه الفلسطينيون. ولها باستمرار مساهمات ومقالات في العديد من الدوريات والصحف البريطانية والعالمية.. وكانت قد حازت على عدة جوائز على أعمالها.. وبلغ عدد مؤلفاتها حوالي الـ 15 كتاباً. إذا كان هذا الكتاب «الحرب المقدّسة» قد عرف طبعته الأولى عام 1988 فإن المؤلفة تفتتح هذا العمل بالحديث عن أحداث 11 سبتمبر 2001 التي أدّت الى تدمير برجي مركز التجارة العالمية في نيويورك، الأمر الذي أعقبه إعلان الرئيس الأمريكي جورج بوش عن بدء حملة جديدة ضد الارهاب.. ومع تأكيد المؤلفة بأن هذه الحملة ليست موجهة ضد الإسلام، إلا أنها تشير الى استخدام الرئيس بوش لسوء الحظ لتعبير «حرب صليبية».. وهذا التعبير هو «أكثر ما يمكن ان يثير الاستياء لدى العالم الإسلامي»، حسب تأكيد المؤلفة التي تشير أيضاً في السياق نفسه الى أن هذا العالم الاسلامي كان قد تحدث عن «عودة الحرب الفلسطينية» عندما سقطت القنابل الأمريكية والبريطانية على بغداد أثناء حرب الخليج الثانية. وضمن الإطار نفسه ترى كارين ارمسترونج في الانتفاضة الفلسطينية ضد الاحتلال الاسرائيلي حركة مقاومة وطنية بالدرجة الأولى إذ يشترك فيها الفلسطينيون جميعهم بعيداً عن انتماءاتهم الدينية.. لكن هذا لا يمنع واقع أن نشاط بعض المنظمات الدينية اعطاها بعداً دينياً للمرة الأولى. وكانت هذه الانتفاضة قد دفعت اسحاق رابين بضرورة البحث عن السلام لإنهاء الصراع العربي ـ الإسرائيلي: لكن رابين اغتيل على يد «متطرف يهودي» ما أظهر بأن التطرف العقائدي يمكن أن يكون سلاحاً في الصراع.. وتشير المؤلفة هنا الى اغتيال الرئيس المصري الراحل أنور السادات على خلفية التطرف الديني. وفي عودة الى التاريخ تشير المؤلفة الى حالة السلام والوفاق التي كان المسلمون والمسيحيون، والقليل من اليهود الذين كانوا يتواجدون في البلاد، يعيشونها في ظل الحكم الاسلامي.. لكن وصول الحملة الصليبية الى القدس في شهر يوليو من عام 1099 والقضاء على حوالي 40 ألف شخص، أغلبيتهم الساحقة من المسلمين، خرّب تلك العلاقات ولم تعد الى سابق عهدها. ان الحملة الصليبية قد تركت آثارها المأساوية على مدينة القدس أكثر من غيرها، بحيث أصبح التعايش بين أبناء عقيدة إبراهيم حلماً مستحيلا. وكان للحملة الصليبية آثارها أيضاً على الصعيد الأوروبي حيث ساد الحقد على العالم الاسلامي الذي بدا بمثابة «عدو الحضارة الغربية».. كذلك استشرت كراهية اليهود في أوروبا. إن مثل هذه الأحكام لها دور مهم بالنسبة للادراك الغربي للنزاعات القائمة اليوم بل وبالنسبة لنظرة الشعوب الغربية الى منطقة الشرق الأوسط. ومن هنا يأتي حديث المؤلفة عن «الآثار الراهنة والكبيرة للحروب الصليبية على عالم اليوم». كما جاء في العنوان الفرعي للكتاب. إن مؤلفة هذا الكتاب تضع الحروب الصليبية في إطارها التاريخي منذ أن أطلق البابا اوربان الثاني في شهر نوفمبر من عام 1095 دعوته لأمراء أوروبا من أجل وقف التقاتل والصراع فيما بينهم والتوجه الى القدس لـ «تحريرها من مغتصبيها الأتراك المسلمين». وفي ربيع العام التالي كان هناك نحو ستين ألف جندي أوروبي على استعداد للتوجه الى الشرق وبدء الحرب الصليبية. وضمن هذا الإطار تقوم المؤلفة بعودة الى دراسة تاريخية نشأة الاسلام حيث تؤكد ان انتشاره لم يتم بحد السيف، بل إن كلمة «إسلام» نفسها تأتي من سلام وبأن القرآن الكريم يندد بالحرب ولا يبررها حتى وإن كان يراها أحياناً ضرورية للقضاء على الظلم والمعاناة. هذا إلى جانب الدعوة كي تكون إنسانية بقدر الإمكان. وتذكر المؤلفة بهذا الصدد بأن الحرب كانت قد فُرضت على الرسول الكريم من قبل أهل مكة واليهود والمسيحيين الذين كانوا يدبرون خطة للهجوم عليه وعلى أتباعه.. ومع ذلك، تؤكد المؤلفة ـ لم يندد الرسول بأهل الكتاب.. فالحرب قد فرضت على المسلمين للدفاع عن أنفسهم، وكانت التعليمات واضحة لجنود المسلمين وهي أن يحاربوا بشجاعة ولكن دون المساس بالرهبان