منذ 68 مضت، نفد صبر المعلم فصاح غاضبا «يا يوسف.. خذ مقعدا واحدا.. وإلا..»، وتحت وازع التهديد توقف الطفل أو تلميذ الصف الأول الابتدائي عن تنقلاته السريعة من مكان إلى مكان ومن منضدة إلى منضدة، ريثما يهدأ الصوت الغاضب. هو الآن، يوسف العاني الذي أنهى عامه الخامس والسبعين يستذكر بقية الحكاية ضاحكا ( أستجيب لتهديده واجلس في مكاني، لا أهدأ ولا أعقل مني، حتى ليكاد المعلم يعجب من هذا الطفل الملاك، فإذا التفت إلى السبورة أو انشغل عني لحظة قفزت إلى مكان آخر وآخر بلمح البصر ). ـ مشهد الأمس البعيد يؤكد بأنك طفل عبثي مشاكس ومتعب؟ ـ أنا أؤكد، أن هذه النعوت مجتمعة، ما هي الا تهم لا أصل ولا نصيب لها من الصحة.. ـ وأين وجه البراءة؟ ـ حين أستعيد الحال التي كانت، أو كنت عليها، أستذكر طفلا مشحونا بطاقة حركية هائلة في جسد صغير لا يستطيع احتواءها.. ماذا تفعل الكأس الصغيرة إذا أفرغوا فيها برميلا من الماء غير أن تفيض وتطفح وتثير الفوضى في المكان؟ ـ وبخلاف ذلك... ألم تكن فوضويا وأنت تملأ طريق العودة من المدرسة إلى البيت حركات وأغان وتمثيلا ومتعا لا يجد أقرانك أمتع منها؟ ـ كنت أفعل الشيء نفسه داخل المدرسة وفي البيت وعند الجيران وعلى سطح المنزل وفي المحلة.. ـ هي شهادة إقرار بالفوضوية إذن؟ ـ بل شهادة نقض.. فحيث لا يلتفت أحد إلى مكنوناتك الداخلية أو يحاول الانتباه إليها وتوظيفها، عليك أن تقاتل، وكنت أقاتل لشيء كان يعتمل في نفسي، لا أعرف ما كنهه، ولكنني أحاول التعبير عنه عبر ذلك الكم الهائل من الحركات التي يصفها من يجهل الحال بـ ( الطائشة ) أبدا لم أكن كذلك، ففي ذلك العنفوان الطفولي يوجد مسار مواز له هو نقاوة سريرتي وبعد طبيعتي عن أية أهداف شريرة.. إن النوايا حسنة، وهي إمتاع الآخرين ولفت انتباههم إلى مواهبي التي لم يكتشفوها ولم أكتشفها أنا كذلك.. محام يحسن الدفاع عن قضيته، هو يوسف العاني، الذي كان وما زال طاقة أكبر من أن يحملها جسد واحد أو رأس واحد، ويقول كتاب سيرته الذاتية، إنه لو لم يصبح ممثلا عالميا ـ كما وصفه لطفي الخولي ـ لكان محاميا ناجحا أو طبيبا ماهرا أو ملاكما صنديدا أو شاعرا مفوها، ويقول علم النفس إنه يحاول من حيث لا يدري تصريف تلك الطاقة الفائضة عن حدودها. هي ليست مبالغة ولا مجاملة، فالتاريخ الشخصي يشير إلى احتلاله موقعا مرموقا بين أبطال الملاكمة، وانه تخرج من كلية الحقوق، وكاد الطب يقوده إلى ردهات العمليات الجراحية لولا ظرف خاص، في حين ظلت وهجات الشعر توقد قريحته إلى يومنا هذا. وأيا كان الأمر فهي في النتيجة محطات تؤكد ما أشار إليه العاني عن طبيعته النازعة إلى الخير، المنطلقة من النوايا الحسنة، فهو على الرغم من طفولته المشاكسة التواقة إلى الحركة، كان شديد الثبات مستقرا في مكانه كجذع نخلة متعافية حيثما تعلق الأمر بنازع الخير والطينة الطيبة التي قام عليها بناؤه التربوي في أسرة كريمة أعطته فضاء واسعا للحرية والانطلاق، ولكنها كانت على الدوام تراقبه بحذر وحزم وتوجيه صارم كي لا يخرج عن تقاليدها القائمة على خير الزاد (التقوى) وحب الناس واجتناب الاعوجاج في السلوك والعمل والعشرة والعلاقة، ولا شيء يعلو على هذه القاعدة. وفق هذه الثوابت التي تفتحت عليها شخصية العاني تأتي لحظة امتحان عسيرة في حياته وهو يترافع في أوراق القضاء عن متهم، ويربح القضية، وهذا يعني أن عالم الشهرة والحقوق والمحاماة فتح ذراعية له، الا أن يوسف العاني الذي اكتشف بعد انتهاء المرافعة بأشهر أن المتهم خدعه في المعلومات وأنه كان مذنبا، لم يتورع عن استعمال قبضته - هذه المرة كملاكم ـ ليعاقب المتهم العقوبة التي يستحقها والتي أفلت منها قضائيا، ثم ليهجر دنيا المحاماة إلى الأبد.. لماذا؟ ـ لقد أدركت ان ذلك يتعارض مع مبادئي في نشر الحق والخير، وان الأشرار يمكن أن يتحايلوا على أكبر المحامين دهاء، بأساليبهم الملتوية، ووجدت نفسي غير قادر على احتمال صدمة ثانية من تبرئة متهم جديد قد تكشف لي الأيام إنه ليس كذلك.. ربما في لحظة غضب سأقتله دفاعا عن الخير. هذه هي الصورة وليس غيرها أبدا هي التي ستؤلف المحور الرئيسي لمسيرة العاني الإنسانية والحياتية (الخير والحب والنقاء) هذا الثلاثي الذي لا بديل عنه ولا مجال للمساومة فيه أبدا، وهنا ستحدث المزاوجة الأعظم في تاريخه الشخصي.. فهو بعد أن ثبت بالوجه الشرعي وشهادة الجميع، انه فنان موهوب منذ نعومة أظفاره، قارن بين هذه الموهبة، وبين المبادئ التربوية التي نهضت بها مدرسته البيتية الأولى في سن مبكرة. فالفن ـ يقول يوسف العاني ـ كان أهم وأوسع وأكثر الوسائل انتشارا وتأثيرا لإرساء مكوناتي الفكرية، فأن تكون فنانا حقيقيا يعني أنك رسول من رسل الإنسانية للتبشير بالدعوة إلى قيم الحق والخير والجمال. ـ أما كنت قادرا أن تكون كذلك خارج دائرة الفن؟ ـ عنصر الخير المتجذر في الإنسان يمكن أن يظهر في سلوك الموظف وتصرف الطبيب وعمل المحامي، غير أن الرقعة التي يحتلها الفنان وعمله هي غير رقعة الآخرين، وهذا ليس انتقاصا من دور أحد، بل هو تحديد لمساحة التأثير. ـ يقول البعض إنك كانت مغاليا في (جديتك) وان أفكارك حول قضية ( الشعب ) والعمل على خدمته.. هي محاولة كسب وتقرب؟ ـ لست نبيا، وأعوذ بالله أن أقرن البشر العادي بالبشر المختار، وحين أذكر ذلك فلكي أتساءل فقط: أي الأنبياء لم يتعرض لمثل هذه التهم ولم يواجه بالحساد أو المنافقين أو الجاهلين أو من لم يدركوا الأمر على حقيقته؟ نعم ولا أتحرج، بل أزداد فخرا أن تكون قضية الشعب بالنسبة لي هي رسالة لا تعلو عليها رسالة، وحياتي الفنية بدأت ولاتزال مع هذه القضية الجوهرية.. وهي : أن تكون فنانا حقيقيا فذلك يعني أنك صاحب رسالة إنسانية نبيلة تخدم بها شعبك أولا، تخدم مبادئ الخير والمحبة على هذه الأرض التي نسهر جميعا من أجل أن يعمها الدفء والسلام. في سنة 1975 صعد يوسف العاني على مسرح (حديقة الأزبكية ) بالقاهرة يمثل في مسرحية (البيك والسائق) وكانت النتيجة (هذا هو المسرح الذي نريده) كما قال لطفي الخولي، وكتبت لطيفة الزيات في مجلة الطليعة كلاما مماثلا وبكي عبد الرحيم الزرقاني وبكت أمينة رزق وفردوس حسن، ونشر حسن فؤاد رسما كاريكاتيريا في مجلة «صباح الخير» يظهر فيه المسرح المصري وهو نائم وبجانبه ساعة منضدية يدق جرسها وعلى الجرس كتبت عبارة (المسرح العراقي). ـ هل حصل أن ارتديت ثوبا غير ثوبك؟ ـ لا بد للممثل أن يبدأ مقلدا أو معجبا في مرحلة مبكرة من سيرته.. استهواني يوسف وهبي، ثم ثرت عليه وعلى طريقته الأدائية وتعلقت بأسلوب الريحاني، وحين نضجت تجربتي وتهيأ لي أن أزور ثلاثة أرباع مسارح العالم تعلمت الكثير واكتشفت الكثير وأسست مسرحي الخاص بي. ـ يقال انك ثري؟ ـ ثري جدا بأعمالي فقط. ـ هل تأذن بقراءة رصيدك؟ ـ رصيدي معلن.. ماذا تود أن تعرف؟ ـ المسرحيات التي كتبتها؟ ـ 38 مسرحية. ـ والمسرحيات التي أسهمت فيها ممثلا؟ ـ 47 مسرحية. إن يوما يمضي من غير أن ينجز فيه العاني (شيئا) غير وارد في قاموس حياته، ولهذا تراه كاتب عمود صحفي لا يكاد يفرغ من زاوية تدوم بضعة أعوام حتى ينطلق في غيرها، وتراه بطلا رئيسيا أو ممثلا حاضرا في السينما بلغ رصيده منها ( 11 ) فيلما لعل فيلم ( سعيد أفندي ) من بينها يمثل أحد أبرز الإشارات الفنية في تاريخ السينما العراقية والعربية ( يعود إلى سنة 1957 ). هكذا هو لا يهدأ وها هو يحتفل بصدور كتابه السابع ( يوسف العاني.. شخصيات وذكريات ) ويقع في ( 434 ) صفحة تناول خلاله بالحديث ( 128 ) شخصية، وكانت التفاتة ذكية من كاتب المقدمة الروائي العربي المعروف عبد الرحمن منيف إذ أشار - من بين جملة إشارات نابهة - إلى دور يوسف العاني البارز ليس في رسم خارطة ثقافية فنية عراقية فحسب وإنما في رسم خارطة عربية، وإلى دوره في أن يكون صلة وصل فيما انقطع ثقافيا وفنيا ووجدانيا بين مثقفي وفناني الأمة. ويأمل العاني أن يكحل عينه قريبا بصدور كتابين جديدين له خارج العراق، فيما يعكف على تأليف كتاب جديد، ويطلق لحيته لأداء دور مسلسل تلفزيوني ويقرأ نصا يعرض عليه، ويشرف على نشاط لجنة المسرح العراقي وفرقة المسرح العراقي وفرقة المسرح الفني الحديث ويهيئ جواز سفره لتلبية دعوة خارج الوطن. بغداد ـ كامل عبدالله