على الرغم من أن أشعة الشمس لا تغادره لفترة لا تقل في المتوسط عن 330 يوما كل عام فإن دفء المنطقة لا يعد عامل الجذب الحقيقي الذي يدفع السياح وعلماء الاثار على السواء إلى زيارة البحر الميت، تلك البحيرة الهائلة التي تحتوي على خليط من المعادن والأملاح عالي التركيز بحيث من المستحيل ان يغرق الشخص فيه أو يهبط على غير ارادته إلى أعماقه، وهذا هو السبب الرئيسي وراء تدفق السياح إليه لاكتشاف الطبيعة المميزة للمنطقة، لاسيما وان منطقة البحر الميت تعد أكثر المناطق هبوطاً وانخفاضا على سطح الأرض، حيث تنخفض بعمق 400 متر عن مستوى سطح البحر. وعلى الرغم من الاسم الذي يطلق عليه أي «البحر الميت» فإن هذا المسطح المائي الكبير ليس بحراً في حقيقة الأمر، وإنما هو عبارة عن شريان مائي داخلي يمتد لمسافة 90 كيلومترا بين الصخور والجبال التي تحيط به من كل مكان. ولدى رؤيته للوهلة الأولى يبدو البحر الميت وكأنه بحيرة عذبة الماء، ذات لون أزرق بديع، خلاب، ولكن عند الاقتراب منه يتبين ان محتواه المعدني من أملاح ومعادن مع ازدياد حرارة المنطقة يجعل مستوى ملوحته يزداد بمقدار تسعة أمثال مستوى ملوحة مياه المحيط. وفي الوقت الذي يتحفظ الكثيرون على تسميته بالبحر فإن صفة «ميت» تنطبق بالفعل على هذا المسطح المائي، حيث لا يمكن لأي كائن بحري ان يعيش به سوى عدد ضئيل من الميكروبات والبكتيريا التي يمكنها تحمل نسبة الملوحة عالية الكثافة إلى جانب ألوف السياح الذين يقصدونه بهدف التعرف على أسرار تلك المنطقة التاريخية الجميلة التي تزخر بما لا يتمتع به مكان آخر على سطح الأرض ولعل الخواص العلاجية التي تتمتع بها مياه البحر الميت هي أحد أهم الأسباب التي تدفع السياح إلى زيارته، بغية الاستشفاء بمياهه شديدة الملوحة، التي في الوقت الذي تتسبب في موت العديد من الكائنات البحرية فإنها تأتي كمصدر استشفاء لمن يعانون من الروماتيزم والعديد من الأمراض الجلدية الأخرى، فضلاً عن ان انخفاض البحر يقدم للسياح العديد من الميزات الترفيهية الأخرى، كما ان المنطقة تتمتع بنسبة أكسجين تزيد بمقدار 15% على نظيرتها في المناطق الواقعة على مستوى سطح البحر نفسه، وهو الأمر الذي يساعد السياح على استنشاق هواء أكثر نقاءً ويجعلهم أكثر حيوية. فضلاً عن الأهمية التاريخية لمنطقة وادي الأردن الذي يقع بها البحر، وما تتمتع به من تراث وأحداث تاريخية فريدة مثل قصص قوم لوط والاكتشافات الأثرية العديدة التي تعد كلها عوامل تزيد من ثقل وأهمية البحر وما يحيط به من ألغاز. وفي ضوء هذه الطبيعة الفريدة للمنطقة يزداد القلق بشأن قرب حدوث نهاية درامية لذلك البحر مع تناقص المصادر المائية التي تغذيه الأمر الذي يهدد بفنائه في المدى البعيد. فمنطقة الشرق الأوسط في ضوء تنامي عدد السكان بها، غدت من المناطق الفقيرة على المستوى المائي، لا سيما مع تزايد المشروعات الصناعية التي تقوم على استغلال مياه البحار والبحيرات، فعلى سبيل المثال تأتي قناة الملك عبدالله التي شقت في الستينيات لتأخذ مياهها من نهر اليرموك الذي كان أحد مصادر تغذية البحر الميت، وهناك مشروع مشابه على الجانب الاسرائيلي يأخذ المياه من الخزان الضخم لبحيرة واقعة بالقرب من الحدود