تمر المناطق المحيطة بجبل كليمنجارو الشهير الواقع بين دولتي كينيا وتنزانيا والذي يعتبر اعلى جبال القارة السمراء بتغيرات بيئية ومناخية جذرية، منذ فترة ليست بالقصيرة، تنذر بخطر داهم يحيط بالمنطقة ككل وذلك بفعل ظاهرة الاحتباس الحراري، التي امتد تأثيرها هناك الى المساس بقوت الناس وسعيهم لايجاد المسكن والمأكل. ويتجلى هذا التأثير السلبي لظاهرة الاحتباس الحراري بوضوح شديد في احدى القرى التنزانية، وتدعى لياسونجورد والتي تقع فوق المنحنى الجنوبي للجبل على ارتفاع 1700 متر، حيث يرى الزائر هناك نموذجا لما يمكن ان تحدثه ظاهرة الاحتباس الحراري في الاخضر واليابس. ويقول فيلبرت مينجا، احد الاشخاص الذين عاشوا هناك طيلة 60 عاما، ويلقبه اهل القرية بلقب الرجل الحكيم يقول «لقد تغيرت احوال الطقس والمناخ الى الاسوأ في كل شيء. فالامطار تسقط حين لا ينبغي لها السقوط ولا تهطل حينما ينبغي لها الهطول». ويشير الى كيف كان المستوطنون الجدد للمنطقة في الماضي يذهبون الى منحدرات الجبل وسفوحها كي يستفيدوا من تربته الغنية بفضل الامطار والكميات الوفيرة من الماء الموجودة هناك. اما الآن فانهم يهجرون اماكنهم في الجبل ويذهبون ليبحثوا عن ملاذ في مناطق اخرى، بعدما جفت اغادير الجبل، وجدبت التربة، واصبح المكان لا يصلح للاستخدام الادمي. وفي هذا الصدد يقول خبراء المياه في تنزانيا ان مستوى سقوط الامطار على الجبل اخذ في التناقص كل عام منذ سنة 1984. ومنذ عامين اصابت موجة شديدة من الجفاف المنطقة لدرجة ان مزارع ذلك الرجل الحكيم الذي ذكر انفا لم تؤت حصادها ولاول مرة منذ مجيئه للمنطقة منذ اكثر من 60 عاما يضطر الى ان يذهب لشراء الطعام من الخارج كي يستطيع العيش. العام الماضي كان محصوله افضل نسبيا ولكنه لا يزال فقيرا مقارنة بحالته في الماضي. وفي المنطقة اعلى التلال فيما وراء المزارع والقرى أخذت الغابات المطيرة التي كانت تغطي اجزاء من الجبل في الانحسار بفعل ارتفاع درجة الحرارة وما ينتج عن هذا من حرائق وقطع غير قانوني للاشجار. والاخطر من ذلك كله، فان الطبقات الجليدية التي تغطي اعلى قمم افريقيا الجبلية على جبل كليمنجارو اخذة هي الاخرى في التلاشي. يحدث الامر بشكل سريع ومعدل بالفعل ينذر بخطر داهم. وقد فطنت لهذا الامر منذ فترة مجموعة من متسلقي الجبال الذي يبلغ ارتفاعه 6000 متر. ففي كل مرة يبين هؤلاء ان طبقة الجليد الموجودة على قمة الجبل آخذة في الانحسار بشكل كبير، ويظهر بدلا منها طبقة من الصخور، وهو الامر الذي لا يدع مجالا للشك في ان ظاهرة الاحتباس الحراري هي المسئولة عما يجري في المنطقة. ويأتي لون تومبسون بروفيسور الجيولوجيا بجامعة ولاية اوهيو الامريكية، بدليل اخر على التأثير المرعب لظاهرة الاحتباس الحراري في تلك المنطقة. حيث قام بدراسة الطبقات الجليدية والتغير المناخي في العالم لمدة 20 سنة. وفي العام الماضي قام بنشر نتائج بحث قام به على منطقة جبل كليمنجارو. وطبقا لتلك النتائج البحثية فان 30% من الغطاء الثلجي للجبل