إن من أصعب المهام التي تعترض الطفل في حياته بعد مهمة الولادة، هي عملية التوازن ليسير على سطح الأرض واقفا على قدميه. وكلنا يعرف كيف يبدأ الصغير أولا بتوازن رأسه، ثم بتوازن الجذع للجلوس، وبعدها ينتقل إلى التوازن في خطوة أولى، ثم المشي بصعوبة بالغة في البداية، ويصبح الأمر بعدها أسهل بكثير. إن التوازن إذن هو عملية مكتسبة تأتي بالتدريج لدى الجنس البشري نتيجة الممارسة اليومية. أما من الناحية العلمية الطبية فتبدو الأمور أكثر تعقيدا، لكي يصل الطفل إلى السير على قدميه تتشارك أعضاء كثيرة من جسمه لجعل هذا التوازن ممكنا. ويتضح هذا التعقيد لدى المرضى المصابين بفقدان التوازن، عندما يعرفون أن عليهم زيارة الأطباء باختصاصات متنوعة مع الكثير من الفحوص الطبية والمخبرية. وجرت العادة أن تبدأ الزيارة بعد طبيب الأسرة العام إلى طبيب الأذن والأنف والحنجرة الذي يطلب في بعض الحالات تدخل أخصائيي العصبية. العينية ـ الغدد ـ وأحيانا أطباء الداخلية أو النفسية. فتزيد الأمور تعقيدا لدى المريض وعائلته في معظم الحالات. ما هو سر هذا التعقيد، وكيف يصل المريض إلى نتيجة في النهاية؟ . تعترض الطبيب المعالج في بداية المرض أمور كثيرة، ففي الهجمات القوية لعدم التوازن والتي ندعوها الدوار، يبدأ وأمام إلحاح الأسرة وخوفها، بمعالجة الأعراض الظاهرة لدى المريض. كمعالجة الشعور بالدوران،الإعياء والقيء، مهما كانت الأسباب. وقد تطول الأعراض قرابة الأسبوع في بعض الحالات رغم العلاج المكثف. بعد أن تستقر حالة المريض يبدأ الطبيب بالبحث عن السبب بدراسة جدية. فالدوار يعرف على أنه عارض، يشعر المريض فيه بتحرك الأشياء من حوله أو بتحركه حول الأشياء. ويقسم إلى قسمين: الأول دوار حقيقي بثلاث درجات: 1ـ درجة عظمى: حيث يشعر المريض بدوار شديد وكأنه في دوامة كبيرة مع إحساس بالتحليق. 2 ـ درجة وسطى: يصف المريض الدوار لديه على أنه دوار عنيف. 3 ـ درجة منهكة: منهكة للمريض، مع دوار مستمر طويل متقطع ونوع من عدم الاستقرار، تأرجح عند المشي. والقسم الثاني: هو الدوار الكاذب حيث يصف المريض حالته بوجود ستار أسود أمام عينيه أو رؤيا غير واضحة لديه. إن إصابة أي نقطة من الأذن الداخلية، أو الأعصاب التي تخرج منها، أو المراكز السمعية في الدماغ. تؤدي بالنتيجة إلى خروج إشارات أو معلومات خاطئة من نقطة الإصابة إلى مراكز التوازن العصبية، فترتبك هذه الأخيرة لأن المعلومات الواصلة إليها من بقية الأعضاء المسئولة عن التوازن تختلف عن تلك الواردة من مكان الإصابة. هذا التضارب في المعلومات، يؤدي إلى حدوث الشعور بعدم التوازن، أو الدوار لدى المريض. فمن أين تأتي المعلومات إذن عن توازن الجسم بشكل عام، وما أسباب الإصابات التي تحدث في جهاز التوازن الموجود في الأذن الداخلية ؟ إن المعلومات تصل إلى مراكز التوازن في الدماغ عن: 1 ـ طريق العين، التي ترى الوسط المحيط وتخبر المركز بوجود العوائق في الطريق مثلا، وأين هي حدود الأشياء بالنسبة للإنسان وهذا ما يمنحه كما هائلا من المعلومات للتوازن. ولهذا السبب يفقد الإنسان بعضا من توازنه عند دخوله في الظلام المطلق بشكل سريع. 2 ـ من الأذن الداخلية التي تحتوي في طياتها على جهاز للتوازن، يساعد في تعرف الإنسان على حركته في الفراغ، لهذا السبب يستعيد الإنسان توازنه ولو في الظلام. وهناك أجهزة وخلايا خاصة للتوازن ترسل المعلومات من أماكن أخرى،كعضلات الجسم، من الجلد، من المفاصل والأربطة التي تحيط بها وهناك أماكن وحواس أخرى تلعب دورا، في توازن الجسم بشكل ثانوي كالرقبة، حاسة الشم، والسمع، فمن منا لا يعرف، أن الرائحة القوية أو الصوت العالي قد يسببان نوعا من الدوار. أخيرا لا ننسى، أن الجملة العصبية برمتها، تشارك في توازن الجسم مع الدماغ والمخيخ الذي يعتبر منسقا لمجمل المعلومات الواردة عن توازن الجسم نحو المركز. أما أسباب إعتلال المعلومات القادمة من جهاز التوازن، الموجود في الأذن الداخلية فهي كثيرة. ما يدعو بعض الأطباء لتعريف الدوار على أنه إما أن يكون: أوراماً دماغية أو أمراضاً عصبية أو أمراضاً وعائية ـ أوعوارض عادية. 1 ـ أسباب فيزيولوجية: ومنها دوار السفر، دوار الفضاء في الطائرة، دوار النظر من الأماكن العالية، الدوار الجسماني نتيجة الإرهاق والتعب العضلي. المواد التي تهيج الأذن بشكل وقتي كالتدخين. 2 ـ أسباب ناتجة عن أمراض عامة : ومنها الأمراض الوعائية: نقص تروية الأذن بسبب أمراض رئوية ـ فقر الدم ـ نقص حجم الدم كالدوار الناتج عند رفع الرأس وليس العكس، الدوار الناتج عند السعال، دوار ارتفاع الضغط الشرياني، هبوط السكر في الدم. أمراض هرمونية :كدوار ما قبل العادة الشهرية، دوار أمراض الغدة الدرقية، خلل في استقلاب السكر لدى مرضى السكري، في أمراض الضغط النفسي. التداخلات الدوائية وخاصة، الأدوية المهدئة والمنومات. 3 ـ أما أمراض الأذن الداخلية بكاملها والتي تسبب الدوار، المرض المعروف بداء منيير وهو باختصار زيادة في ضغط الأذن الداخلية بشكل هجمات مرضية. التهاب الأذن الجرثومي أو الفيروسي، أمراض وبائية كالزهري، نزيف في الأذن الداخلية أو توقف وصول الدم إليها. صدمة على الجمجمة مع كسر في العظم المحيط للأذن أوبدونه. ناسور وعائي متشكل داخل الأذن. وقد تكون الإصابة محصورة في جهاز التوازن الموجود في الأذن الداخلية على حدة بسبب : استعمال أدوية سمية تؤثر مباشرة على جهاز التوازن، كالصادات الحيوية. الشيخوخة. التهاب أعصاب التوازن. أورام العصب السمعي. وكذلك الدوار، الناتج عن أمراض عصبية، كالإصابات المركزية في الدماغ والمخيخ، أمراض جذع الدماغ، البصلة السيسائية، دوار الصرع، نقص التروية الدماغية، الشقيقة، رضوض الدماغ، تصلب الشرايين. ولا ننسى العين في التوازن فهناك دوار حقيقي ينتج عن أمراض عينية كثيرة سواء ضعف النظر أو ما يرتبط بحركات العين. وهناك الدوار الناتج عن أمراض في الرقبة كانقراص الفقرات والتي تسبب أحيانا نقصا في تروية الأذن وبالتالي إلى الدوار. وأخيرا لا ننسى كذلك أن الدوار قد يحدث مع وجود أمراض نفسية، فالوهن الجسماني الناتج عنها يسبب الدوار. وهناك الدوار الناتج عن الخوف. وقد يكون الدوار أحد عوارض الإنهيار العصبي. دوار الهستريا وهو نوع من الدوار المختلق،ناتج عن بعض الأمراض النفسية. و كما نرى لا نقول أحيانا عبثا عن فلان من الناس أنه متزن. د. فادي لوقا أخصائي أمراض الأذن والأنف والحنجرة وجراحتها