أو الراهبات أو المرضى أو المسنين وكذلك ألا يقتلعوا شجرة ولا يهدموا منزلاً. وتجد آثار الحروب الصليبية على عالم اليوم ترجمتها الواضحة في الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وترى المؤلفة ان الفلسطينيين قد تعرّضوا للاضطهاد مثلما كان اليهود قد تعرّضوا له في الغرب لنحو مئة عام. إنها تذكرني في هذا الصدد عدداً من الاحصائيات ذات الأهمية بالنسبة للقارئ الغربي، عندما تصدر عن كاتبة مسيحية ـ راهبة سابقاً ـ حول الأوضاع في فلسطين عند إعلان وعد بلفور. وتشير هذه الاحصائيات الى ان عدد المسلمين العرب كان 512 ألف نسمة في حين كان عدد المسيحيين العرب 61 ألفاً بينما لم يكن عدد اليهود يزيد على 66 ألفاً. وتذكر كارين ارمسترونج بهذا الصدد العديد من الفظائع التي ارتكبها الجيش الاسرائيلي ضد الفلسطينيين والتي كان من بينها «مذبحة دير ياسين» الشهيرة. وكانت حرب يونيو 1967 بمثابة «مفصل حاسم» في الصراع العربي ـ الإسرائيلي حيث بدأ عدد من القادة الصهاينة يستخدمون بعد هذه الحرب مباشرة اصطلاح «الحرب المقدّسة» في التعامل مع العرب.. وتزايدت مثل هذه الدعوات بعد حرب أكتوبر 1973 التي ردّت للعرب بعض اعتبارهم. وكانت مثل هذه الأفكار قد ظهرت أولاً لدى اليمين المتطرف اليهودي الذي لم يكن يمثل سوى نسبة ضئيلة جداً في البداية. لكن هذه النسبة ازدادت كثيراً بحيث انها أصبحت تشكل عائقاً كبيراً أمام امكانية الوصول بأية عملية سلام الى نهايتها، هذا إذا كانت قد توفرت النية للوصول إلى مثل هذا السلام. ويمثل هذا اليمين الديني اليوم عدداً من الحركات السياسية التي تطالب بممارسة أكبر درجات العنف ضد الفلسطينيين. وتفتح المؤلفة في هذا السياق قوسين لتناقش سيرة أحد رموز اليمين الديني المتطرف اليهودي، وهو مائير كاهان، الذي عمل لفترة من الزمن في مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي كي يصبح بعد ذلك من أكبر الذين قاموا بعمليات ارهابية ضد من تم اعتبارهم معادين للسامية أو لليهود.. وبالطبع تركز نضاله ضد الفلسطينيين العرب الذين طالب بمنحهم تعويضاً مالياً وترحليهم خارج الأراضي الفلسطينية. وترى كارين ارمسترونج ان مثل هذه الدعوات المتطرفة تدل على ان هناك من يريد تحويل الصراع الى نوع من «الحرب المقدّسة». فهل يعيد التاريخ نفسه؟! وعلى مثل هذه الخلفية من التحليل تناقش المؤلفة اغتيال الرئيس المصري الراحل أنور السادات الذي ترى به زعيماً مسلماً يحظى بالاحترام الكبير في العالم الغربي باعتباره «بطل السلام». هذا على الرغم من ان قاتليه وملايين المصريين لا ينظرون إليه هذه النظرة حيث يعتبرونه «خائناً وكافراً لأنه قبل سلاماً مهيناً مع أعداء الله». هكذا كانت شوارع القاهرة خالية ليلة اغتياله بينما كانت تلفزيونات العالم وشخصياته الكبرى تنعاه. وتقارن المؤلفة في هذا الاطار بين جنازة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر التي شارك فيها ملايين البشر وجنازة الرئيس الراحل أنور السادات التي حضرها زعماء العالم وكان من بينهم اسرائيليون بينما غاب عنها الأغلبية الساحقة من الزعماء العرب والجماهير المصرية. وترى ارمسترونج ان الرئيس الراحل أنور السادات كان قد أراد أن يصبغ حكمه بصبغة دينية، إذ زاد كثيراً من عدد المساجد وأدخل قوانين جديدة تذهب في اتجاه فرض الكثير من القيود. كما زاد من نفوذ «الجماعات» الإسلامية» بقصد التصدّي للتيارات اليسارية، لكنه لم يستطع السيطرة عليها فيما بعد وانتهى الأمر بأن قام بعض أفرادها بقتله. وتؤكد الكاتبة في شروحها وتحليلاتها على تأثير الحملات الصليبية على الحياة العامة في العصور الحديثة وخاصة في منطقة الشرق الأوسط. وتقول ان تلك الحملات لم تكن مجرد حركة عابرة عرفتها القرون الوسطى وانما كانت حركة عميقة كان لها أثرها على تشكل الهوية الغربية الجديدة والتي لا تزال مستمرة حتى اللحظة الحاضرة. كذلك ترى ان