ان يزاحمك ضيق المكان في جلسة خاصة فأنت تبحث عن مهرب لكي تملأ رئتيك بهواء نقي غير الذي تلوث برائحة خبيثة لجليس ما، واذا اجتاحتك الرائحة ذاتها مع مراجع او زميل لك في العمل يقتحم باب مكتبك فسوف تنطلق لا شك الى اقرب نافذة تستجير بها، وقياساً على الحالتين انت تملك الخروج من دائرة مكتملة هي بمثابة الفترة الزمنية التي يفرضها عليك فعلاً عارض كأن تستقل سيارة اجرة لا تستطيع حيال رائحتها الكريهة سوى ان تصبر.. او ان تغادر. وعلى عكس ما سبق، فإن شريك الحياة ليس حدثاً طارئاً يمكن التعامل معه بسهولة خاصة في اللحظات الدافئة، واذا كانت هذه النقطة بالذات سوف تحيلنا الى مدى الوعي بأهمية النظافة العامة، فانها كذلك سوف تجيب على دهشتنا الممتلئة بالانتشاء حين نشتم تطرفاً في استعمال المطيبات والعطور.وفي كل الاحوال فإن رائحة الفم تعتبر مشكلة تؤرق الطرف المتضرر اكثر مما يشعر المتسبب، فهل باستطاعتك ان تنبه احدهم الى ذلك دون ان تشعر بالحرج؟، وهل تؤثر رائحة الفم سلباً او ايجاباً على علاقة الازواج ونعتبرها مشكلة مجسدة لها ابعادها وخطورتها؟ «دنيا الناس» طرحت الاسئلة وكان ما يلي: في رأي فاتن جميل ان العلاقات الزوجية والانسانية تخضع لنظام سلوكي ترضى عنه كل الاطراف.. ومن ضمن هذه السلوكيات نظافة الانسان واهتمامه بجسده، لذلك فإن الاهتمام برائحة الجسد امر ضروري للغاية، لأنها تؤثر سلباً على العلاقة الانسانية فيصبح الانسان تعساً وغير راض عن نفسه مما يسبب خدشاً في العلاقة بينه وبين الاخرين، وربما يؤدي ذلك الى خيبة امل كبرى او هزيمة للمشاعر المتعلقة بالجمال والحيوية، فيحدث عندها الخلل ويقضي على اجمل ما يحتاج اليه المرء في حياته الا وهو الابقاء على العلاقة بينه وبين من يحب، وبينه وبين الاصدقاء. وتستطرد فاتن قائلة: اذا استحضرنا الى الذهن تلك المقارنة بين رائحة الكحول والعطور سنلمس الفرق واضحاً بين ما هو خبيث وما هو طيب، وحينها سنعلم انه ليس بامكاننا تقبل امر غير مرغوب فيه، بينما يمكننا تقبل ذلك بتلقائية مع ما هو لطيف ومقبول، وقضية كهذه مهمة للغاية ولا يجب اهمالها، وعلاجها ممكن عن طريق المصارحة بين الازواج بدلاً من الهروب او السكوت والمواربة، وليس مطلوباً ان تكون الرائحة ملفتة اوجذابة، بل الاهم ان يغلب عليها طابع القبول بان تكون في حدود المعقول دون اضافة معطرات، لان المهم هو الحفاظ على رائحة لا تثير توتراً او اشمئزازاً كرائحة الثوب والجسد، والفم، والاعتناء بأمور كهذه واجب على الانسان، فنحن لا ننسى ان الاسلام حين جاءت رسالته المنيرة لم يغفل هذه الجوانب بل ركز عليها كثيراً في الكتاب الكريم وفي السنة النبوية ايضاً اذ قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «لولا ان اشق على امتي لامرتهم بالسواك عند كل صلاة»، والحق ان مشكلة الرائحة قد تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها في عمق الحقيقة هي اكبر مما يظن الناس. اما غريب احمد فهو يطرح افتراضاً بديهياً، اذ يرى ان الرائحة الطيبة تساعد المرء على السكينة والارتياح، وذلك عكس ما يمكن ان يقال عن رائحة اخرى غير مستحبة، فهي لا شك منفرة وترغم الانسان على الابتعاد، واذا حدث ان تعرضت لمثل هذه الرائحة في مكان عام فأنا اتصرف بشكل عادي حتى لا اسبب احراجاً لصاحبها، فهو اولاً واخيراً انسان مثلي ولديه مشاعر واحاسيس يجب مراعاتها، لكنني في الوقت نفسه ابحث عن طريقة ما لأبتعد عن المكان، اما ان اواجه احداً لا اعرفه برائحته فهذا من «المستحيلات» التي لا اجرؤ على فعلها، لكن اذا تعلق الامر بزميل في العمل او بشخص اتعامل معه بصفة مستمرة، فأنا لن اتردد في توجيه النصح مباشرة بل واساعده لكي يتخلص من