بيان الكتب: لا شك بان بسمارك «اوتو فان بسمارك» هو احد اشهر الشخصيات الاوروبية خلال العصر الحديث وليس فقط خلال القرن التاسع عشر الذي عاشه كله تقريباً فهو من مواليد عام 1815 وقد توفي عام 1898. ومن المعروف اطلاق صفة بسمارك العرب، على هذه الشخصية السياسية او تلك ممن حملوا حلم التوحيد القومي الى هذه الدرجة او تلك. اما السر في اطلاق هذه الصفة فيعود الى ان بسمارك كان قد اعاد توحيد المانيا بعد ان كان قد وصل الى الحكم عام 1862 بصفة رئيس للوزراء ووزير للخارجية بدعوة من ملك بروسيا غيوم الاول الذي قال ذات يوم «ليس من السهل دائماً ان يكون المرء امبراطوراً اذا كان رئيس حكومته مثل بسمارك». وقد كان بسمارك حتى وصوله الى السلطة شخصاً غير معروف تقريباً، وكان عمره آنذاك سبعة واربعين عاماً، ولكنه هو الذي صاغ الوحدة الالمانية، رغم انه لم يكن يستند على اي حزب سياسي او على اي تيار ايديولوجي. ومع هذا احتفظ بالسلطة مدة ثلاثين عاماً بكثير من الواقعية والبراجماتية وبإرادة حديدية اذ انه لم يكن يتراجع امام صعوبة او امام اي حساب دقيق اذا كان هذا يحقق له الغاية التي يسعى اليها، وبهذا المعنى كان مكيافيليا، لم يوفر اي عمل من اجل الوصول الى هدفه الرئيسي ولو كان ذلك يتطلب استخدام القوة، ان ذلك الهدف قد تمثل بالنسبة له في الوحدة الالمانية. وكان بسمارك ايضاً حسب الصورة المرسومة له في هذا الكتاب رجلاً ينتمي الى الماضي ولكن ايضاً رجلاً ينتمي الى عصره، كان ينتمي الى الماضي من حيث انه مثل نموذج الارستقراطي الرجعي، الذي كان يحتقر دون اية مواربة المبادئ الديمقراطية. وكان ينتمي الى عصره من حيث انه شجع النهوض الاقتصادي والصناعي لالمانيا وسن الكثير من قوانين الحماية الاجتماعية ليجعل من بلاده الاكثر حداثة على مستوى القارة الاوروبية كلها. ولعل الصفات التي التصقت اكثر من غيرها بشخصية اوتو فان بسمارك هي انه داهية وفظ ومتسلط وذو نزعة قتالية، ومبالغ .. الخ، واعتماداً على هذه الصفات كلها استشرى للاحتفاظ بالسلطة مدة ثلاثين عاماً وصادرها مستخدماً اقسى الاساليب ضد خصومه، هكذا بقي نقطة علام بارزة في تاريخ بلاده التي وحدها وخلق بذلك توازناً جديداً على صعيد القارة القديمة، مع قدرته المحافظة على نظام ملكي قوي في اجواء كانت الثورة الفرنسية قد خلقت فيها ديناميكات جديدة. وبهذا المعنى استطاع ان يقود بلاده في الاتجاه المعاكس للريح السائدة، وحيث كان الشعار السائد هو الجمع بين التنمية الاقتصادية والتقدم الديمقراطي، اما بسمارك فقد صاغ نمطاً رأسمالياً المانياً حديثاً، في بلد ممسوكة بقبضة من حديد. ان السمات الشخصية التي تميز بها بسمارك تتم اعادتها الى شخصية والدته القوية التي كان قد كتب عنها هو نفسه في احد رسائله لزوجته جوانا، : كانت امي سيدة جميلة تتمتع بذكاء واضح وبحيوية كبيرة، لكنها كانت تفتقر الى ما يطلق عليه اهل برلين تسمية ـ قلب ـ. كانت تحب المظاهر الخارجية وتريدني ان اكون شخصاً مثقفاً جداً وان اصبح شخصية مرموقة. وكان يعتريني دائماً الاحساس بانها