بيان الكتب: اتيح لمارتن ايميس، نجل الكاتب الروائي البريطاني المعروف كنجزلي ايميس، ان يحظى بأول ظهور له كروائي وهو في الرابعة والعشرين وذلك في اعقاب صدور روايته «اوراق راكيل» وهي سيرة ذاتية عبر من خلالها ببراعة شديدة عن اشكالية الكتابة لديه، في مرحلة كان يعتقد الجميع فيها ان ظهوره كان مرتبطاً فيها بعلاقته بكنجزلي ايميس الذي يعود اليه الفضل في تقديمه للوسط الروائي. في روايات «حقول لندن» «المال» و«سهم الزمن» تجتمع لدى ايميس عناصر الابداع الروائي والخيال القصصي والقدرة على الابتكار التي تصل الى اقصى حدود عالمنا المعاصر وبالاضافة الى هذه العناصر يبدو هذا الكاتب شديد الوضوح. وبعد نشره رواية «المعلومات» وهي عمل يهاجم بعنف التنافس اللا اخلاقي بين المثقفين، اصدر اميس روايته البوليسية العبثية الكئيبة «قطار الليل» التي يسعى بطلها «الراوية» مايك هوليهان (43) عاماً في اطار عمله البوليسي الى الكشف عن ملابسات حادث مقتل فتاة صغيرة. وفي هذا الحوار الذي اجرته مجلة «صالون» الامريكية نضع يدنا على ابرز ملامح عالمه الروائي: ـ يمثل هذا العمل الروائي نقلة نوعية شكلية بكل المقاييس واولها لهجته الامريكية ما هو تعقيبك على ذلك؟. ـ لقد سبقت لي الكتابة من منظور المرأة من قبل في روايتي «سهم الزمن» و«حقول لندن» اللتين كان الراوي في كل منهما امريكياً. لكن هذه هي المرة الاولى التي يكون فيها الراوي امريكياً بشكل اكثر وضوحاً ومن ناحية تم تقديم هذا العمل على انه النسخة الامريكية من الرواية، فهنا لديك مثلاً علامتا اقتباس بدلاً من واحدة والنقطة والفواصل في الداخل وكلمات مكتوبة بالحروف الكبيرة لانها تأتي بعد نقطتين. كل هذه التقنية الكتابية الامريكية ستبدو غريبة بالنسبة للقارئ البريطاني الذي لم يعتد عليها في الرواية البريطانية. ـ مايك هي امرأة.. ـ لقد كتبت من وجهة نظر امرأة سابقاً الا انني لم الجأ الى تقنية السرد التي تعتمد على الراوي. لكن استطيع ان اقول لك ان هذه الاشياء كلها تبدو عادية بالنسبة لي. عندما بدأت بكتابة هذه الرواية كنت متجهاً في تلك اللحظة الى مكتبي، وفي يدي القهوة، وكنت مشغولاً بالتفكير في الكيفية التي سأتحول بها الى امرأة خلال عشر دقائق من تلك اللحظة. لكن هذا الشعور بالقلق زال في دقائق وذات يوم قلت ان هناك فروقاً شاسعة بين الرجل والمرأة وهي وجهة نظر غير شائعة بين الناس الان لكنها كانت شائعة قبل حوالي عشر سنوات، ويبدو انك عندما تطلق طاقاتك الابداعية لا يكون هناك اي فارق جنسي اذ ما عليك الا ان تطلقها والواقع انني لم اشعر على الاطلاق بانني اقوم بعمل غير عادي، ما كنت اشعر به هو انني اكتب. ـ لكن الشخصيتين مايك، شبه المنتهية، والفتاة الصغيرة او الضحية، جنيفر، التي تبدو على العكس منها متناقضتان؟. ـ انا اكتب عن هذا التناقض دائماً، التناقض في كل شيء، في قدراتنا الفكرية والمادية. وبالفعل هناك شخصيتان واحدة تملك كل شيء والاخرى لا تملك شيئاً، هذا نوع من التفاوت العنيف الوحشي الموجود بين كل شخصيتين. ـ لكنك تحاول الابتعاد عن سخريتك السوداء في تعاملك مع شخصية مثل مايك وهي في النهاية شخصية تحظى بالاحترام في تقديرك الشخصي؟ ـ اجل، انها كذلك فأنا اقدر تفانيها في عملها وسعيها الى ان تكون انسانة مستقيمة وعموماً فأنا شديد التأثر بهذه الشخصية واستطيع ان اقول لك انه بامكانك ان توجه لي سؤالاً حول اي من الشخصيات التي اكتب عنها حالما انتهي من الكتابة وسأقول لك رأيي فيها بصراحة والشيء نفسه ينطبق على مايك. ـ ينبغي ان يكون هناك نوع من الصراع، التسلسلي في الاحداث ينطوي على تضارب عنيف والا توقف كل شيء كما ان هذا يختلف كثيراً عن هذه السخرية السوداء؟ ـ صحيح، والسخرية التي يشتمل عليها هذا الكتاب هي الاكثر سوداوية. انا لا انفي هذا الشيء واذا كانت بهذه الدرجة من السواد لنحاول ان نجعلها تبدو اكثر سواداً. والواقع، انها نوع من السادية الموجودة في داخلي ككاتب، لهذا فأنا اضطهد شخصياتي، واتصور ان المسألة ليست في ان تقرر ان تكتب بشكل ايجابي، ان جاز التعبير، وانما ان تطور شخصياتك، ان تطورها حسب سرعتها وقدرتها. ـ وما هي الشرارة التي اطلقت «قطار الليل»؟ ـ هذه الرواية لم تكن رواية بوليسية، وفي الاساس كانت حواراً بين شخصين، يطلب فيه احدهما من الاخر، وهو كما يبدو محقق سابق او تحر خاص متقاعد، ان يبدأ بالتحقيق في ملابسات حادث انتحار، لكنني عندما بدأت في البحث والقراءة اللازمة وقعت في يدي الكثير من قصص الجريمة الحقيقية، فتورطت في الجانب الاجرائي للموضوع، استناداً الى تعاطفي الشديد مع رجال الشرطة، فبدأت بكتابة قصة قصيرة، ثم فكرت في كتابة 30 او 40 صفحة، ثم فجأة وجدتها بهذا الحجم. وقد يدهشك كذلك ان تقرأ الجمل القليلة الركيكة، التي تكون اصولها، لقد كتبت روايات يصل عدد صفحاتها الى 400 صفحة بينما لا تزيد اصولها التي تحتوي على الافكار الاساسية عن نصف جملة، ومثال على هذا رواية «المال» عندما بدأت بكتابتها لم يكن لدي شيء سوى هذا الرجل السمين الذي يعيش في نيويورك، ويخطط لتصوير فيلم سينمائي، هذا فقط كل ما كان في ذهني في تلك اللحظة، وبعد ذلك بدأت الأفكار بالتدفق. بالنسبة لـ «قطار الليل» كانت لدي هذه الفكرة، ان تبحث في حياة احدهم الشخصية فتجدها مثالية بكل المقاييس لكنني وبمجرد القول بأن جنيفر عالمة فيزياء فلكية تحولت الى فكرة قريبة من فكرة الرواية الوجودية، ثم فكرت في روايات البيركامو، وجان جينيه. هذه العدمية كانت مفتوحة على مصراعيها امامي. وعموماً فهي خليط من الانواع الادبية الغريبة بالفعل. ـ اذن من واجبنا ان نلزم الحذر، عندما نبدأ بقراءة الرواية بحيث نعرف جيداً انه لا يوجد ما يكشف لنا عن وجهتها بسهولة ؟ ـ هذا صحيح، فهي تحتوي على الكثير من السرد والكثير من الحبكات ايضاً. ولأنني تعودت على الكتابة للنخبة المثقفة سيجد القارئ ان الحبكة تبدو سهلة في البداية الى الحد الذي يجعله يعتقد بأنني استخف به لكنه ما ان يقطع شوطاً في القراءة حتى يدرك أنها عمل غير سهل وانه يستحق القراءة وهناك شيء اخر فأنا اشعر بالالتزام تجاه القارئ بمعنى كتابة العمل الذي يشعر في اثناء قراءته بالمتعة ايضاً لكنني في هذه الرواية فضلت ان يكون ذلك عن طريق السرد ومع ذلك كنت حريصاً على الا تفلت مني العناصر الروائية الاخرى بسبب هذا السرد المسهب. ـ لكن ما الممتع في قصة انسان ملتزم في حياته ويقدم على الانتحار؟ هل هي المفارقة فقط؟ ـ احد النقاد قال بعد قراءة الرواية: «الانتحار جريمة ابشع من جريمة القتل» لان جريمة القتل تنهي حياة شخص او اثنين او عدد من الافراد، لكن الانتحار يقتل كل من يعيش على وجه الارض، لانه رفض لهذا العالم، وفي العادة يسأل الانسان نفسه لماذا يقدم الناس على الانتحار هل هو بسبب حياتهم الزوجية البائسة ام بسبب .. ام بسبب، وهذا هو ما يحدث لكن ماذا لو كان السبب الحقيقي هو رفضهم لهذا الكون؟ هذا هو الممتع بالنسبة لي. ـ اتصور ان عمل جنيفر في مجال الفيزياء الفلكية يبدو كافياً للتحريض على تبني وجهة نظر عالمية كونية ؟ ـ عندما يعرف القارئ ان جنيفر عالمة فيزياء فلكية يتبادر الى ذهنه انها تتبنى وجهة نظر مختلفة محبة لهذا العالم هذا بعكس ما يتبادر الى ذهن مايك التي تميل منذ البداية الى التقليل من هذه التكهنات بمعنى انها تعتقد بأن الانسان كلما انفق وقتاً اطول في التفكير في الكون بما يشتمل عليه من عوالم واسعة الى ابعد الحدود كلما تكونت لديه نظرة نقدية اكثر خطورة، ان الكون بهذه الصورة قد لا يكون مستساغاً. ـ هل تتفق مع جنفر احياناً؟ ـ اتصور ان كل المبدعين ينظرون الى هذا العالم بالطريقة نفسها او يحملون المفهوم نفسه ويحلمون بصورة اخرى مختلفة له.. لماذا كل هذه المظاهر المادية؟ وبالاضافة الى رفضي للكون بهذه التركيبة لدي شعور بأن هذه الثورة العالمية والاكتشافات قد بدأت في الظهور على حقيقتها، تصور حتى اينشتاين في سنة 1920 كان يتصور ان درب اللبانة هو نهاية الكون ولم يتصور احد بعد ذلك ان الكون شاسع على نحو لا يمكن تصوره وان عالمنا ليس الا ذرة متناهية الصغر في درب اللبانة كما اصبح من الواضح كذلك وجود عوالم اخرى مواتية له لا يمكنك ان تحصيها. يخيل الي ان فهم العالم على انه ضئيل وهش ومعزول مسألة اكثر تحريضاً، صحيح انها تبدو مخيفة لكنها ممتعة، ممتع ان تكتشف الحقيقة وإن ترتب على هذا الاكتشاف خسائر لكنني اتصور ان تكون هناك حوادث انتحار غير مشروطة لسبب بسيط هو ان اي شيء يمكن له ان يقع سيقع وهناك اشياء تبعث على الانتحار كما ان الناس يفعلون هذا بشكل غير متوقع. ان الانتحار كما يبدو مسئولية غريبة وغير عادية. ـ اظن انه شيء مختلف تماماً يتجاوز الطبيعة البشرية وحبها للحياة، انه الخطأ المطلق؟ ـ اجل، اجل بلا شك، كما يقول جويس في «يوليسيس»: يبدون كما لو ان قلوبهم لم تتحطم بما فيه الكفاية، وبالمناسبة يبدو لك ان جويس يعبر عن وجهة نظر حداثية في مسألة الانتحار. ـ هذه المسألة تبدو قريبة الشبه بفكرة فرويد، فكرة اشتهاء الموت التي تفاجئك احيانا وأنت تقود سيارتك ؟ ـ شيء من هذا القبيل، لكنه تفكير مقرف يجعلك تشعر بالغثيان. ـ في أعقاب صدور روايتك، تحدثت كثيرا عن نفسك، وعن أزمة منتصف العمر التي تمر بها، ما هي العلاقة بين هذا وبين ولعك بظاهرة الانتحار؟ ـ أزمة منتصف العمر، إذا جاز لي ان أصفها، هي اقترابك المفاجيء من الموت ودهشتك المفاجئة ايضا.. يا الهي هذه ليست اشاعة هذه حقيقة وأنا لست حالة استثنائية مختلفة كما كنت أتصور. وأنت في السادسة عشرة يكون قرار الانتحار هو قرارك الأول.. حسنا سأقتل نفسي هذا ما تقوله دائما، وأذكر ما قاله كيرت فونجت «اذا فكرت في الانتحار في طفولتك تحول هذا الى وسيلة تلجأ اليها كلما أحسست بأن الامور ليست على ما يرام بأن الحياة تعاكسك». ـ أين تجد نفسك في الكتابة عن نفسك (في كتابة السيرة الذاتية) أم الكتابة عن الآخرين ؟ ـ لا أعرف كيف سأكتب عن نفسي ولو انني فعلت هذا لكتبت بشكل ربما سيكون أقرب الى الرواية منه الى السيرة الذاتية. ان تقرر كتابة رواية يعني ان تكون لديك قدرات خارقة تستطيع ان تسيطر بواسطتها على كل شيء بحرية، لكن ان تقرر الكتابة عن نفسك أو كتابة موضوع صحفي فلن يكون الأمر بهذه السهولة، هناك قيود، هناك أشخاص آخرون، وهناك مشاعرهم الشخصية والرواية الحقيقية للأحداث.. هناك الحقيقة. مريم جمعة فرج