مهما كانت مُمارسات السياسيين البارزين عامة والرؤساء خاصة مُغرقة في ذاتيتها المحضة فإنها تكتسب طابع الحدث أو لنقُل الشأن العام. قد يُفسر ذلك إن تلك الممارسات الشخصية تحدث وسط الاهتمام وداخل هالتي السلطة والإعلام، فإذا نجت من نفوذ الأولى تماماً فإنها لا تفلت من بريق الثانية. لهذا لا يأتي زفاف الرئيس السوداني استثناءً من حيث تداوله عبر قنوات الإعلام ـ إذا ثبتت مصداقيتها ـ فكذلك كان الحال مع زواج الرئيس السوري ونبأ زفاف العاهل المغربي. قد يكون زفاف البشير أكثر إثارة من سابقيه لاعتبارين أحدهما شخصي والآخر سياسي. فيما يتعلق بالشق الشخصي فالرئيس السوداني أكبر سناً من العاهل المغربي والرئيس السوري. وهذه تجربة الزواج الثانية في رصيده وقلما يخوض رئيس هذه التجربة وهو في السلطة، ربما لأن هموم السلطة نفسها أكبر من اهتمامات زوجة تُثير غيرة الزوجة الأولى. وبما أن تجربة البشير الأولى لم تُثمر طفلاً فإن العديد من الأسئلة تُصاحب نبأ الزفاف الثاني. بعض هذه الأسئلة يذهب ـ أردنا أم لم نُرد ـ لتطال الرئيس السوداني الأسبق جعفر نُميري من زاوية المقارنة بينه وبين البشير. أوجه المقارنة بين الإثنين تتعدد من الذاتي إلى السياسي. فالنُميري مثل البشير تزوّج وهو ضابط من إحدى قريباته ولم يكن له نصيب من الولد، لكنه لم يتزوج ثانية وهو في السلطة أو خارجها. ومع أن ظروف السودانيين الاقتصادية والاجتماعية لم تكن في عهد النُميري مُغايرة كثيراً لحالهم في عهد البشير إلا أن الرئيس الأسبق لم يُحرّض على زواج الأرامل مع أن لعهده «شهداء» ولهم «أرامل». ثمة أسئلة تذهب أبعد من ذلك فتطال السيدة الأولى في عهدي «مايو» و«الإنقاذ» من حيث سطوة كل منهما وحظوتها لدى الرئيس. فيما يتصل بالشق السياسي يفتح زفاف البشير الباب واسعاً أمام عاصفة من الأسئلة المُلحّة، إذ أنه جاء ترجمة عملية لنداء أطلقه الرئيس السوداني مراراً داعياً للزواج من «أرامل الشهداء» في سياق التعددية البيتية. كل دعوة يُطلقها الرئيس تتوغل في السياسة أعمق حين يُبادر الرئيس نفسه لترجمتها على أرض الواقع. ما يمزُج الخاص بالعام في زفاف البشير أن الرئيس اختار لنفسه من أرامل الشهداء أرملة وزير دفاعه إبراهيم شمس الدين. وحين يكون الوفاء لرفاق السلاح هو المنطلق يطرح البعض تساؤلاً عن علاقة الرئيس بنائبه الفريق الراحل الزبير محمد صالح فبالإضافة لمنصبه اعتبر فقهاء الإنقاذ الزبير «سيد الشهداء» ربما يخوض البعض في فارق السن بين الزبير وشمس الدين. إذا توقفت الأسئلة عند هذا المستوى فمن المؤكد أن الرئيس أكثر من غيره قُدرة على تقييم معاونيه وحالات أراملهم. المصادر التي سربت الخبر مسبقاً أكدت أن الزفاف لن يكون حصراً على الرئيس وأرملة وزير الدفاع وإنما سيكون جماعياً وأكدت أن قوامه وزراء ومسئولون تنفيذيون و«أرامل شهداء» وحرصت على عدم فتح أي احتمال لوجود عريس جديد وعروس بكر، وهو حرصٌ على منح المناسبة خصوصيتها السياسية بحيث يُصبح الزفاف إجراءً لدعم النظام ونهجه «الحضاري» و«الجهادي». غير أن سؤالاً يطرح نفسه عما إذا كانت هذه الخطوة ستوسّع أو تضيّق قاعدة النظام وسط النساء. رغم تسييس الزفاف على هذا النحو فلا يزال في الأمر الكثير من الذاتية الذي يحصره في سياق العلاقة المألوفة بين الرجل وقرينته. غير أن حتى هذه النظرة تُطلق علامات استفهام كبيرة فوق المناسبة للإجابة عما إذا كان الرئيس يتصدى بهذا الزفاف لرعاية «أرملة الشهيد» أم أبنائه أم إنه يُراهن على حقه المشروع في «خِلفة» من صُلبه بدافع غريزة الذكر أم أن الرئيس يندفع في رهانه لجهة خليفة يرثه في الرئاسة ـ وهو كذلك حق معلوم ـ في زمن الجمهوريات الوراثية؟ ما من أحد يستنكر وفاء الرجال لرفاقهم ولكن أسئلة عديدة تترى في هذه المناسبة محورها «أرامل الشهداء» اللواتي لا يملكن علاقات مع الوزراء والمسئولين وصُناع القرار في الدولة، فهؤلاء من يحل أزماتهن؟ بالتأكيد هناك «أرامل شهداء» يستحقن بمختلف المعايير المتاح إعمالها حياة هانئة، وبينهن وبين المسئولين بون شاسع. هناك أعداد كبيرة من «أخوات الشهداء» و«أمهات الشهداء» اللواتي يواجهن محنة تتطلب الحل. رغم نُبل دعوة الرئيس فإن توسيعها على الصعيد الشعبي يبقى عصياً. إذ أن الواقع السوداني المعيش يدفع رب الأسرة للاصطدام بأعباء ثقيلة على درب الحياة اليومية. ربما كان في البحث عن حلول أخرى تتضمن حزمة تسهيلات وحوافز خيار أفضل. داخل النظام وزراء ومسئولون تنفيذيون لا علاقة لهم بالنهج الجهادي فهناك «مُستقطبون» و«متواليون» ومن ثم فهناك علامات استفهام فوق رؤوسهم عما إذا كانوا سيلتزمون بمبادرة الرئيس طوعاً أو كرهاً. قد لا نستبعد ارتفاع صوت يحُض أقطاب المعارضة في الداخل والخارج على الاستجابة لنداء الرئيس في سبيل تحقيق الوفاق الوطني. ليس غريباً أن يرى بعض أصحاب المبادرات التي لا حصر لها والوسطاء بين النظام والمعارضة في مثل هذه الممارسة جسراً للمصالحة والسلام. من المؤكد أن المعارضة لن تتجاوب مع النداء ليس من منطلق الرفض التقليدي فقط ولكن ثمة فوارق بين المعارضين و«أرامل الشهداء»، بعضها جوهري ومنها ما هو مظهري. قد يعتقد بعض المعارضين أن لديهم «أرامل شهداء» أولى كذلك بالمعروف، إن لم يكن من باب الوفاء للرفاق فلذاتهن. بين العام والخاص لا نُريد إثارة مزيد من علامات الاستفهام حتى لا يتهمنا المُرجفون في المدينة بما لم نقُله ويُريدون قوله بين سطورنا