السورية الاسرائيلية، كما ان هناك مصانع كيميائية اسرائيلية وأردنية تقوم باستخراج المعادن من فوسفات ومغنسيوم وبوتاسيوم من مياه البحر لخدمة مشروعات صناعية وزارعية وبهذا فإن مصادر تمويل البحر الميت قد انخفضت بنسبة 90%، الأمر الذي انقص من حجم المياه بشكل كبير و انعكس كما تبين الصور التي التقطت للبحر من خلال الأقمار الصناعية على وضع بعض الفنادق والمنتجعات التي كانت ذات يوم قائمة على شاطئ البحر تماماً، والآن تضع ممرات خشبية تصل بينها وبين البحر بعد ان ابتعدت المسافة بينها وبين البحر بسبب تناقص مياه هذا المسطح المائي، ويظهر هذا التدني في مياه البحر بشكل كبير في الجزء الجنوبي منه، حيث تظهر علامات الانحسار المائي وبروز اليابس على حساب الماء. وفي هذا الصدد يحذر أحد علماء الطبيعة الاختصاصيين في جيولوجيا البحر الميت وهو مايكل نيودلمان قائلا: «ان المنطقة تواجه كارثة بيئية محققة، وان بوادر مماثلة حدثت في البحرات الروسية ، حيث اختفى بحر أرال تماماً، بعد حدوث مثل تلك البوادر بعقود قليلة. وفي الوقت الذي يقلل بعض العلماء من أهمية انحسار مياه البحر الميت، ويؤكدون ان عملية استصلاح صحارى جدباء أهم بكثير من القلق بشأن البحر الميت، الذي في رأيهم سيتوقف انحساره ذات يوم فإن مصير ووضع البحر الميت يلقى اهتماماً اكبر في الأردن، حيث لا تتمتع المملكة بمصادر متجددة من المياه العذبة، الأمر الذي يهدد الحياة بها على المستوى البعيد. وفي هذا الصدد يطالب العلماء هناك بمد البحر الميت بتدفقات من المياه المالحة وهو السبيل الوحيد لابقاء البحر على قيد الحياة، لا سيما وان المشروعات التي تقام حوله لا تستنفد مياهه المالحة فقط، وإنما هي أيضاً تحرم المنطقة المحيطة به من أي مصادر للمياه العذبة، ولذا فإن المنطقة المحيطة بالبحر هي الأخرى في حاجة إلى مياه عذبة وتدفق مستمر للمياه لمد المشروعات الكهرومائية بالطاقة اللازمة. وقد تم القيام بمشروعات في هذا الصدد من قبل ولكنها فشلت كلها لأنها تعالج جزءًا واحداً من المشكلة: إما توفير المياه المالحة أو العذبة، ولا تقوم بتوفير المصدرين معاً. ومن هذه المشروعات هناك مشروع طموح، جوهره القيام بأخذ 800 مليون متر مكعب من مياه البحر الأحمر ونقلها عبر أنابيب من خلال الأردن إلى مصنع تحلية ضخم يقام بالمنطقة يقوم بتوزيع المياه إلى المنطقة المحيطة بالبحر ويرسل الماء المهدر المحمل بكميات ضخمة من الملح إلى البحر الميت حيث يتسنى احداث توازن في مستويات الماء من دون حدوث أي أضرار بيئية، غير ان تكلفة المشروع تصل إلى حوالي 35 مليارات دولار أمريكي الأمر الذي يمثل الصعوبة الرئيسية لتنفيذه إلى جانب اعتراضات بعض علماء البيئة وبعض المسئولين الذين يرون ان المشروع «غير عملي» حيث يرى البعض ان اتخاذ هذا القدر الهائل من مياه البحر الأحمر ربما يضر بالتوازن البيئي في المنطقة وانه ربما تحدث عملية تسرب للمياه المالحة أثناء النقل مما يضر بالمياه العذبة. غير ان الأمر الوحيد الذي يتفق عليه الجميع في هذا الشأن هو ان الموقف بات ملحاً بحيث يتحتم القيام بعمل فوري، حتى لا يتعرض البحر الميت لمصير بحر أرال الأمر الذي سيكون كارثة على الجميع بكل المقاييس. حاتم حسين