يساهم يوجين ليندن، مؤلف هذا الكتاب، بدراساته ومقالاته حول مختلف المجالات العلمية، وخاصة مجال البيئة، في العديد من كبريات الصحف والدوريات مثل «النيويورك تايمز» و«التايم» وغيرهما. وكان قد سبق له وعمل لسنوات مستشاراً في وزارة الخارجية الامريكية. له العديد من المؤلفات منها: «عويل الببغاء» و«الشركاء الصامتون» و«تربية الكوكو» و«الوزة والندرة: تشريح المجتمعات الاستهلاكية» و«القرود والبشر واللغة».. الخ. هذا الكتاب الجديد «المستقبل بنظرة بسيطة»، هو وكما يدل عنوانه، محاولة تقديم قراءة مستقبلية لما يمكن توقعه من احداث. انه يطرح في البداية، وفي صلب موضوعه ايضاً، سؤالاً محدداً بسيطاً هو: «هل ستكون الحياة في المستقبل اكثر استقراراً مما هي عليه الان؟». ان مثل هذا السؤال المحدد لمعرفة المستقبل يتضمن في عمقه طرح مسألة تؤرق الانسانية باستمرار، وهي مسألة قد يطرحها البشر العاديون على انفسهم، كما يطرحها اصحاب القرارات الاستراتيجية. هذا ويطرح المؤلف في معرض محاولة الاجابة عدداً من المؤشرات ذات الدلالة المستقبلية، بحيث يكون ممكناً من خلالها استقراء ملامح المستقبل وما سيكون عليه شكل العالم، انها مؤشرات ـ ظواهر يعتمد عليها المؤلف في تحليلاته. المؤشر ـ الظاهرة ـ الاول الذي يتعرض له المؤلف يتمثل في الازمة النقدية الآسيوية التي شهدتها عدة بلدان من جنوب شرق اسيا مثل تايلند وماليزيا والفيلبين وهونج كونج ثم سنغافورة واندونيسيا وتايوان وكوريا في صيف عام .1997. تلك الازمة التي لم يقتصر تأثيرها في الواقع على دول جنوب شرق اسيا، ولكنه اشتد ليطال مناطق بعيدة عنها مثل امريكا اللاتينية حيث بدت اثارها واضحة في الاسواق المالية للمكسيك والبرازيل. كما انتقلت العدوى خلال عدة اشهر فقط الى اسواق الولايات المتحدة الامريكية نفسها لتطرح مباشرة التساؤلات الملحّة لدى المستثمرين الامريكيين بخصوص المخاطر والعيوب التي يتسم بها الاقتصاد العالمي المتداخل بعضه في البعض الاخر بظل «العولمة».. وكانت النتيجة المباشرة لاهتزاز الثقة الذي اصاب اصحاب القرار الاقتصادي والمالي الامريكي هي انخفاض القيمة الوسيطة لاسواق داو جونز، خلال يوم واحد فقط بمقدار 554 نقطة، اي ما يعادل 7%. هذه النسبة تعني في لغة الارقام عدة «تريليونات» من الدولارات.. ان اخطر ما في هذه الاحداث، كما يرى المؤلف، انما يتمثل في واقع انه لم يكن هنا من توقع حدوثها قبل ان تفاجئ الجميع. ومن خلال الازمة النقدية الاسيوية ينتقل المؤلف الى التعرض لدور الدولار الامريكي في مختلف الاضطرابات التي تتعرض لها الاسواق المالية العالمية.. وذلك على اعتبار ان الدولار هو العملة الوحيدة التي يمكن ان تكون بمثابة احتياطي لدعم الاقتصاد العالمي. ويقدم المؤلف في هذا السياق عدة احصائيات لها دلالاتها البالغة ففي عام 1997، اي عام انطلاق الازمة النقدية الآسيوية، كانت قيمة الاوراق المالية التي تملكها الحكومات هي 762 مليار دولار امريكي.. كما ان تقارير البنك الدولي للعام السابق للازمة 1996 تشير الى ان 55% من احتياطي الدول الصناعية كان بالدولار وان هذا الاحتياطي كان بنسبة 62% فيما يخص البلدان النامية. وهذا يعني بأن اي عمل تقوم به الولايات المتحدة الامريكية كرد فعل على انهيار الاسواق يؤثر بشكل قوي على كافة دول العالم، هكذا، وعلى الرغم من الضغوط الكبيرة التي يهدد بها التضخم والارتفاع الكبير في نسبة العاطلين عن العمل اثناء