بيان الكتب: فيليب لابرو هو صحفي وكاتب وروائي فرنسي عمل في الصحافة المكتوبة والمسموعة والمرئية. نشر عدة كتب بين الرواية والدراسة والتأملات. ومن أهم أعماله «سفن في الليل» و«الطالب الاجنبي» و«موعد في كولورادو» و«رسائل من أمريكا» بالاشتراك مع أوليفييه بارو. «أعرف بشراً من كل الاصناف».. يتحدث بالفعل عن بشر عرفهم المؤلف وهم في الواقع بشر من المشاهير مثل جون كيندي وودي آلن وارنست همنجواي وجاك نيكلسون وفرانسوا ميتران وميشيل بلاتيني وفرنسيس فوكوياما وميشيل روكار وغيرهم... كان فيليب لابرو قد تعرف على هؤلاء البشر من كل الاصناف أثناء تعاونه مع مجلة «فوج» الشهرية الشهيرة خلال عقد السبعينيات، ومجلة «لوبوان» خلال الثمانينيات وصحيفة «لوموند» بالنسبة للتسعينيات.. انه الصحفي الذي يتحدث إذن وليس الروائي. إن بعض النصوص المنشورة في هذا الكتاب تعود كتابتها الى عقد السبعينيات الماضي ثم الى العقدين اللذين تلاه. العديد من المعنيين، لم يعودوا في عداد الاحياء، وآخرون قد تغيّرت مسيرة حياتهم أو شخصياتهم بدرجة كبيرة. ولكن المؤلف لم يغير حرفا ممكا كتبه وإنما أضاف في آخر كل دراسة «قراءة» جديدة لما كان قد كتبه سابقا، مما أعطى الموضوع رؤية راهنة للماضي من خلال أشخاصه الذين ساهموا في صناعته. كما ان «اعادة القراءة» توضح «ماهو عابر» و«ما هو باق». تجدر الاشارة هنا الى ان المؤلف قد استقى عنوان كتابه من خمسة أبيات للشعر كان الشاعر الكبير «ابولينير» قد نظمها ذات يوم، وتقول: «أعرف بشراً من كل الاصناف، أقدارهم لا تتساوى إنهم حائرون كأوراق الشجر الميتة وعيونهم خبأ منها البريق أما قلوبهم فتتحرك كأبوابهم». يتحدث المؤلف بداية عن لقائه مع جون فيتزجيرالد كنري عندما كان قد أصبح رئيسا للولايات المتحدة الامريكية والذي رآه آنذاك أشبه بأحد ممثلي هوليوود الشباب أكثر مما هو رجل سياسة تقليدي. لقد كان كل ما فيه يوحي بذلك من طريقة لباسه البسيطة حتى طريقة حديثه ونظراته، لكنه استطاع مع ذلك ان يفرض على الأمريكيين ايقاع حياة فيه الكثير من الحيوية وحب المعرفة والاكتشاف.. وذلك بعد ان كان هؤلاء الامريكيون أنفسهم لا يزالون يعيشون على الايقاع الذي تبنّاه احد رؤسائهم الكبار «ايزنهاور». وبشكل عام يتحدث المولف عما يسميه «اسطورة» رغم البساطة الكبيرة التي كان يتسم بها وعلى «جاذبية» الرجل الذي كانت تشهد له جماهير النساء الامريكيات بشكل خاص. وضمن الاطار نفسه يكرس المؤلف صفحات اخرى من كتابه لـ «اغتيال جون كيندي» أو ما يسميه بـ «ظلم الحياة». انه يعود للحديث عن هذا الرجل الذي حكم بلاده باستخدام عنصرين أساسيين هم «الدقة» و«الحس العملي البراجماتي»، ذلك انه لم يكن يحمل أية ايديولوجية محددة سوى ربما العداء للشيوعية الذي كان قد تأصل في رأسه منذ سنوات الطفولة الأولى مثل الاغلبية الساحقة من الامريكيين ومن جميع ابناء «الشاطيء الشرقي» فعليا. إن المؤلف ينقل عن جون كيندي حكاية تلخص رؤيته للحياة، إذ عندما كان رئيسا طرح عليه الصحفي الامريكي المرموق في الـ «نيويورك تايمز» سكوتي ريستون السؤال التالي: كيف ترى الحياة؟.. ظل الرئيس صامتا للحظات طويلة قبل ان يقدم تعريفه لمعنى وجوده، ثم نظر طويلا للصحفي ولم ينطق بأية كلمة. وبعد فترة طويلة ذات صباح بعد فشل عملية «خليج الخنازير» في كوبا تمتم جون كيندي مثل أحد طلبة المدارس الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة خطأ قد ارتكبوه: «ان الحياة ظالمة». ثم جاء «مقتله المبكر» وبالطريقة المأساوية المعروفة كي يترك لدى أجيال كاملة من الامريكيين الاحساس بفقدان الأمل، هذا الاحساس الذي رافق الامريكيين لعدة عقود من الزمن. إن