بيان الجمعة: هنالك كثير من القصص المشهورة عن الحرب العالمية الاولى، ولكن القليل منها فقط هو الذي برز عن فترة قصيرة جداً في تاريخ البحرية البريطانية إبان الحرب. كان الوقت ربيعاً عام 1917، وكان الالمان قد صعدوا من حملتهم الهجومية بغواصاتهم التي اطلق عليها اسم «يوبوت». وكان هناك المئات منها في مياه الاطلسي وبحر الشمال التي تستهدف الاسطول البريطاني وقوافل الغذاء بنية تجويع بريطانيا حتى الاستسلام. وفي مرحلة من المراحل، كان يتم تدمير ما يصل الى 60 سفينة في الاسبوع من قبل غواصات «اليوبوت» وبدت البحرية البريطانية عاجزة امامها، وفي ابريل من ذلك العام حذر رئيس الوزراء لويد جورج القيادة البحرية بقوله: «تصرفوا او تخلوا عن مناصبكم» ومن شدة يأس البحرية، توجهت الى لفتنانت شاب كان رساماً بحرياً ايضاً طالبة العون. قبل ذلك ببضعة اسابيع، كان نورمان ولكنسون قد قدم خطة جنونية ظاهرياً من شأنها ان تساعد على كسب المعركة وانقاذ اعداد لا حصر لها من الارواح. وكانت خطة تهدف الى تحويل الاسطول برمته من اللون الرمادي الخاص بالسفن الحربية الى ثورة من الالوان والرسوم التكعيبية وتقتضي خطته طلاء السفن بألوان غريبة لتضليل الغواصات الالمانية، وكانت تلك هي المرة الاولى التي يستخدم فيها الفن لخدمة الحرب. وقد ظن معظم الاشخاص ان ولكنسون مجنون، ولكنه اعتقد ان خطته لديها فرصة بالنجاح. وبصفته قائداً لزورق حراسة في القنال الانجليزي، فقد عرف ان قائد غواصة «اليوبون» يحتاج الى معرفة احداثيات مقدمة وخلفية سفينته المستهدفة من اجل حساب الممر الذي سيسلكه الطوربيد. واعتقد ويلكنسون انه اذا استطاعت صور واشكال مصممة بعناية ان تشوه شكل السفينة، فان الطوربيد قد يخطيء هدفه، مما يسبب الارتباك لقائد الغواصة. وقد اعجب السير جوزيف ماكلي، وزير الشحن بالفكرة كثيراً لدرجة انه امر بتحويل 50 سفينة تجارية في جبهة بحر الشمال على الفور، وانطلق فريق ولكنسون من ضباط التمويه الى العمل وبسرعة عمل ولكنسون على تجميع غالبية الفنانين البوهيميين في لندن والرسامين، ومن بينهم الرسام الكبير ادوارد وودسويرث ضابط استخبارات بحرية وكان عضواً بارزاً في الحركة الفنية المعروفة باسم «الدوامية». كان اعضاء الحركة الدوامية متأثرين بالصالونات الفرنسية والايطالية التي خرجت عن الحركة التكعيبية التي قادها بيكاسو. وقام هؤلاء الذين رأسهم الفنان والكاتب ويندهام لويس، باصدار مجلة تحمل اسم «بلاست» هاجمت الحرب والحكومات والمؤسسات التي اعتبروها مسئولة عن القتل الذي لا معنى له لجيل كامل. وكما ذكر لاحقاً في سيرته الذاتية، لم يكن لدى وودسويرث اية تحفظات حيال التخلي عن ايديولوجيته السياسية. فهو لم يستطع ان يقاوم التحدي المتمثل في انتاج عمله على نطاق لم يكن يحلم به. وبذلك اصبحت الساحة مهيأة لهذا الزواج المذهل بين المؤسسة الرسمية والحركة البوهيمية. وبالاضافة الى تجنيد الرسامين قام ولكنسون بتوظيف صناع النماذج وطلاب الرسم. وبالعمل من الاكاديمية الملكية في بيكاديللي، رسم الفنانون تصاميم على نماذج صغيرة مركبة على طاولات دوارة. ثم كان يتم ارسال انجح التصاميم الى الموانيء للتنفيذ. ولابد انه كان امراً مدهشاً ان يشاهد السكان المحليون السفن الحربية تدخل حوض السفن بلونها الرمادي وتخرج بخطوط والوان زاهية. اتسع بعد ذلك نطاق الاهتمام بالمشروع، فتقاطر العديد من الاميرالات الفضوليين لرؤية تلك الخدعة. وحتى ان الملك جورج الخامس لم يستطع ان يقاوم اغراء الاطلاع على تلك الطريقة. وامتد المشروع الذي حظي بموافقة من الملك ليشمل جميع الموانيء في البلاد ومن بينها ليفربول وتشاتام وتنيسايد، وفي ذلك العام، نفذ اعضاء الحركة «الدوامية» اكبر مهمة لهم وهي طلاء سفينة اوليمبك، وهي السفينة الشقيقة لسفينة تايتانيك وبعدما دخلت الولايات المتحدة الحرب في ابريل 1917، عملت اوليمبك كناقلة للجنود حيث كانت تجلب 6000 جندي امريكي في كل مرة تعبر الاطلسي. ومعاً، استطاع ولكنسون وودسويرث ان يجعلوا منها تحفة مبهرة، واعيد اطلاقها بألوانها الجديدة الاصفر والازرق والاحمر في ابريل عام 1918. وبعد شهر واحد فقط من العمل بوظيفتها الجديدة، حجزت مكاناً لها في سجلات الارقام القياسية. وفي فجر الثاني عشر من مايو 1918، كانت عائدة الى ساوثمبتون عندما صادفت غواصة المانية تنتظر على سطح البحر لم يتردد قبطان اوليمبك في اطلاق مدافعها بينما كانت الغواصة تحاول الغوص في الأعماق. ثم دكت الغواصة «يوبوت» واصبحت بذلك اول سفينة تجارية في التاريخ تنجح في تدمير سفينة حربية معادية. عن «صنداي تايم مجازين»