بيان الجمعة: تعتبر معركة مايكروسوفت واحدة من كبريات معارك الاحتكار في التاريخ المعاصر التي يمكن ان تقارن بقرار تقسيم شركة بارون للنفط جون دي روكفيلرز ستاندارد أويل عام 1911. لكن بطبيعة الحال كلما تقدم الزمن كلما اختلفت اشكال واحجام الاحداث فعلى الرغم من شعورنا بأن الزمن واحد وان التاريخ يعيد نفسه دائما الا ان الاحداث تتسع اكثر ضخامة ففي بداية شهر فبراير الماضي فتحت كولين كولار كوتيلي قاضية المحكمة الجزائية التي تنظر في قضية الاحتكار المرفوعة على شركة مايكروسوفت للبرمجيات الباب امام توقيع عقوبات اشد على الشركة العملاقة قبل اصدار قرار بشأن التسوية المقترحة في حين حددت الشهر الحالي لتنظر في التسوية التي تم التوصل اليها بين مايكروسوفت ووزارة العدل الامريكية لكنها لم تعط اي اشارة بشأن ما اذا كانت ستتخذ قرارا عاجلا بقبول الاتفاق ام لا، في الوقت الذي استجوبت فيه وزارة العدل فيما اذا كانوا سيقدمون دفوعهم بشأن التسوية وعقوبات اشد على مايكروسوفت طلبت توقيعها الولايات الامريكية التي رفضت التسوية المقترحة، كما طالبت وزارة العدل بتقديم مذكرات قانونية ترد بها على الانتقادات التي وجهت اليها وتشكك في مدى اتساق التسوية المقترحة مع حكم محكمة الاستئناف، كما طالبت الشركة بأن ترد على ما وجه اليها من انتقادات خاصة بعدم كشفها عن كافة اتصالاتها مع وزارة العدل، وقد كانت هذه الانتقادات جاءت في دعوى مرفوعة من معهد مكافحة الاحتكار وهو مؤسسة غير ربحية. وكانت وزارة العدل وتسع ولايات أمريكية قد وافقت على التسوية المقترحة والتي تلزم مايكروسوفت بالكشف في برامجها عن عناصر تتيح للمنافسين انتاج برامج منافسة بهدف القضاء على الممارسات الاحتكارية للشركة، لكن تسع ولايات اخرى رفضت الاتفاق وطالبت بفرض عقوبات اشد للقضاء على احتكار مايكروسوفت للنظم المشغلة للكمبيوتر. تطور الأمر تطور الامر بعد ذلك ففي منتصف الشهر الماضي طلب رؤساء الادعاء العام في تسع ولايات امريكية استمرار النظر في قضية حجب الثقة عن مايكروسوفت من قاضية المحكمة الفيدرالية ومنع اكثر من عشرين شاهد نفي أحضرتهم شركة المعلومات العملاقة لتتفادى بهم صدور قرار بفرض عقوبات قانونية قاسية على الشركة، فقد اتهمت الولايات التسع مايكروسوفت بأنها تحاول كسب الوقت لتأخير الاجراءات القضائية وتغيير مسار القضية وعرقلة اصدار الحكم بحق الشركة التي يعاني الكثيرون من منافسيها والمستهلكون من اجراءاتها الاحتكارية لكن مايكروسوفت ردت بأنها تحتاج الى الشهود لأن الولايات التسع تقترح عقوبات جذرية من ضمنها اجبار الشركة على بيع اجزاء من نظام ويندوز المعمول به حاليا في أجزاء واسعة من العالم. ومنذ ايام في اول مارس اعلنت وزارة العدل عن توصلها مع شركة مايكروسوفت لتكنولوجيا المعلومات على اجراء تسوية في قضية حجب الثقة المرفوعة على الشركة بتهمة تجاوز قوانين الاحتكار ورفض رؤساء الادعاء العام احضار الشركة لشهود نفي، وتعد هذه التعديلات نقاطا ايجابية في قضية مايكروسوفت كما اعتبرت مايكروسوفت هذه التسوية خطوة لانهاء مواجهات قانونية وقضائية استمرت اربع سنوات، كما اعلنت موافقتها على الكشف عن عناصر في برامجها تتيح للمنافسين انتاج برامج منافسة بهدف القضاء على الممارسات الاحتكارية التي اتهمت باقترافها. عقوبات شديدة لكننا نعتقد ان هذه التسوية والتي ستنقذ مايكروسوفت من ان تتعرض لعقوبات شديدة قد تقضي على سيطرتها على سوق البرمجيات، لن تأتي بناء على التفاوض الذي ادى الى التسوية وانما لان شركة مايكروسوفت يساندها رئيس الولايات المتحدة الحالي جورج بوش الابن وادارته، كما اشارت الى ذلك صحيفة النيويورك تايمز في ديسمبر 2000 الماضي، حيث تنبأت الصحيفة بأن مايكروسوفت ستستفيد من رئاسة جورج بوش التي بدأت في شهر يناير عام 2001 بسبب رأيه المخالف لقرار وزارة العدل القاضي بتقسيم الشركة العملاقة حينذاك. ولم تكن الصحيفة تروج الشائعات او الاخبار المثيرة لجذب القاريء اليها فقط وانما كانت تقرأ المستقبل وتتنبأ به، فبمجرد تولي جورج بوش الابن الحكم في الولايات المتحدة حتى ألغت محكمة استئناف امريكية في مقاطعة كولومبيا بالاجماع امرا بتقسيم شركة مايكروسوفت العملاقة لانتاج برامج الكمبيوتر الى شركتين وان كانت قد ابقت على قرار محكمة ابتدائية بأن الشركة انتهكت قوانين مكافحة الاحتكارات، كان ذلك في شهر يونيو 2001 الماضي. بعدها بشهر واحد اتفقت مايكروسوفت وديا مع ولاية نيومكسيكو والتي كانت واحدة من الولايات التسع عشرة التي تقاضي مايكروسوفت بتهمة احتكار السوق فتنازلت الولاية عن حقها في مقاضاة الشركة وأعلنت وزيرة العدل في الولاية انهم حصلوا على ما كانوا يريدون ربحه عن طريق المحاكمة. لكن اذا كانت مايكروسوفت يدعمها المال والاتجاه السياسي الحاكم فهي تخسر يوميا تعاطف المجتمع معها، فبعد ان اعلنت في اول يناير عام 2001 عن انفاقها مئتي مليون دولار على الاعلان لتسويق منتجاتها حتى تعرضت لهجومين من قراصنة الانترنت على مواقعها وفي نفس الوقت اعلن سبعة من موظفي الشركة رفع دعوى عليها يتهمونها بالتمييز العنصري والتحيز العرقي، في حين رفعت ثماني وثلاثون دعوى احتكار ضد الشركة وان كان القاضي الفيدرالي رفضهم بعد ذلك. في النهاية نحن ننتظر حكم المحكمة الخاص بتلك القضية الازلية التي دخلت في عامها الرابع فقط لنر اذا كان القضاء الامريكي مسيس أم انه قضاء نزيه. أمنية طلعت omneya@albayan.co.ae