اختفى منذ عام 1979. وذاب حوالي 82% من الطبقة الجليدية منذ رسمهم خريطة لها عام 1912. ويقول البروفيسور انه لو «استمرت الطبقة الجليدية على معدل ذوبانها الحالي، فانها ستختفي نهائيا بحلول عام 2020 على اقصى تقدير». ولا يختلف سوء حال الغابات المطيرة عن حال الاراضي الاخرى في المنطقة، فالعلماء لا يستطيعون ان يميزوا بين التأثيرات السلبية لظاهرة الاحتباس الحراري على الغابات والضرر المباشر الذي سيحدثه الانسان بهذه الغابات. فالمزارعون الذين اصيبت اراضيهم بالجفاف بفعل الطقس الحار وعدم ثراء التربة، تحولوا الى الغابات لكسب القوت. وبمجرد ان يتواجدوا بها، على حد قول كلاوديا هيمب، احدى عالمات الحيوان التي قضت 13 عاما في دراسة البيئة الحيوانية لمنطقة كليمنجارو، يأخذون في قطع الاخشاب بشكل متهور وعشوائي. والمشكلة في هذا الصدد تكمن في ان امطار تلك الغابات هي المصدر الرئيسي للمياه الذي يروي فيها هؤلاء أراضيهم. فعندما يتم حرق او قطع الاشجار في مساحات واسعة، فان ما يبقى يأخذ في الجفاف ويصبح اكثر عرضة للحريق. وعندما يحدث وتسقط الامطار، فان المياه الساقطة تتهرب الى اسفل التلال بدلا من التسلل الى التربة او التبخر لتكوين سحب اخرى جديدة. واثناء موجة الجفاف التي حدثت عام 2000، ادت الحرائق الى تدمير نحو 5000 هكتار من الاراضي، اي ما يقرب من 5% من مساحة الغابات المطيرة التي لا تزال موجودة. علاوة على ذلك فان القرى الموجودة اعلى التل والتي يتسرب اليها المطر احيانا لا تستفيد بدورها من تلك الامطار. فكما يقول مينجا «المياه لا تصل قريتنا. فقنوات الري الخاصة بالقرية قد اصابها الجفاف. والآن نعاني من الملاريا بسبب انتشار البعوضة المسببة لها». يذكر ان المناخ في قرية على هذا الارتفاع يكون من البرودة بحيث لا يسمح بنمو بعوضة الملاريا التي بدورها تعيش في الاجواء الاكثر حرا، وهو الوضع الذي آلت اليه القرية بعد التغير المناخي الذي الم بها. وفي الجانب الشمالي من الجبل، يبدو الوضع مختلفا، ففي الوقت الذي جفت فيه الامطار، فان الماء لا يزال موجود بوفرة. ولا احد يدري السبب سوى أن ذوبان الطبقات الجليدية وماء المطر الجاري على سطح الارض يذهبا بالحياة بعيدا عن تنزانيا وبالتالي تستفيد اماكن اخرى من كينيا. ونتيجة لذلك تحول متنزه امبوسلي القومي بكينيا الى مستنقع من المياه. غير ان هذا لايمنع علماء البيئة والمسئولين عن المحميات الطبيعية من ان يعبروا عن قلقهم لانه مادام ان الطبقة الجليدية للجبل آخذة في الذوبان، فان اجلا ام عاجلا سيتوقف الماء المنهمر الى المنطقة. يقول اليكس الوسا نائب مدير برنامج الامم المتحدة للبيئة في افريقيا: «قال ان هناك مشكلات اكثر الحاحا من التغير المناخي مثل مكافحة الفقر. واقول لهؤلاء انهم يخطئون التقدير. فلا فائدة من ان نعمل على تخليص الافارقة من الفقر في الوقت التي تتآكل محاصيلهم بفضل الجفاف». وعندما سئل عما ينبغي على الافارقة فعله ازاء تلك الظاهرة، قال: «عليهم بالصلاة والابتهال لله كي يساعدهم».