بيان الجمعة: من أهم ما عني به الاسلام ارتفاعه بالانسان في اخلاقه السامية الى منزلة تقرب من الكمال تكفل للفرد السعادة في الدنيا والآخرة، وتحقق للمجتمع الذي يعيش فيه الراحة والطمأنينة والدعة والانسجام والنظام وما المجتمع الا عديد من الافراد يتعامل بعضهم مع بعض وقد جهدت الانسانية منذ عرفت المجتمعات في تنظيم العلاقة بين الافراد وكم شرعت من قوانين تلو قوانين ولكنها لم تهتد الى القانون المثالي ومازالت القوانين الوضعية الى يومنا هذا عاجزة عن الوصول الى مثل هذا القانون الذي يعيش فيه الناس اخوة متحابين متكافلين لايغير قويهم على ضعيفهم فيسلبه ما ملكت يداه ولا يشح غنيهم على فقيرهم فيزرع في فؤاده الحقد والضغينة ولا تنزو فيه الغرائز فتحيل الانسان الى حيوان مفترس وتموت في ظله الاثرة فيتسابق الناس في المحبة وفعل الخير والعمل الصالح فيغفرون ويصلحون ويدرءون بالحسنة السيئة ويعملون متضامنين على تحقيق منفعتهم العامة يراقب كل منهم ضميره فيما يعمل وينظر الى خير المجموع لا خير نفسه فحسب. ولكن هذا المجتمع المثالي قد تحقق في ظل الاسلام في عهوده الاولى بفضل تعاليمه الرشيدة وهدايته الربانية التي جاءت على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه سبحانه «وانك لعلى خلق عظيم». ولكي ندرك هذه الحقيقة ونريد لانفسنا ولمجتمعنا السعادة يجب ان نعلم ان الاسلام انما يرمي بتربيته الخلقية الى تربية الضمير الخلقي الرفيع ينشأ مع المرء منذ حداثته وينمو معه كلما كبر في السن فيشتد ويقوى ويسيطر على افعاله صغيرها وكبيرها لا يختلف معه باطن العمل وظاهره فهو خلق ثابت مهما تغيرت حال الانسان وتقلب به الزمان من قوة وضعف وغنى وفقر وعلم وجهل ورفعة ووضعة فاذا قوي كانت قوته لنفع قومه الذين يسروا له سبل القوة واذا اغتنى تصرف في ماله تصرف من يدرك ان المال مال الله وانه عارية مستردة وانه لا خير في مال لا منفعة فيه للناس واذا علم لا يفخر بعلمه ويتخذه مطية للجاه والكبرياء والثراء وهو ما اتيح له التفوق في العلم الا لان مجتمعه مكنه من ان يستغل مواهبه الربانية حتى تؤتي اكلها فهو مدين للمجتمع بما ناله من خير وهو ملزم بسداد هذا الدين يبذله عن طيب خاطر وبنفس سمحة لبني قومه ورفعة وطنه وتقدم امته بل وتقدم الانسانية جمعاء. ان هذا الضمير الخلقي الثابت الذي يقف دائما حارسا يقظا يحول دون المرء والرذيلة والفساد ويوجهه الوجهة الخيرة ويدفعه دفعا الى ان يتقدم بقوة وايمان لتقويم المعوج واصلاح الفاسد هو الذي جعل المجتمع الاسلامي في فجر الاسلام مجتمعا مثاليا لم تر الدنيا له نظيرا وقد خرجت هذه الجماعة المسلمة الى العالم يمشي نورهم بين ايديهم وبايمانهم فأرته وجها لا عهد له به من قبل يفيض منه البر والخير والنفع العام والعدل والمرحمة ففتح لهم صدره ودانت لهم مشارق الارض ومغاربها وكانوا كما قال الله تعالى فيهم: «الذين ان مكناهم في الارض اقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وامروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الامور» ومرد هذا الخلق الثابت وتربيته تربية مثالية يرجع الى العقيدة والعمل، العقيدة التي تتمثل في الايمان بالله الذي يعلم وباليوم الاخر والثواب والعقاب على ما قدمت ايدينا من عمل والعمل الذي يتمثل في طاعة الله ورسوله واداء الواجبات الدينية التي تعود على المرء يتمثل في طاعة الله ورسوله واداء الواجبات الدينية التي تعود على المرء بالخير في خاصة نفسه وصلته بربه ومراقبة الله في معاملة الناس حتى يسلموا من لسانه ويده وحتى يفيدوا من جهده وبره هذه المعاملة التي هي محك الاختبار والبلاء حيث تتعارض المصالح والرغبات وتشرئب المطامع والشهوات وتتحدث النفوس الامارة بالسوء ولهذا كان القانون الاسلامي العظيم «الدين المعاملة». ان الاساس الاول في هذه التربية المؤمنة ان الانسان مسئول عن عمله «من عمل صالحا فلنفسه ومن اساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد» ومن ثم وجب على الانسان المؤمن ان يراقب نفسه في كل كبيرة وصغيرة في السر والعلانية لانه سيجازى على عمله ولن يظلمه الله شيئا ان هذه التبعة تجعله في يقظة دائمة لكل ما يصدر عنه من قول او فعل متمثلا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اتق الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك». هذه التبعة تجعل المؤمن يبدأ بنفسه يصلحها ثم بمن يلوذ به من افراد اسرته فهو مسئول عنهم والاسرة نواة المجتمع ومتى اصلح كل منا نفسه واصلح اسرته لا ريب في ان يتحقق المجتمع الاسلامي الرشيد. ان الانسان متى تعود على هذه المراقبة النفسية الدقيقة واستشعر خشية الله دائما صار ذلك عادة له وفضيلة من فضائل النفس وما الفضيلة الا بنت العادة وبذلك يسلم في الحياة الدنيا والاخرة «من عمل صالحا من ذكر او انثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم اجرهم بأحسن ما كانوا يعملون». اما الحياة الطيبة فهي تلك التي يسودها الاطمئنان والتسليم لله بعد الاخذ بالاسباب والايمان بقضائه وقدره في العواقب وحب الناس له وتعاونهم معه ايا كانت منزلته الاجتماعية، فالمؤمنون اخوة ورابطة الاخوة تعلو على كل شيء وتستوجب التلاحم والنصرة ودرء الاذى «والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله اولئك سيرحمهم الله ان الله عزيز حكيم». صدق الله العظيم احمد عبدالتواب احمد