كانت قاسية وباردة معي. وعندما كنت صغيراً كنت امقتها، وفيما بعد وبفضل ريائي ونجاحاتي توصلت الى خداعها. عاش بسمارك طفولته ومراهقته دون ان يبدي اية اشارات تدل على انه سوف يصبح شخصية استثنائية. كما انه لم يعرف طفولة سعيدة في كنف اهله اذ ان والدته التي كانت تريد تأهيله كي يصبح موظفاً كبيراً او دبلوماسياً ارسلته منذ بلوغه سن السادسة الى مدرسة داخلية في برلين حيث امضى خمس سنوات في معهد بلامان الذي احتفظ منه بذكريات هي اقرب الى الكابوس. ثم انتقل بعدها الى مدرسة ثانوية ليدخل فيها لدراسة الحقوق، كانت تلك الجامعة موجودة في مدينة جوتنجن، وحيث يقول عن تلك الفترة التي التقى فيها بمجموعة من الطلبة الاعضاء في جمعية الطلبة الوطنيين، ما مفاده: لم احتفظ في داخلي من تلك الفترة الا تطلعاتي الوطنية وقناعتي بان المستقبل الذي ينفتح امامنا انما هو الذي سيؤدي الى التوحيد الالماني. بل وانني راهنت احد اصدقائي، الامريكي كوفن، بأنه سيتم الوصول الى هذا الهدف قبل مضي عشرين عاماً. لم يكن بسمارك طالباً لامعاً، وكان يبدو شاباً حائراً، يميل الى العزلة والعيش وحيداً.. وهكذا اشتغل كمتدرب في المحاكم لمدة عدة سنوات اراد اثناءها ان يصبح موظفاً كبيراً او دبلوماسياً ـ كما كانت تريد والدته، لكنه لم ينجح في اقناع الذين قابلهم بكفاءاته المهنية او الدبلوماسية. وعندما بلغ اوتو فان بسمارك الثلاثين من عمره كان يعاني من ازمة وجودية حقيقية، تتعلق بمعنى حياته، بل وانه كان يطرح آنذاك تساؤلات كبيرة حول المسائل العقائدية. وفي تلك الفترة ايضاً دفعه صديقان له نحو احد الفرق التقوية، وعرّفاه على جوانا التي كانت تبلغ آنذاك التاسعة عشرة من العمر وابنة احدى الاسر الالمانية المحافظة. تزوج اوتو وجوانا عام 1847. وتجدر الاشارة هنا الى ان المراسلات التي تبادلاها على مدى نصف قرن من الزمن تبين بوضوح العلاقة الاستثنائية التي كانت تربط بين هذين الزوجين، لقد انجبا ثلاثة اطفال، لكن جوانا اصرت دائماً على ان تبقى بعيدة عن الحياة السياسية. عندما همّ اوتو فان بسمارك، الدخول الى معترك السياسة، لم تكن المانيا موجودة في الواقع العملي. اذ كان هناك 32 مقاطعة واربع مدن حرّة متحالفة فيما بينها ضمن اطار عام لـ «كنفدرالية جرمانية» رخوة الى درجة تسمح لكل طرف بالاحتفاظ بسيادته كاملة. وكانت هذه الكونفدرالية تدار بواسطة برلمان بوند ستاج، مقرّه فرانكفورت وكان مهمته الرئيسية هي المحافظة على السلام وبحيث انه كان يمكن لأي حاكم يواجه معارضة في دولته ان يطلب مساعدة ال«بوند ستاج» لاعادة النظام، وكانت هذه المؤسسة تعود الى مؤتمرفيينا عام 1815 ـ عام ولادة بسمارك، وكان يؤمن للنمسا، اقوى دول الكونفدرالية، التي كانت تسود فيها سلالة «هابسبورج» السيطرة على العالم الجرماني. في هذا الاطار اصبح بسمارك نائباً شاباً في بروسيا المزدهرة عام 1847 حيث لفت اليه الانظار وطرح نفسه ك«ارستقراطي» محافظ جداً تشغله فكرة واحدة هي تحقيق الوحدة الالمانية، وانطلاقاً من هذا الموقع اصبح في شهر يونيو من عام 