رائحته بمعرفة اسبابها، فإن كانت مرضاً اشير عليه بضرورة مراجعة الطبيب المختص، واما اذا كانت غير مرضية ونتيجة للاهمال فلن اتركه حتى يستجيب ولو ادى الامر الى قطيعة بيني وبينه. اما عن تأثير الرائحة على علاقة الازواج يواصل غريب: الزواج الناجح يعتمد على عدة ركائز اولها الحب، فإذا وجد الحب الصادق بين طرفين فهو قادر على ازالة جميع المشاكل التي قد تحدث، لذلك يجب علينا الا نأخذ بما هو معلن، بل علينا ان نفتش عن الاسباب الخفية التي تجعل احد الازواج يشكو من رائحة شريكة، او من صوته اثناء النوم او ما الى ذلك من اسباب لا ارى فيها مشكلة عصيبة، بل على العكس ان المكاشفة في مثل هذه الحالات ومساعدة الطرف المتسبب على تجاوز هذه المشكلات قد يؤدي الى ارتباط اقوى ومشاعر اكثر صدقاً بين الطرفين، وانا لا اريد ان اقلل او ابسط من خطورة هذه الامور، لكن علينا ان نعرف ان الخطورة تكمن في مدى وعيناً وتقبلنا لمثل هذه المشاكل والتعامل معها كحالة مرضية تستوجب العلاج، مع الاخذ بعين الاعتبار ان هناك ما هو خارج الارادة، بمعنى ان المريض لا يستطيع الامساك بأسباب مرضه، او ربما يحتاج الى فترة علاج طويلة، لذا علينا التماس الاعذار لمثل هؤلاء قدر المستطاع. ويختم غريب قائلاً ان الانسان بنظرته يحب الاشياء الجميلة والروائح الطيبة، وإن ديننا الحنيف قد أمرنا بعدم أكل الثوم والبصل عند الذهاب إلى الصلاة في المسجد حتى لا يتأذى أحد من رائحة غير مستحبة. جوانب نفسية من ناحيته ينظر مجد أرسلان إلى المشكلة من ناحية نفسية ويحيلها إلى «كولن ولسن» في كتابه «أصول الدافع الجنسي» حيث يعتبر أن رائحة الجسد الطبيعية أي التي لاتتدخل فيها مؤثرات خارجية بالايجاب أو التي لاتشوبها افرازات مرضية، وسواء كانت هذه الرائحة لرجل أو لامرأة، لهي أكثر جذباً مما استحدثته مستحضرات التجميل مجتمعة، لذلك أنا لا أرى مشكلة حقيقية يمكن التعامل معها بجدية، وإنما هي مشاكل ذاتية تخص أصحابها في المقام الأول، وبعيداً عن حجم الاضرار الناتجة عن حالات هي في الأصل قليلة أرى اننا نضخم الأمور تجاه أشخاص لديهم ظروفهم الخاصة، مرضية كانت أو أسرية تتحمل مسئولية التنشئة الخاطئة عندما لا تراعي أولويات النظافة البدنية عند افرادها، ان مثل هؤلاء لديهم أعباء نفسية لا يتحملونها، فليس من اللائق ان نزيدهم آلاماً هم في غنى عنها، وأنا لست على استعداد بأن أقدم نصيحة لأحد إلا إذا كان صديقاً مقرباً، أعرف انه لن يتأذى في مشاعره، إذا صارحته بأمر كهذا، والمشكلة ليست بهذه السهولة التي يظنها البعض انها مسئولية كبيرة تحتاح إلى لباقة ومعرفة مسبقه، بالتركيبة الانسانية للطرف الآخر. ويضيف أرسلان قائلا: اما من ناحية الازواج فالأمر مختلف تماماً، فمن العوامل الأساسية والمهمة التي قد تغيب عن معظم الأزواج هي ان يعتاد كل طرف على رائحة الآخر، وهذا العامل بالذات يلعب دوراً خفياً في استمرار العلاقة الزوجية واستقرارها ومثال بسيط على ذلك، فإذا استبدلت الزوجة عطرها الذي اعتاد عليه الزوج، فهو لا شك سيلاحظ التغيير، وليس بالضرورة ان يكون التغيير سلبياً أو ايجابياً، إنما هي الملاحظة فقط، وفي المقابل فإن الزوجة كثيرة التنبه لرائحة الملابس عند عودة الزوج من العمل مثلاً. والرائحة الكريهة لا يمكن ان تؤثر على علاقة الأزواج ما دام بينهم رباط قوي من التفاهم والأخذ بنصيحة الآخر. نتيجة متوقعة من جهتها تقول منى سعيد: ليس لدي فارق بين رائحة زكية وأخرى غير طيبة، فكلا الرائحتين ترتبط في ذهني مسبقاً إما بالاماكن أو بالأشخاص، فمثلاً أنا لا أشعر باشمئزاز عند مروري بمنطقة تفوح منها رائحة الأدوية التي يمكن ان يتقبلها شخص آخر، فقط لأن مثل هذه الرائحة تذكرني بمكان له