شخصية امريكية كبرى ولكنها أدبية هذه المرة، شدت ايضا اهتمام المؤلف وخصها بعدة صفحات من كتابه.. انها شخصية «ارنست همنجواي» صاحب «العجوز والبحر» و«وداعاً للسلاح» و«ثلوج كلمنجارو» و.... والذي يقدمه على انه «نبع من الطاقة»، لكنه ترك في طريقه الكثير من «جثث الحب» و«الصداقات التي خانها» و«الأنانية المفرطة الملازمة تقريبا لكل الفنانين». والعديد من الصفات والمقدمات الأخرى التي دفعته بتاريخ يوليو 1961 الى ان يتكيء على بندقية الصيد التي كانت ترافقه باستمرار ويضغط على الزناد بعد ان كان على قناعة كاملة بأنه لم يعد قادرا على كتابة سطر واحد. لكن هذا لم يمنع مؤلف هذا الكتاب ان يؤكد بأن همنجواي كان «الرجل العظيم» بالنسبة له، بل والذي كان له تأثير كبير على طريقة كتابته الروائية.. ذلك ان «النفوذ الأدبي» يستمر طويلا بعد «رحيل صاحبه» واليوم يقول المؤلف في تعليقه عما كتبه عن انتحار همنجواي سابقا رغبته في ان يضيف بعد جملة «ضغط على الزناد» ما يلي «ثم اصطبغ كل شيء باللون الاحمر. الأرض والوجه المدمى ورداء الامبراطور.. كل شيء غدا أحمر مثل الشمس التي تشرق بعد ذلك بالنسبة له». وشخصية اخرى معروفة لا علاقة لها بالأدب والسياسة اختارها المؤلف للحديث عنها من بين «البشر» الذين عرفهم. المقصود هو «ميشيل بلاتيني» احد أشهر لاعبي كرة القدم في القرن العشرين.. أو الرجل الذي يتقن «فن توقع الأشياء» كما وصفه ايضا الرجل الذي عرف كيف يجتاح الحياة اليومية لجيل كامل من الشباب على الرغم من «حيائه» الكاسح. فأين يكمن سر عبقريته في اللعب؟ هذا ما يفسره الحوار التالي: ـ ميشيل بلاتيني كان هناك خمسة ملايين فرنسي يستطيعون الجري بسرعة أكبر مني ويقفزون الى أعلى، لكنني كنت الأفضل في اللعب. ـ لماذا؟ ـ لأنني كنت أعرف كيف أحلل المواقف مباشرة قبل مكوناتها. إن المؤلف لا يتردد في القول بأن بلاتيني هو الذي «غيّر» مسيرة كرة القدم في فرنسا، وهو الذي قادها فيما بعد كي تنال كأس العالم في هذه اللعبة. انه ينقل للقاريء «البريق الغريب» الذي رآه في عيني ميشيل بلاتيني يوم تلك الامسية الرائعة والفريدة التي فاز فيها فريق كرة القدم الفرنسي على الفريق البرازيلي في المباراة النهائية لكأس العالم لكرة القدم عام 1998 بثلاثة أهداف مقابل صفر، يقول: «ان بلاتيني وبابتسامة الطفل التي تعلو وجهه باستمرار رفع ذراعيه نحو السماء.. كانت السعادة تملأ قلب عبقري الكرة الفرنسية السابق الصغير». ومن خلال قراءة «مقالات» هذا الكتاب المتنوعة حول بشر من كل الاصناف، يبدو انهم يتقاسمون العديد من النقاط العميقة في شخصياتهم، فهم يتشابهون احيانا بشكل غريب في كون انهم «فنانون» و«مبدعون للسلطة» بكل أصنافها ايضا. سلطة مداعبة مخيلة قرائهم أو مشاهديهم أو الذين يتفرجون عليهم في الملاعب والنشاطات العامة وسلطة السياسة وسلطة الكلمة أو الصورة.. وبشكل عام سلطة جذب الآخرين، ثم انهم يمتلكون عامة في أعماقهم «الجرعة الضرورية من النرجسية» للبدء في مشروع أو أي عمل ابداعي وطرح الاسئلة على العصر الذي يعيشون فيه وعلى ناسه وايقاظ المشاعر المتنوعة فيهم، لكن دائما ضمن سياق عريض يندرج في اطار محاولة «تغيير» مسار التاريخ في ميادين اهتمامهم. ويشتركون ايضا في كون انهم قد أدركوا في لحظة ما من حياتهم بأنهم قادرون على ان يصبحوا «علامات فارقة» فذهبوا بحماس ونشاط نحو قدرهم كي يشابه واقعهم الصورة التي بنوها عن أنفسهم وان «يخلقوا الفارق» مع ما يحيط بهم. وملاحظة صغيرة في النهاية، لا يوجد بين شخصيات هذا الكتاب الذين يفوق عددهم العشرين شخصية سوى امرأة واحدة هي «كاثرين جراهام».. ولاشك بأن هناك خطأ في الاختيار وفي الحكم»