1851 «سفيراً» لبروسيا في مقر الفيدرالية الجرمانية في فرانكفورت حيث تم النظر اليه بانه دبلوماسي مزعج، وفي تلك الاثناء اعتلت صحة الامبراطور فريدريك غيوم الرابع ليخلفه اخوه كوصي ثم كملك عام 1861، وعلى اثر انتخابات فاز فيها المحافظون بالكثير من المقاعد، استدعى الملك مجموعة من اللبراليين المعتدلين للمشاركة في الحكومة وفي الفترة نفسها تخلى بسمارك عن منصبه كسفير في فرانكفورت للعمل كسفير لبلاده في «سان بطرسبورج» عاصمة القياصرة الروس. ثم، وفي اجواء المجابهات المستمرة بين الملك غيوم الاول والبرلمان قام الملك بحل البرلمان في صيف عام 1862 بأمل ان تأتي له الانتخابات الجديدة باغلبية ملائمة. لكن كان الفشل ينتظره. وبدا ان رئيس وزراء قوي يستطيع وحده ان ينقذ الوضع.. وهكذا اصبح اوتو فون بسمارك رجل الملك في ذلك المنصب لتبدأ حياته الجديدة. ان بسمارك الذي حصل على ثقة غيوم الاول الكاملة، بدأ مباشرة مشروعه حول مستقبل بلاده على اساس الفكرة الوحيدة الاساسية التي كانت تختلج في اعماقه منذ ثورة 1848 الا وهي تحقيق وحدة الدول الالمانية في ظل ملك واحد، هو ملكه، ودون الجنوح نحو الايديولوجية اللبرالية، التي تبناها النموذج الايطالي، يقول بسمارك: ان بروسيا لا تستطيع وحدها بجسدها النحيل ان تحمل طويلاً الهيكل الالماني المحتاج للامن، ولذلك ينبغي ان يقوم جميع الالمانيين بمسئولياتهم. ثم اننا لن نتوصل الى هدفنا بالخطابات والجمعيات واقتراع الاغلبية، ولا يمكن بالتالي تجنب نضال جدي، ونضال بالحديد والنار. لقد اتبع بسمارك بالفعل سياسة الحديد والنار، الى جانب السياسة الواقعية، وبحيث يؤسس اول جيش في العالم. لكن هذا لم يمنعه من ان يثبت مواهبه الدبلوماسية.. وهكذا عمل على تعزيز التضامن بين الالمانيين عبر التهديد بوجود عدو مشترك، حدده بفرنسا التي كان يقودها نابليون الاول. فيما بعد وعام 1870 انفجرت الحرب وانتهت باستسلام الفرنسين عام 1871 بعد حصار صعب لباريس وليعلن بسمارك تحقيق حلمه والاعلان بتاريخ 18 يناير 1871 في قاعة المرايا بقصر فرساي، قيام الامبراطورية الالمانية التي ضمت 25 دولة وحيث كان بسمارك يشغل منصب رئيس وزراء مملكة بروسيا ومستشار الامبراطورية، اي انه كان يتمتع بكامل السلطات. ونال لقب «المستشار الحديدي». وفي عام 1890، وبعد هزيمة انتخابية كتب بسمارك للملك الشاب غيوم الثاني الذي لم يكن على وفاق كبير مع عقليته يقول: بسبب اخلاصي لخدمة البيت الملكي ولجلالتكم، وبعد التعود الطويل على وضع اعتقدت انه دائم، يصعب علي التخلي عن علاقاتي المعتادة مع جلالتكم ومع السياسة في بروسيا والامبراطورية، ولكن بعد ان قمت بتفحص ضميري لنواياكم التي ينبغي على تحقيقها اذا بقيت في الخدمة، فإنني التمس من جلالتكم التفضل بقبول استقالتي من منصب المستشارية في الرايخ ومن رئاسة وزراء ووزير خارجية بروسيا وان توافقوا لي على راتبي التقاعدي الذي يمنحه لي القانون. في عام 1898 توفي اوتو فان بسمارك، وكانت اخر كلمة تلفظ بها هي «مصلحة الدولة»، الدولة التي لم يخدمها احد مثله