الازمة النقدية الاسيوية عام 1997 فإن الاحتياطي الفدرالي الامريكي لم يتجرأ على رفع معدل الفائدة لأن ذلك كان يعني الاجهاز الكامل على اقتصادات البلدان الاسيوية التي اصابتها الازمة. لكن اذا كان الدولار الامريكي يشكل احد وسائل استقرار الاقتصاد العالمي فإن عوامل كثيرة لها دورها في استقرار الدولار الامريكي ذاته. ذلك ان جانباً كبيراً من الثروة بالدولار والثروة الدولارية ـ انما هو موجود في اذون وسندات الخزانة التي تملكها الاقتصادات الناشئة في اسيا وامريكا اللاتينية والتي قد لا يتمتع المسئولون في بنوكها المركزية بالدرجة نفسها من الاحساس بالمسئولية الموجود لدى المسئولين في البنوك الغربية عامة. ان مثل هذا الواقع يؤدي الى رفض المسئولين عن التصدير في هذه البلدان تحويل جانب من ايرادات صادراتهم الى عملات اخرى كالين الياباني مثلاً وذلك خوفاً من هبوط قيمة الدولار مما سيؤدي حكماً الى خفض قيمة استثماراتهم بهذا الدولار. وبناء على ما سبق من آثار تداخل الاقتصاد العالمي في الحقبة الراهنة ودور الدولار كعملة احتياطية عالية يصل المؤلف في تحليلاته الى نتيجة مؤداها ان تجنب تكرار انهيار الاسواق المالية في عالم الاقتصاد العالمي السائد اليوم يتوقف اساساً على عمل جماعي وعلى ضمان عدم انحراف البعض للتصرف على اساس المصلحة الفردية حصراً. ان التاريخ للاسف يعلمنا بأن الخارجين على الصف موجودون دائماً وانهم يشكلون في الكثير من الحالات عنصر شغب حقيقياً على ما كان قد تم الاجماع عليه. وبعيداً عن الدولار والازمات المالية والاقتصادية العالمية يتعرض المؤلف لدراسة ظاهرة يرى بأنه سوف يكون لها اثارها الهامة على صعيد شكل صياغة عالم الغد وتخص مسألة الهجرة ويشير بداية الى عدد من الاحصائيات الدولية التي تدل على ان عدد سكان المدن في الدول الغنية قد زاد في الفترة الواقعة بين عام 1950 وعام 1995 بنسبة 37% كما ان عدد سكان المدن في الدول النامية قد تضاعف خلال الفترة نفسها وزاد ثلاث مرات في البلدان الاكثر فقراً في العالم: ويؤكد يوجين ليندن، في هذا السياق على ان قدرة استيعاب المدن لهذه الهجرات الداخلية سيكون له تأثيره البالغ على ثراء الدول المعنية وعلى درجة الاستقرار فيها خلال العقود المقبلة. وللهجرة الى المدن عدة مزايا ايجابية يحددها المؤلف في توافر الرعاية الصحية والحصول على طاقة نظيفة (الكهرباء) ومساكن مناسبة.. وفي منظور الحصول على مثل هذه الايجابيات تشهد بلدان العالم الفقيرة هجرة كبيرة من الارياف الى المدن للتغلب على مصاعب الحياة اليومية، لاسيما في ظل غياب خطط تنموية حكومية تعنى بشئونهم. هكذا تشهد مدن مثل كراتشي وجاكرتا ومكسيكو سيتي جهوداً كبيرة في ميدان انشاء مشاريع كبيرة خاصة ترمى الى استيعاب الوافدين من الارياف. ويحذر المؤلف في هذا السياق من حالة عدم الاكتراث التي تبديها الدول الغنية بما يحدث في البلدان الفقيرة لاسيما وان الانفتاح العالمي اليوم وثورة الاتصالات تشجع على سهولة انتقال الازمات من مكان الى اخر. ناهيك عن انتقال الامراض بشكل سريع قد لا يمكن السيطرة عليه. ان المدن التي تعاني من عدم الاستقرار، الى هذه الدرجة او تلك، وبوجوهه المختلفة من صحية ومالية وسكنية وبيئية، لابد وان تخرج مشاكلها خارج حدودها لتؤثر على بلدان اخرى وتنتقل العدوى حاملة معها المشاكل الاجتماعية والصحية الى اقتصادات بلدان تجد نفسها امام ازمات لم تكن تعرفها من قبل. وهناك