بيان الكتب: الروائي والناقد والكاتب الصحافي مارتن ايميس احد اهم كتاب بريطانيا المعاصرين، المنتمين الى تيار ما بعد الحداثة وجيل النصف الاخير من مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. كروائي تعبر اعماله بلا استثناء عن هذا الانتماء، الا انها وفي الوقت ذاته تعبر عن نوع من الصدام مع الرواية المضادة الناسفة للعناصر التقليدية الشكلية للرواية. من جانب اخر يمكن التعرف على رواية ايميس من خلال لغته الساخرة المغرقة في السوداوية ومواجهاته العنيفة في الاوساط النقدية والثقافية ذات العلاقة بأعماله المثيرة للجدل. قبل تفرغه للكتابة في سنة 1980 صدرت لايميس ثلاثة اعمال روائية هي اوراق راكيل (1973) وقد حصل هذا العمل على جائزة سومرست موم للابداع الروائي في عام 1974 واطفال موتى 1976، والنجاح 1978، كما صدرت له مجموعة من المقالات والمراجعات الصحافية النقدية التي قدم من خلالها نفسه كأحد ابرز كتاب القرن الماضي. فيما تثير اعمال ايميس الروائية الجدل حول اتسامها بالسطحية والشكلية وافتقاد العناصر الباعثة على الامتاع يشيد البعض باحتوائها على العناصر الساخرة التي تمكن من مقارنتها بالعناصر التي تحتوي عليها رواية تشارلز ديكنز، كما ان اهم هذه الاعمال الى الان هي رواية التجربة، التي تتكشف من خلالها موهبته كروائي مجدد وهي سيرة شبه ذاتية تسلط الضوء على علاقته المثيرة للجدل بوالده الروائي البريطاني الساخر كنجزلي ايميس والمشهدين الثقافيين البريطاني والامريكي. بعيداً عن الرواية، قدم ايميس نفسه كأحد اهم نقاد ثقافة النصف الاخير من القرن العشرين. والواقع ان بداياته النقدية تعود الى مرحلة السبعينيات، وهي المرحلة التي بدأ فيها بكتابة الرواية، وكان يعمل محرراً ثقافياً بجريدة «التايمز» اللندنية، في ذلك الوقت. وفي تلك المرحلة انجز كتابة عدد كبير من المقالات والمراجعات النقدية، المثيرة للجدل، التي نشرت بين عامي 1971، 2000، وفي مقدمة لكتابه الاخير «الحرب على الكليشيهات الصادر في العام الماضي هناك اعتراف صريح بأن كتاباته النقدية الاولى كانت تتضمن توجهاً خالياً من المزاجية تجاه الادب والمجتمع. غير ان هذا الطرح، وعلى الرغم من قسوته، يبدو اعترافاً شديد الواقعية، لم يمكنه الا ان يضيفه الى الاعتقاد بأن: «كل الكتابات الجادة ما هي الا «حرب على الكليشيهات والصيغ المبتذلة، وان ما يجعل الناقد الادبي صادقاً هو قدرته على التورط في الادب والاحترام غير الزائف لمن يقوم بكتابته والوعي بما تعنيه الممارسة النقدية في مجال الادب» ولعل شيئاً من قبيل تورط ايميس في مسألة النقد الصحافي الثقافي على مدى 30 عاماً كان قد اضاف الى رصيده في هذا المجال. تضم مجموعة ايميس النقدية «الحرب على الكليشيهات» عدداً من المقالات النقدية ومراجعات الكتب القصيرة وعدداً قليلاً من المقالات الطويلة، المنشورة في مجلة اتلانتك مونثلي، بين عامي 1986 ـ 1995 الى جانب بعض المقالات المنوعة التي تتحدث بشكل مقتضب عن قضايا الاسلحة النووية والرياضة وفي مجملها تكشف هذه الكتابات عن دوره كقارئ للموضوعات الجيدة وموهبته في اعادة صياغتها على نحو يجعلها شديدة الاضاءة. في هذا الكتاب، تبدو مقالاته الطويلة هي الاكثر رصانة. وعلى وجه الخصوص المقالة التي يدافع فيها عن فيليب لاركن، احد اهم شعراء ما بعد الحرب العالمية الثانية، منتقداً ردود الفعل السيئة التي اثارها نشر موضوعاته حول العنصرية والاخلاق في1992. وفيما عدا ذلك يتناول ايميس في مقالاته الاخرى موضوعات قديمة، يظهر ان اقربها الى ذهن القارئ هو مقالة فرجينيا وولف حول مسرحية من «يخاف فرجينيا وولف» وباستثناء جين اوستن ورواية «كبرياء وهوى» التي نشرها في 1990 فإن مقالاته النقدية حول الكتابات النسائية قليلة جداً. وكما يقول عن