بيان الجمعة: مما لاشك فيه أنه كلما إنجلى الغموض عن المعرفة كلما تبينت لنا أعمال الخالق العظيمة في هذا الكون اللانهائي. ومن ثم فإن الاكتشافات العلمية الكثيرة التي لا حصر لها تبعث على الإيمان وتعمل على التقرب إلى الله عز وجل، لقد أثبتت الرياضيات والقوانين الهندسية أن هذا الكون صمم بواسطة ذكاء هندسي لا حدود له لا يمكننا أن نتصور مداه مهما بلغنا من التصور العلمي والفلكي فهذه القبة الزرقاء التي تغلف هذا الوجود تبين عظمة صنع الله تعالى والحياة فيه لايمكن لإنسان أن يسبر غورها لأنها تضفي ظلالها على كل كائن حي. حول هذا الموضوع يقدم لنا الدكتور أحمد محمد عوف كتابه المهم (أفلا تبصرون). مبعث الحياة في البداية يطرح المؤلف سؤالا حول حدود هذا الكون الذي يتراءى لنا ولماذا هذا الكون بنجومه وكواكبه ومساراته قائم ؟! ويجيب المؤلف على سؤاله بسؤال آخر: أهي الصدفة التي لا وجود لها إلا في أذهان الماديين الجدليين أم هو الوجود الذي يبين أن الخالق موجود. أننا لو تطلعنا إلى هذا الكون ونظرنا إلى المحيطات التي تحيط باليابسة من كل جانب ونظرنا إلى الحياة في أعماقها لرأينا مدى قدرته سبحانه على خلقه فالأرض تدور حول نفسها بسرعة الف ميل في الساعة لو قللت سرعتها إلى مئة ميل فإن الليل والنهار سوف يطولان أي أن النهار سوف يزيد طوله بمقدار عشرة أضعاف. ولو أن هذه الأرض التي تميل بزاوية قدرها 23 درجة لم تكن مائلة فإن ملايين الأطنان من الثلوج تندفع نحو اليابسة كذلك قشرة الأرض لو زاد سمكها بمقدار عشرة أقدام فسوف لايكون ثمة أكسجين على وجه الأرض ومن ثم لا تكون حياة فيها ولو أن المحيطات زاد عمقها عدة أقدام فإن غازي ثاني أكسيد الكربون والاكسجين سوف يمتصان ولن تكون للنباتات حياة على الأرض. والقمر لو أنه ابتعد عن فلكه خمسين الف ميل فإن حركة المد والجزر في البحار فوق الأرض سوف تكون هائلة لدرجة أن قارات العالم سوف يغمرها المياه مرتين يوميا كذلك الجبال سوف تتآكل بدورها. ولو أن طبقات الجو من حول الأرض كانت أقل سمكا فإن بعض الشهب التي تحترق في الفضاء بالملايين كل يوم سوف تهبط إلى كل أجزاء الأرض لتحرقها. كل هذه الدقة البالغة بين النظم الكونية السائدة ومدى الترابط بينها لا تدع مجالا للشك بأنه لا يوجد ثمة فرصة واحدة تبين أن الحياة على هذه الأرض وخلق هذا الكون صدفة فالشمس التي هي مبعث حياتنا درجة حرارة سطحها 1200 درجة فرنهايت والأرض تبعد عنها بالقدر الذي يقيها من شدة هذا اللهب الحارق فلو أن هذه الشمس نقصت حرارتها إلى النصف فإننا نتجمد. وينتقل بنا المؤلف إلى الحديث عن باطن الأرض موضحا أن الأرض أشبه بالبيضة لها قشرتها الخارجية الرفيعة وداخلها السائل وقلب الأرض فرن عالي الحرارة حيث تصل فيه درجة الحرارة إلى 8000 درجة مئوية فكلما نزلنا في القشرة 35 مترا إرتفعت درجة الحرارة درجة مئوية واحدة. وتتكون طبقات الأرض من قشرة صلبة لها عدة طبقات تعتبر سجلا لعمر الأرض وتحتها طبقة سائلة هي قلب الأرض. ومن باطن الأرض تخرج نافورات الينابيع الحارة وقد تصل المياه لدرجة الغليان كما يصل إرتفاع النافورات الطبيعية إلى 75 مترا في الهواء وهذه المياه الحارة أصلها مياه الأمطار والمحيطات والبحار التي تسربت إلى باطن الأرض ووصلت إلى المناطق الساخنة فغلت وخرج منها بخار يشكل قوة ضاغطة هائلة لتخرج المياه من فتحة أو شق في القشرة الأرضية وحسب الضغط الداخلي لبخار الماء تخرج الينابيع ويكون إرتفاع مياهها في الجو فنرى ثمة ينابيع حارة تصعد في وسط المحيطات يتصاعد منها بخار الماء ففي جزيرة (إيسلندا) بالمحيط الأطلسي توجد نافورات المياه الحارة التي يصل إرتفاع مياهها إلى 75 مترا وهذه الينابيع دائمة. وفي البحرين نشاهد ينابيع المياه العذبة في وسط مياه