مظهر اخر للهجرة يتمثل في الهجرات الخارجية التي بدأت في افريقيا قبل مئات السنين لتستمر بعد ذلك كظاهرة ذات ابعاد حالية. ان المؤلف يدرس في هذا الاطار عدداً من الهجرات في العصر الحديث مثل هجرة مئات الآلاف من الايرلنديين خلال القرن التاسع عشر الى الولايات المتحدة بسبب ما اسماه بـ «مجاعة البطاطس» بعد النقص الكبير الذي عرفه انتاج هذه المادة الغذائية الاساسية لعدة سنوات متتالية. ـ تجدر الاشارة هنا الى كتاب كان «بيان الكتب»: قد قدّمه عن دور البطاطس في التاريخ الاوروبي في عدد سابق ـ اما في منظور المستقبل فإن المؤلف يرى بان الحروب والنزاعات السياسية والعرقية ستواصل حمل العديدين الى الهجرة من اوطانهم والخروج الى حيث يعتقدون بانهم سينعمون بدرجة اعلى من الامن والاستقرار.. وحتى لو حاولت بلدان الهجرة غلق ابوابها امام القادمين الجدد «غير المرغوب بهم». وهناك ايضاً ظاهرة اللاجئين ذات البعد العالمي الان حيث يصل عددهم في الوقت الحاضر الى اكثر من 20 مليون لاجئ كانوا قد تركوا بلدانهم لاسباب اقتصادية او سياسية. واذا كانت هناك بلدان عديدة ترحب سابقاً بالمهاجرين اليها واللجوء اليها ـ فانها قد انتهجت اليوم سياسات اخرى.. فالولايات المتحدة نفسها التي كانت تشجع الهجرة منذ مطلع القرن العشرين تحاول الان غلق حدودها اكثر فأكثر وتصدر تشريعات ترمي للحد من الهجرة غير المشروعة. وبدأ التوجه نفسه في كل من استراليا وكندا اللتين يفترض ان تستوعبا اكثر عدد من المهاجرين، اللاجئين، لهما. وتتزايد موجة العداء ضد الوافدين من الخارج في العديد من البلدان الاوروبية.. بل وتطال سياسة المنع البلدان النامية حيث ان الجابون وساحل العاج تقومان مثلاً بين الفترة والاخرى بطرد افواج من المهاجرين اليهما من بلدان الجوار. ويتعرض المؤلف في هذا الاطار ايضاً الى الخيارات الصعبة التي ستواجهها البلدان الغنية في مواجهة ظاهرة الهجرة. اذ وعلى ضوء الانخفاض الكبير في معدل الولادات وارتفاع اعداد الطاعنين في السن قد يكون من صالح البلدان الغنية ان تستوعب اعداداً كبيرة من المهاجرين الشباب بقصد تنشيط الاقتصاد الوطني. لكن بالمقابل لا يريد الفرنسيون والالمان واليابانيون على سبيل المثال، ان يصبحوا اقلية في بلدانهم، لاسيما وانه يسود اليهم الاعتقاد بأنهم قد وصلوا الى حالة من الاستقرار فيما يخص «حجم السكان»، ويخلص المؤلف في مناقشته لهذه الظاهرة الى تبني «موقف انساني» يطالب من خلاله بضرورة العمل من اجل الحد من موجة العداء للاجانب الذين يعانون من ظروف معيشية صعبة في بلدانهم الاصلية في عالم تضيق مساحته القابلة للاستيطان. ويبحث المؤلف ايضاً على مدى فصل كامل ظاهرة التفاوت الكبير في الاجور في العالم ويقول بأن السياسيين قد حذروا منذ عقود ثلاثة بامكانية ان يؤدي اتساع الفجوة بين الاغنياء والفقراء الى اندلاع ثورات سياسية واجتماعية، ذلك ان نسبة 20% من سكان المعمورة يحصلون على ايرادات تصل الى 30 ضعفاً من تلك التي حصل عليها النسبة نفسها من الفقراء.. ويمكن ان تصل هذه النسبة الى 60 ضعفاً مع ما يمثل هذا من ازدياد في توسع الفجوة بين العالمين. هذا على الرغم من تحسن الامور في البلدان النامية التي تعيش فيها الغالبية العظمى من سكان العالم. ويعيد المؤلف الاسباب الاساسية لهذا التناقض الى التزايد الكبير في عدد سكان العالم وتقدم التكنولوجيات في الوقت الذي لايزال فيه ثلث سكان العالم عاجزين عن