بريتشت فإن اي ناقد ادبي لن يكتب الا ما يمليه عليه توجهه وذوقه، سواء اختار ذلك بوعي او بغيره، وهذا هو ما يظهر بوضوح لدى ايميس نفسه، وهو يزعم انه يكتب بلا مزاجية. ان ايميس لا يبدو استثناء على الاطلاق وهو يختار ان يكتب في موضوعات لا تندرج على الاطلاق تحت مسمى الحداثية وهو ايضاً يختار اسماء مثل «ف. ر. ليفيس» و«اي. ا. ريتشارد» و«نورثروب فراي» و«نابوكوف» و«ابدايك» وربما بدا الاخيران اقرب الى روح العصر، في الوقت الذي قد يكون القارئ بحاجة الى معرفة المزيد عن الروائيين جي. ج. بلارد، ونايبول اللذين يكتب عنهما باقتضاب وغيرهما من الاسماء التي تضاف اليها ايريس مردوخ وفيدال وتستحق ان يتناولها بالنقد. لاعطائه قيمة مثالية يمكن القول بأن ما يشير اليه ايميس في كتابه هو انه لا يميل الى الاعتقاد بوجود ما يسمى بالنخبة الموهوبة في «يومنا هذا، على الرغم من ادراكه الواعي باستحالة ان يتحول الانسان الى مبدع وهو لا يملك الموهبة، ومن هنا يأتي هجومه على الكليشيهات والاساليب المبتذلة، لا في الكتابة وحدها وانما في مناهج التفكير ايضاً. في موضوعه الذي كتبه عن مارتن ايميس «كتاب من اجل فهم مارتن ايميس» يقول الناقد البريطاني جيمس ديدريك: على مدى الاربع والعشرين سنة الماضية التي انتهت بنشره رواية (اوراق راكيل) كان ايميس الطفل المدلل لوالده، الروائي الشهير كينجزلي ايميس، وعلى مدى العشر سنوات الاخيرة منها اتيح لايميس الابن ان يعيش في كنف اصدقاء والده كطفل مدلل ايضاً، ففي اثناء اقامته في ساوث ويلز احاطه بالعناية الشاعر الكبير فيليب لاركن، وامضى فترة المراهقة في جولات ثقافية في امريكا واسبانيا وجمايكا وفي التاسعة عشرة ادخله والده حوالي 14 مدرسة ليستعد لدخول الجامعة، وفي جامعة اكسفورد (1969 ـ 1971) كان استاذة هو جوناثان ووردزورث احد اقارب الشاعر الكبير وليام ووردزورث وبعد تخرجه وجد عملاً في الملحق الثقافي لجريدتي «التايمز» و«الاوبزرفر» وفي سن مبكرة، اي في سنة 1980، تفرغ للكتابة كلية. بالاضافة الى تسليطها الاضواء على ايميس، فإن ما يبقى لدى القارئ بعد اطلاعه على هذه المقدمة هو صورة تلك العلاقة المعقدة، بل الشديدة التعقيد بينه وبين والده، فمثل هذه المقارنة بوالده التي لا تنفصم لدى بعض النقاد حتى لدى مقارنته في طروحاته السياسية والجمالية المختلفة تماماً وفي حالة ايميس الابن تظهر هذه العلاقة وكأنها ترمز بالفعل الى ردة فعل عنيفة لديه لا يمكن حسمها الا من بعدها الابداعي الذي يقول عنه: ان حياتي كمنتم الى جيل ما بعد 1945 اي ما بعد الحرب العالمية الثانية تختلف تماماً عما حدث قبل هذا التاريخ لاننا في الاساس لانتشابه في حياتنا كبشر ولهذا فإن ما يقدمه للقارئ وحتى للنقاد في روايته المنتمية الى عالم السير ذاتية، التجربة، يبدو كما لو انه بالفعل الصورة الحقيقية لعلاقة الحب الطبيعية غير المشروطة التي اثرت في تشكيله الابداعي على نحو لا يعتقد ايميس انه يشبه الاحلال او الوصاية. واذا كانت رواية التجربة تمثل شيئاً فهي تمثل جغرافيا تفكير مؤلفها التي يكتشف بواسطتها القارئ العلاقة بينه وبين الاخرين واولها علاقته بوالده ومن هو كنجزلي ايميس وما هي مشكلاته ومن هم اخرون مثل قريبته لويس التي اختفت في ظروف غامضة في سنة 1973 ثم عثر على جثتها في مكان مشبوه وكيف هو المشهد الابداعي البريطاني وكيف هو المشهد الابداعي الامريكي ومن هي اليزابيث هوارد زوجة ابيه ومن هم اصدقاؤه او اصدقاء ابيه كما يكتشف الكثير عن توجهاته السياسية والاخلاقية والجمالية وعلى نحو مختلف عما يمكن ان تظهر عليه لو انها كانت رواية بالمعنى التقليدي ربما لانه كما يؤكد عملاً اتى سريعاً بسبب ما يحتوي عليه من الحقيقة عوضاً عن الخيال الذي تتطلبه كتابة الرواية العادية او اشكالياتها الاخرى.