الخليج المالحة ويشرب منها البحارة، ولقد وصف (ابن بطوطه) هذه الينابيع ضمن رحلته الخالدة. وفي منطقة القطبين حيث ملايين الأطنان من الجليد المتجمدة منذ آلاف السنين فوق قشرة الأرض يوجد تحتها الأفران في باطنها لهذا عمال المناجم الغائرة في القشرة بسيبيريا يشعرون بالدفء داخلها رغم هذه الكميات الهائلة من الجليد فوقهم. والإنسان سبر غور الفضاء من حوله إلا أنه لا يستطيع أن يصل إلى مركز الأرض الذي تصل فيه درجة الحرارة 8000 درجة مئوية تصهر كل شئ واقصى عمق وصل إليه الإنسان بإمكانياته الهائلة هو عشرة كيلو مترات علما بأن مركز الأرض يبعد عنا بحوالي 6357 كيلو مترا. والمعادن من شدة هذه الحرارة تنصهر فتصعد كحمم بركانية تدفعها الأبخرة المحبوسة في جوف الأرض. وهذه الأبخرة تضغط ضغطا هائلا على السوائل المنصهرة فتخرج إلى الهواء متطايرة في شكل براكين فوارة كما يفور اللبن من الإناء عند الغليان والحمم السائلة عندما تصبح في الهواء فوق سطح الأرض تبرد وتتجمد. وفي قلب الأرض يوجد ضغط هائل يعادل ملايين الضغط الجوي فوق سطح الأرض وسبب الحرارة الهائلة في جوفها أن الأرض كانت كرة من اللهب المتوهج أخذت تبرد من على سطحها، وكلما بردت تتشقق بعض أجزاء من قشرتها الخارجية فتحدث رعشة تسبب الزلازل التي تهدم المنازل وتحدث إرتفاعات في موج البحار والمحيطات التي قد يصل إرتفاعها إلى 30 مترا وقد تغرق المدن الساحلية والأرض تصاب بمليون هزة سنويا قليل منها يسبب الكوارث. حالة غازية! وتحت عنوان: (سنريهم آياتنا في الآفاق) يدعونا المؤلف إلى التطلع إلى السماء لنرى الشمس وما حولها من كواكب كلها تسير بمدارتها في حركة دائرية من حولها وكل كوكب له مداره الذي يدور فيه وهذه الكواكب يقال أنها كانت أجزاء من الشمس ثم تبعثرت هذه الأجسام في الفضاء الكوني وهي في حالة غازية وتحولت بعد ذلك إلى تسعة كواكب سيارة تدور حول الشمس في رحلة كونية خالدة قال تعالى: أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وتفتقت الشمس إلى تسعة كواكب سيارة. وقد أنبأنا بهذا القرآن الكريم قبل أن يصل إلى هذه المعرفة علماء الفلك بمئات السنين. وهذه الكواكب مرتبطة إرتباطا جاذبيا بالشمس وهنا نتساءل: أفلا ينظر الإنسان إلى السماء وكيف رفعت ؟ وإلى الجبال وكيف نصبت ؟ قال تعالى (ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا). فالشمس خلقها الله سراجا أي كرة من النيران التي تعتمل في جوفها لتنير الكواكب السيارة التي تسبح من حولها في فكلها كالأرض والمريخ وعطارد والزهرة وبلوتو... الخ وكل هذه الكواكب تدور حول الشمس التي تسطع بنورها عليها في موكبها الأزلي والقمر مرآة للشمس تعكس على صفحته نورها والشمس تنبعث منها الحرارة لتغطي هذه الكواكب التوابع بفيض من أشعتها، وكلما إبتعد كوكب من هذه الكواكب التسعة عن مركز الشمس كلما قلت حرارته، فبلوتو أبعد هذه الكواكب عن الشمس، لذا فهو أبردهم، وكلما قرب الكوكب من الشمس كلما قطع دورته حول الأرض في فترة أقل، فكوكب عطارد لقربه من الشمس، فهو يقطع رحلته حولها في 88 يوما، بينما الأرض تبعد عنها فلذا تقطع رحلتها في 365 يوما، في حين أن كوكب بلوتو يقطع هذه الدورة لاتساع مدار فلكه في 250 عاما، فعلى هذا نجد أن كل كوكب من هذه الكواكب التسعة تختلف درجة حرارته حسب بعده عن الشمس، وتختلف أيضا سنته الشمسية حسب طول مداره وبعده عنها، إلا أن الشمس أمام هذا الفيض الهائل من الطاقة التي تنفثها من حولها، نجدها تفقد حرارتها مع الزمن، ومن ثم يتناقض وزنها أيضا. فهذا الكون الذي نراه أمامنا في صفحة السماء متألقا بالليل .. لا حدود له.. لا نستطيع أن ننكر عظمة خالقه الذي ابدع هذا الكون ووضع له أسسا ثابتة سيرته منذ ملايين السنين شامخا في ملكوت الله