درس بوزيد عمور الموسيقى بالمعهد الوطني للموسيقى بالجزائر لمدة خمس سنوات وأظهر ميلا خاصا للموسيقى العربية ولا سيما الموسيقى الأندلسية التي كانت موضوع مذكرة تخرجه عام 1975، وكان يعمل خلال تلك الفترة أيضا في الإذاعة الجزائرية ضمن المجموعة الصوتية. وحصل على منحة للدراسة خارج بلاده فالتحق بأكاديمية الفنون بالقاهرة ليحصل على بكالوريوس في التأليف الموسيقي من المعهد العالي للموسيقى العربية سنة 1979. وكان بذلك أول جزائري يحصل على هذه الشهادة ، ليعود الى الجزائر ويعمل في دائرة الموسيقى بالإذاعة ولما انفصل التلفزيون عن الإذاعة الجزائرية عام 1987 ترأس دائرة المنوعات بالإذاعة ،ثم عين مديرا لإذاعة الأغواط الجهوية ـ جنوب غرب الجزائر ـ وعاد بعد أربع سنوات إلى الإذاعة المركزية بالعاصمة التي يشغل بها حاليا منصب رئيس دائرة البرامج الجهوية. ولحن بوزيد عمور لعدد من الأصوات الجزائرية وألف المقطوعات الموسيقية الكثيرة التي تبثها الإذاعة الجزائرية في كثير من المناسبات، كما انصبت جهوده في السنوات الأخيرة على التأليف في فن الموسيقى حيث اهتم بموضوع الصراع الحضاري في مجال الموسيقى بالجزائر كما قدم بحوثا حول نظرية المقامات العربية ،وهي المسائل التي تمحور حولها اللقاء التالي مع بوزيد عمور: ـ عادة ما تخلط وسائل الإعلام بين التلحين والتأليف الموسيقي،فما الفرق بين هذين الحقلين الفنيين ؟ ـ هناك فرق كبير بينهما، فالمقصود بالتلحين هو إعطاء الطابع الموسيقي للكلمات حتى تصبح أغنية، أما التأليف الموسيقي ففضلا عن كونه يعنى تلحين الأغاني فهو كناية عن قطع موسيقية تستغني عن الكلمة لأن النغمة الموسيقية كافية لتصوير المشاعروالتعبير عن الأفكار. ــ هناك من يتهم الموسيقى العربية بأنها موسيقى تطريبية فقط وليست توليفية شأن الموسيقى الغربية التي تزخر بسمفونيات عالمية. ما صحة هذا الزعم ؟ ـ يقع العالم العربي في منطقة موسيقية نسميها فنيا ب« المنطقة الغنائية » بحيث تشمل مجموع الدول العربية والدول الإسلامية كإيران وباكستان وأفغانستان فضلا عن دول أسيوية أخرى كالصين والهند. أما الغرب فقد مرت دوله بهذه الخاصية الى غاية القرن الخامس عشر الميلادي، حيث بدأ عدد من المؤلفين الموسيقيين الغربيين عقب هذا التاريخ يهتمون بابتكار أعمال موسيقية صرفة الى أن جاءت مرحلة ما يعرف اليوم بالموسيقى الكلاسيكية التي لا تزال مكانتها محفوظة الى اليوم. وهكذا تعودت أذن المستمع الغربي عبر خمسة قرون على سماع الموسيقى الخالصة وغيرالمرافقة للكلمة.وأعود الى العالم العربي لأؤكد أن الاستماع الى الموسيقى المحضة موجود منذ القديم ويتمثل في العزف المنفرد على الآلات الموسيقية العربية كالعود والناي وغيرهما، ويتجلى أيضا في المقدمات الموسيقية للأغاني العربية كماهو الشأن عند السنباطي وفريد الأطرش وآخرين كما تبدو من خلال التوشيحات في الأغاني الأندلسية التي لا تزال تحتفظ بها الموسيقى الجزائرية الى اليوم. فالمستمع العربي سميع من الدرجة الأولى، يستمع للأغنية ويستمع للموسيقى وحدها ويتذوق موسيقاه وموسيقى غيره. ـ لقد أشرت في كتابك الصادر منذ قرابة عام الى مخاطر الأخطاء التي يرتكبهاالوسط الفني والإعلامي في حق الموسيقى والغناء العربي، فأين مكمن الخطأ تحديدا؟ ـ لاحظت أننا في العالم العربي نفتقر الى الكتاب المختص والموجه في فن الموسيقى، كما أن الاختصاص بدون ربطه بالأهداف وطموحات المجتمعات العربية يبقى هائماوناقصا. ولذلك شرعت في تأليف الكتاب الذي أشرت إليه والمعنون ب«الموسيقى والصراع الحضاري في الجزائر» وتطرقت فيه الى الخطورة التي تحدق بفننا وإرثنا الحضاري إذا بقينا على الحال السابقة باعتمادنا على النموذج الغربي وتناسي موروثنا الحضاري. ـ ومن المروّج للموسيقى الغربية حتى يكون لها هذا الخطر على الموسيقى العربية والذي تغالي كثيرا في التخويف منه ؟ ـ الخطورة تأتي من وسائل إعلامنا بالدرجة الأولى كما أن وسائل الإعلام الغربية غدت في متناول كل الشباب العربي، فالسينما والتلفزيون وحصص المنوعات كلها تروج للفن الغربي بكل حيثياته وبغثه وسمينه لا سيما في سياق غياب الحصانة الذاتية لدى أغلب المشاهدين والمتلقين العرب، وكثيرا ما ينساق شبابنا وراء الموسيقى الغربية، وينظر الى موسيقانا بعين التحقير. ـ وهل الحل إذن هو إيصاد الأبواب أمام الفن الوافد ؟ ـ أنا لا أدعو الى الانكماش والتقوقع لكن لابد من التمييز وهو أمر صعب على الشباب، وأدعو الى تفعيل نشر الثقافة العربية في كل المجالات وتدريس الموسيقى تدريسا هادفا، وتشجيع وسائل الإعلام العربية لفننا وموسيقانا لنحافظ على ذاتنا الحضارية وسط هذه الشمولية أو العولمة الهائجة. ـ المعروف أن كبار الملحنين العرب طعموا ألحانهم بالموسيقى الغربية ونشروا الفن العربي على أوسع نطاق فهل يشكل هذا أيضا خطرا على هوية الموسيقى العربية وأصالتها ؟ ـ لا أعتقد أن هناك أي خطر من هذه الاستفادة ولا سيما إذا كانت من قبل مبدعين يعرفون أسرار الموسيقى العربية، بل الخطر في تقمص موسيقى غيرنا ومحاولة فرضها على الجماهير الواسعة بكل الوسائل. ـ الراي أغنية شبابية لا تراعي الآداب، لقد استفاد الراي من الريتم الغربي ونشر هذا الفن عبر العالم بعدما كان محصورا في بادية وهران بالجزائر، فما علة اعتراضكم على هذا اللون الموسيقي المتألق؟ ـ نعم أنا من المنتقدين للراي وبلا هوادة، فكلمات الراي تسيء الى مجتمعنا وثقافتنا وتاريخنا، ولنا أمثلة كثيرة عن هذه الكلمات التي لا تمت بصلة الى الأخلاق والفن معا، أما من الناحية الموسيقية فالراي موجة شبابية تعرف في كل المجتمعات في فترات مختلفة وهي شبيهة بموسيقى « أرخي الستارة » التي راجت بمصر خلال فترة العشرينيات، وتقترب من الأغنية الشبابية التي تعرفها بعض البلدان العربية هذه الأيام. ـ وماذا عن نظرية المقامات الموسيقية التي تحدثت عنها في بعض وسائل الإعلام ؟ ـ المسألة لا تتعلق بنظرية جديدة في المقامات، وإنما الأمر بكل تواضع يخص طريقة تدريس وفهم المقامات الموسيقية العربية اعتمادا على أصول نظريات عربية ابتكرها الموصلي والكندي، الى جانب نظرية زرياب التي لم تكتشف أو لم تكن معروفة معرفة تامة ودقيقة. فالصعوبة في هذا المجال تكمن في تعذر حفظ ما يقارب 100مقام موسيقي، وما قدمته في دراستي ـ التي ستصدر في كتاب ثالث لاحقا ـ هواختزال المقامات الى 11 مقاما موسيقيا وفق نظرية التجذير أو الاشتقاق، فبالنسبة لمقام الرست نجد الجذر والفرع مقام رست، بينما في حال تغيير الفرع الى بياتي يتغير اسم مقام الرست وهكذا.وهذا ما أدى الى تعدد الأسماء لشيء واحد. ـ تحدثت عن اكتشاف نظرية زرياب وكأنها غير معروفة؟ ـ قام مجموعة من الباحثين العرب والمستشرقين بتحقيق رسالة ابن المنجم الخاصة بنظرية «المجرى عند الموصلي» ، وحينما كنت بصدد التنقيب عن نظرية زرياب وجدت أنه صحح كثيرا من أخطاء نظرية الموصلي، وسرت على منواله في التصويب، لا سيما وأن رسالة المجرى لابن المنجم مبتورة إذ لم تحقق كاملة وهناك نقص واضح فيما يتعلق بـ « مجرى الوسطى» ، وحينما يصدر الكتاب سيجد المختصون أهمية هذا التصحيح الذي بني على أسس علمية، كما أنني توصلت الى نظرية زرياب التي هي أشمل نظرية للموسيقى العربية. الجزائر ـ مراد الطرابلسي