الحملات الصليبية أظهرت أبشع الصور لتطبيق الديانة المسيحية وتعاليمها.. وتبدي في هذا الاطار استياءها من جديد مما يحدث في فلسطين وأراضيها المقدّسة وتقول ان اليهود كانوا قد عرفوا في القرن الأول الميلادي نوعاً من الحرب المقدّسة انهزموا فيها.. أما اليوم فإنهم، أي اليهود، يقومون بدور المحتل الغاشم في فلسطين ويقومون بممارسات وأعمال كان يمكن ان تصيب الرومان أنفسهم بالصدمة. وفي إطار الحديث عن مدى ارتباط الناس بالأماكن المقدسة التي تخصهم وإمكانية ان تتسم سلوكياتهم بالعنف لأسباب تتعلق بهذه الأماكن، تروي المؤلفة بأنها وأثناء قيامها بتصوير مقبرة السيد المسيح بصحبة عدد من الفنيين الاسرائيليين ارتفع صوت المؤذن في المسجد المقابل للدعوة للصلاة. وكان هذا المسجد قد تم بناؤه في المكان الذي صلّى فيه الخليفة عمر بن الخطاب بعد أن رفض دعوة البطريرك للصلاة داخل الكنيسة للحفاظ على هويتها. ومع الظلمة التي كانت تحيط بالمكان شعرت المؤلفة بأنها تعيش في قدس صلاح الدين. غير أن أعضاء الفريق الفني الإسرائيلي كان لهم رأي آخر. فقد أخذوا يسخرون من المؤذن وطريقة إلقائه. مما أعاد الى ذاكرة كارين ارمسترونج المراسيم التي شهدتها القرون الوسطى والقاضية بمنع رفع الأذان حتى لا يتم تذكير الناس بوجود الاسلام. ولكن بالمقابل ترى المؤلفة ان هناك مبالغة مقصودة من جانب الفلسطينيين لرفع أصوات مكبرات الصوت للتأكيد بأنهم موجودون وسيظلون في فلسطين ولن يتركوها.. لكنها ـ أي المؤلفة ـ ترى انه من المهم توجيه مثل هذه الرسالة للإسرائيليين لتذكيرهم بأن العرب موجودون وانه تتم معاملتهم كبشر من الدرجة الثانية. وفي المحصلة تصل المؤلفة الى نتيجة مفادها انه ينبغي على أبناء ديانات التوحيد الثلاث من مسلمين ومسيحيين ويهود إيجاد سبل للاحترام المتبادل بحيث يتعاون الجميع في سلام ومحبة، كما تدعو مختلف العقائد السماوية. وتتحدث المؤلفة في كتابها عمّا اسمته «الآمال الضائعة» في إقرار سلام دائم في الشرق الأوسط بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد عام 1979.. ولكن هذه الآمال سرعان ما تبخّرت فالرئيس الأمريكي كارتر فشل في تجديد رئاسته بسبب عجز أمريكا عن إطلاق سراح الرهائن الأمريكيين في طهران.. والرئيس المصري الراحل أنور السادات قتله مسلمون «متطرفون» مصريون بسبب كامب ديفيد تحديداً.. كما واجه مناحيم بيجن في اسرائيل حملات نقد عنيفة من قبل اليهود المتطرفين ومن قبل العلمانيين بالوقت نفسه لأنه «أعاد شبه جزيرة سيناء للسيادة المصرية». لذلك ترى المؤلفة ان المشكلة تبلغ درجة من التعقيد لدرجة يصبح معها من الصعب حلها من خلال الاتفاقيات العادية. ذلك انه يمكن التنازل في جميع القضايا العملية والسياسية ولكن «عندما يتعلق الأمر بمعتقدات دينية فإننا نغلق أعيننا عن المنطق وعن الحقائق الواضحة وتبتعد تصرفاتنا كل البعد عن العقلانية». وماذا إذن عن مستقبل الصراع العربي ـ الإسرائيلي؟ تجيب المؤلفة عن هذا السؤال بالتأكيد باستحالة التنبؤ من خلال التوقعات السياسية المعتادة حيث إن هذا النزاع تتداخل فيه الكثير من العواطف والمعتقدات مما قد يكون له آثار سيئة جداً بالنسبة للمنطقة.. ومن هنا لابدّ من البحث الحثيث عن السلام، وعلى الغرب أن يساعد حقيقة على ذلك خاصة وان الشعور المعادي له يزداد في المنطقة.. ثم ان الغرب عليه مسئولية في هذا المكان ولا يجب عليه الاكتفاء بالتنديد والتأييد والحروب الصليبية لم تعد مجرد أحداث تاريخية من العصور الوسطى فهي لا تزال حاضرة وراهنة في أوروبا والولايات المتحدة. وإذا كان من الصعب على الغرب تغيير المفاهيم الصليبية فإن عليه ان يبدأ في ذلك.. كما ينبغي على ديانات التوحيد الثلاث ان تعمل من أجل ايجاد أرضية مشتركة للتفاهم. كتاب يعالج أكثر الاشكاليات والقضايا حساسية بشكل واضح وصريح ودون أي تنازلات حول ما تعتقده المؤلفة حقائق لا تنبغي المساومة عليها.