تأثيره الخاص على ذاكرتي، أما إذا كانت الرائحة صادرة عن شخص ما التقيته في مكان عام فرضته ظروف معينة فأنا لا أظهر تذمري احتراماً لانسانيته لكنني بالطبع سوف أشغل نفسي حتى تنتهي هذه اللحظات الطارئة، أما إذا كانت هذه المشكلة عند شخص مقرب تربطني به علاقة تسمح بأن أنبهه فسوف ألمح له بحرص شديد خوفاً من ايذاء مشاعره أو انهيار صداقتنا، وهذا ما لا أرضاه بطبيعة الحال. وتضيف ان الرائحة غير المستحبة يمكن ان تكون ناتجة عن اسباب عدة منها النظافة الشخصية، وهذا سبب أشك في استمراريته مع أشخاص يتعاملون مع المجتمع بشكل دائم، لأن المؤكد انهم سيشعرون بنفور الآخرين منهم والابتعاد عنهم، اللهم إلا إذا كانوا في الأصل لا يهتمون بمشاعر المحيطين بهم، أما إذا كانت الرائحة ناتجة عن مرض فبديهي ان يتجه البحث عن العلاج، في حين ان المشكلة إذا تعلقت بالأزواج، فمن المؤكد انها ستؤدي إلى حالة خمول في العلاقة وشعور بالضيق، ولنا ان نتخيل زوجة تهيأت لاستقبال زوجها الذي يأتي من عمله ليلاً ليلقي بحذائه بطريقة عشوائية ثم يستلقي دونما نظافة فتصبح رائحة المكان غير مقبولة وأحياناً لا يمكن احتمالها في هذه الحالة لا ذنب للزوجة ان نفرت من زوجها. حكمت المحكمة أما شادية الرفاعي التي تدخل في الموضوع من واقع تجربتها مع زوج أوصلها بعناده إلى المحكمة حيث تقول: لقد عانيت كثيراً من رائحة فمه التي لا تطاق وانتظرت طويلاً ان ينتبه بنفسه إلى المشكلة حتى تظل العلاقة نظيفة من المنغصات ولكن هيهات، المحت له مراراً انني أعاني من مشكلة في المعدة، وأحياناً أخرى في الأسنان، فعلت ذلك لكي أجنبه قسوة المكاشفة، لكنه كان بليدا لا يطاق لذلك صارحته دون مواربة أو خوف لأنني كنت قد وصلت إلى مرحلة لا يمكن الصبر بعدها، ومع ذلك لم تجد محاولاتي نفعاً، هددته بالانفصال وأيضاً لم يهتم ومع انني عرضت عليه ان أتحمل مصاريف الطبيب والعلاج وكل شيء إلا انه ظل على حاله وكأن شيئاً لا يعنيه، لم أجد أمامي سوى المحكمة لكي تفصل بيني وبينه اما بالطلاق وإما بالاصلاح، لكنه لم يستجب لهذا ولا ذاك عندها أشار علي أحدهم بالخلع فهو الوسيلة الوحيدة التي يمكن ان تنقذني من هذا العذاب الدائم، وقد كان. إلا ان زوجي المحترم لم يطلق إلا بعد ان تقاضى خمسة عشر ألف درهم عداً ونقداً، أمام القاضي، دفعتها له وأنا راضية تماماً، فليس هناك أجمل من رائحة طيبة تملأ عليك حجرتك. عنوان المرء هشام أحمد كانت له وجهة نظر وسطية اذ يقول: أنا من الناس الذين يفضلون مواجهة الذات قبل كل شيء، فأنا قبل ان ينتقدني أحد لابد وان أحاسب نفسي وأراها كما يجب ان تكون عليه مع الناس، حتى لا أؤذي شخصاً أو أضايق الآخرين، لذلك أنا أرى في رائحة الفم مشكلة تخص أصحابها بالدرجة الأولى وعليهم ان يكونوا اكثر احتراماً لأنفسهم فيبحثوا عن علاج لمشكلتهم من دون خجل أو تردد، وإلا فإن اندماجهم في المجتمع بشكل طبيعي سيكون أمراً صعباً للغاية خصوصاً وان الرائحة هي عنوان المرء وتعرف في أحيان كثيرة قبل الاسم، لذلك تعتبر هذه المشكلة من أخطر ما يمكن ان يواجهه الانسان في حياته. أما عن تأثير الرائحة على علاقة الأزواج يقول هشام: في علاقة الأزواج يجب ان تكون هناك مصارحة وتفاهم بين الطرفين والعمل على ايجاد حلول وليس العكس، وأنا شخصياً أعرف زميلاً كان يحب فتاة وتقدم لخطبتها ولكن بعد فترة اكتشف رائحة غير مستحبة تصدر عنها فكانت النهاية، عموماً فإن مثل هذه المواضيع لا يمكن اغفالها ويجب ان تأخذ حقها كاملاً لتخلق حالة من الوعي لدى عامة الناس فهم الأكثرية التي تغض الطرف عن أمور بسيطة في ظاهرها في حين انها بمثابة القنبلة الموقوتة التي لا يعرف أحد عواقبها ان هي تفاقمت. عز الدين الاسواني