تأمين الاحتياجات الاساسية. ولهذا ايضاً تزخر اسواق العالم بالعمال الذين يقبلون ماهو اقل من الحد الادنى للاجور وعبر هذا النهج من التحليل يصل المؤلف الى القول بإمكانية عودة العبودية في عدة بلدان افريقية. كما تدل احصائيات الامم المتحدة على ان الملايين من البشر لا يجدون طعام يومهم بينما تتزايد مداخيل مواطني البلدان الغنية. ويوجد كذلك تفاوت كبير في درجة الغنى والفقر داخل البلدان الصناعية نفسها اذ ان رواتب كبار الموظفين تفوق احياناً 150 ضعفاً رواتب صغارهم. والخلاصة: ان ترك الهوة تتسع الى ما لا نهاية لابد وان يؤدي الى قلاقل اجتماعية وسياسية تعصف بأمن واستقرار الدول الغنية والفقيرة على حد سواء «والدرس» لابد من اعادة نوع من التوازن والعدل بين العاملين في بلدان العالم بأسره. وعلى صعيد اخر يدرس المؤلف تأثير «التغيرات المناخية على مستقبل العالم، هذه التغيرات التي لا يمكن تجاهلها، وان كان من الصعب جداً تفسيرها. فمنذ بداية عقد الثمانينيات من القرن الماضي بدأ العلماء بالحديث عن طبقة الاوزون وتأثيرها على البيئة وتداعيات المخلفات ـ النفايات ـ الصناعية وما تطلقه من غازات ضارة لصحة الانسان. وكذلك بدأ الحديث عن ذوبان الجليد في القطب الشمالي نتيجة لارتفاع درجة حرارة الارض التي بدأت تشهد منذ فترة اختلالاً مناخياً كبيراً وخطيراً. ويعيد معظم العلماء هذه التغيرات المناخية الى الاستخدام السيء للتكنولوجيات من قبل البشر مما ادى الى حدوث فيضانات وعواصف ادت بدورها الى خسائر فادحة في الارواح والممتلكات. ولذلك يتحمل العالم الصناعي بالذات مسئولية كبيرة في احداث التغيير المطلوب من اجل تفادي غضب الطبيعة، وانعكاس ذلك على حياة البشر. وقد جرّ التغير المناخي الذي كان لتأثير السلوك الانساني مسئولية فيه تغيرات اخرى على مستوى التكوين الحيوي للارض والتأثير على النبات والحيوانات التي بدأت بعض اصنافها بالانقراض. لكن المؤلف يولي ثقته في هذا السياق للقدرة الخلاقة للطبيعة في سبيل ايجاد نوع من التوازن بين ما يختفي من جانب وما يستجد وجوده من جانب اخر، لكن هذا لا يعني ابداً ضرورة ان يقوم الانسان، وخاصة في بلدان مصادر الخطر الصناعية، بدور نشيط ومسئول والابتعاد عن كل العوامل التي تؤدي الى تغييرات في الطبيعة بما فيها من نبات وكائنات حية. وفي الفصول الثلاثة الاخيرة من هذا الكتاب يؤكد المؤلف على ثلاثة عناصر سيكون لها تأثيرها على صياغة شكل العالم القادم. وتتمثل في مدى القدرة على تأمين الغذاء للجميع. الامر الذي يعتبره ممكناً كما حدث في الصين بشرط الا يؤدي استخدام الاسمدة وغيرها من المنشطات الكيماوية المفرط في التأثير على البيئة وخاصة في مجال الانتاج الزراعي الذي بدأت مؤشراته تدل على انخفاضه مع القلة المتزايدة للمساحات الزراعية في العالم ومع التغيرات المناخية. وهناك ايضاً عنصر الامراض والاوبئة التي تمثل خطراً كبيراً على البشرية هذا على الرغم من تأكيد مختلف المؤسسات الدولية المختصة بانها ستنخفض بشكل كبير. لكن الامر يتعلق ايضاً بقرارات اصحاب القرار الاقتصادي، وعنصر اخر هو ذو طبيعة سياسية وعقائدية حيث قدم المؤلف مثال الثورة الايرانية وكبحها في البداية للعديد من النشاطات الفنية والثقافية ومما كان له اثر دائم على الحياة الاجتماعية للشعوب، لكنه لا ينسى في نهاية تحليله ان يشير الى توجه ايران نحو حقبة جديدة من الاعتدال. عالم الغد.. كما يراه مفكر امريكي